التغلغل الاسرائيلي في افريقيا (ح2)

اعداد خضر عواركة - صافي محمد سعيد- د. علي جمعة - د. زينة يوسف

2020.11.24 - 09:34
Facebook Share
طباعة

 ثالثاً). أدوات ومظاهر التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا:

1. الأدوات الاقتصاديَّة:
          باستغلال حاجة الدول الأفريقيَّة للمساعدات, وتقديم الخبرات الفنيَّة والعلميَّة ولتكنولوجيَّة لها، وهو ما وفَّرته إسرائيل لبعض الدول التي أقامت معها علاقات اقتصاديَّة عن طريق ما سمي باتفاقيَّات التعاون الفني, فأقامت العديد من المشروعات التجاريَّة والصناعيَّة، إلى جانب أن التكنولوجيا الزراعيَّة التي تمتلكها إسرائيل, حيث تدير في أثيوبيا 187 مشروع زراعي، وفي كينيا تشاركت مع ألمانيا في مشروع لتطهير بحيرة فيكتوريا, وفي رواندا تتولي شركة تدعى "إيبوني" الإسرائيلية وضع خطة للإشراف على منظومة الري بها, وفي الكاميرون نجدها اتفقت معها على أنشطة قصيرة وطويلة الأجل في هذا المجال, وتم توظيف "الماشاف" في هذا المجال في الكاميرون وأوغندا, كتطوير المستشفى الذي أنشأته في أوغندا من قبل شركة البناء الإسرائيلية "سوليل بون".
 
          كما أنشأت "إسرائيل" مطار أديس أبابا الدولي، وأقامت عدداً من المدارس والجامعات مثل جامعة الإمبراطور هيلاسيلاسى في إثيوبيا، وإقامة شركات مختلطة برأس مال "إسرائيلي/أفريقي" مثل الشركة الأوغنديَّة الوطنية للملاحة، وشركة سكر لبيع الثلاجات وأجهزة التكييف في كينيا، كما قامت "إسرائيل" بافتتاح عددٍ من المكاتب التجاريَّة, وتُعد إثيوبيا وكينيا الشريك التجاري الأول للاقتصاد "الإسرائيلي"في أفريقيا، فقد أظهرت أرقام “المعهد "الإسرائيلي"للصادرات والتعاون الدولي” وجود أكثر من 800 شركة "إسرائيليَّة" تعمل حالياً في كلاً من إثيوبيا وكينيا، بالإضافة إلى جنوب أفريقيا، كما امتد النشاط "الإسرائيلي"إلى قطاع التعدين والتنقيب عن المعادن واستخراج الماس في كلٍ من جيبوتي وكينيا، إلى جانب حصولها على مناجم الحديد في أوغندا.
 
2. الأدوات العسكريَّة:
          كاستعانة بعض الدول الأفريقيَّة بالخبرات الإسرائيلية في المجال العسكري خاصة في قطاع التدريب والتسليح مثل دولة زائير السابقة، ودعم حركات التمرُّد والحركات الانفصاليَّة مثل دعمها لجنوب السودان، وكذلك تجارة بعض الشركات الإسرائيلية في الصفقات غير المشروعة للسلاح، ونشاط كبير للشركات الأمنيَّة الإسرائيلية, وفي الكونغو على سبيل المثال قامت بتدريب الحرس الخاص بالرئيس السابق "دينيس نيغيسو"، وتعاقد خلفه "باسكال ليسوبا" مع شركة "ليف دان" لتدريب وتسليح ميليشياته الخاصة من الزولو، أمَّا عن صفقات السلاح فنجد أنَّه قد عقدت صفقة عام 2006م بين شركة "يافنيه" الإسرائيليَّة المتخصِّصة في صناعة الطائرات بدون طيار وبين نيجيريا, بالإضافة إلى 15 طائرة حربيَّة إسرائيليَّة, وتدريب بعض الطيارين النيجيريِّين بقيمة إجماليَّة تصل إلى ربع مليار دولار، وتعتبر تلك الصفقة أكبر صفقة تمت في تاريخ إسرائيل بين شركة إسرائيليَّة و دولة إفريقيَّة.
 
           كما أقامت في أرتيريا عدد من القواعد العسكريَّة في "روجيات" و"مكهلاوي" على الحدود السودانيَّة, هذا إلى جانب محاولة إسرائيل لاستفادة من جزر إرتريا التي تمتعت بوجود قوي فيها عبر وحداتها الأمنيَّة، هذا إلى جانب دعمها لأثيوبيا في بناء السدود خاصة "سد النهضة", الذي يشكل مشكلة و تهديد أمني لمصر و السودان.
 
3. الأدوات الثقافيَّة:
          عبر تسويق إسرائيل لنفسها على أنَّها تعرَّضت للتميز العنصري مثل الأفارقة خلق نوعا من التعاطف, إلى جانب ذلك قدَّمت إسرائيل نفسها كنموذج متقدِّم ومتطور يمكن الاقتداء به من قبل الدول النامية مثل بعض دول أفريقيا, كل هذا ساعد على اتساع دائرة العلاقات الأفريقيَّة، وأدى إلى عمق العلاقات الإسرائيلية الأفريقيَّة.
 
4. استغلال اليهود الأفارقة:
          حيث منحت الجالية اليهوديَّة في أفريقيا دعماً كبيراً لـ"إسرائيل"، حيث تحتضن القارة الأفريقيَّة عدداً من الجاليات اليهوديَّة؛ لا سيما يهود "الفلاشا" في أثيوبيا، واليهود في جنوب أفريقيا وزيمبابوي وكينيا، وتستغل "إسرائيل" وجود تلك الجاليات في معالجة الضغط الديموغرافي في "إسرائيل"، وزيادة الكثافة السكانيَّة فيها، كما أنَّها تقوم بتوظيف أبناء تلك الجالية لتحقيق مصالحها والتأثير على الأنظمة الأفريقيَّة في المجالات المختلفة, ففي جنوب أفريقيا تُعد الجالية اليهوديَّة واحدة من أغنى الجاليات اليهوديَّة في العالم, ذات التأثير المباشر على الاقتصاد "الإسرائيلي" فهي تحتل المرتبة الثانية من مساهمة يهود الجاليات في خزانة إسرائيل بعد الجالية اليهوديَّة في الولايات المتَّحِدة الأمريكيَّة.
 
5. الأدوات الدبلوماسيَّة:
          وزارة الخارجية "الإسرائيلية" هي الجهاز الرئيسي المسؤول عن إقامة وتطوير وتعزيز العلاقات مع الدول الأخرى ومنها الأفريقيَّة، وقامت وزارة الخارجيَّة "الإسرائيلية" بتأسيس عدة إدارات ذات اختصاص محدَّد من أجل تنفيذ الخطط الاستراتيجيَّة للسياسة الخارجيَّة "الإسرائيلية" والتي تعكس الاهتمام "الإسرائيلي"بالعلاقات مع الدول الأفريقيَّة, فقامت بإنشاء إدارتين متخصَّصتين في الشؤون الأفريقيَّة، إحداهما تختص بدول شمال وشرق أفريقيا، والأخرى تختص بدول جنوب وغرب أفريقيا.
 
6. الأدوات الإعلاميَّة:
          راهنت إسرائيل على الصحافة والإعلام كقوَّة ناعمة تدعم وجودها في أفريقيَّة, كما استثمر الإسرائيليون في كثير من الصحف ووسائل الإعلام فيها, وبالتالي كانت الصحافة السلاح في تنفيذ الإستراتيجية التوسعيَّة والتغلغل, عبر دعم الصحف وتمويلها في أفريقيا, وبالتالي عكس صورة ورؤية إسرائيل للقضايا السياسيَّة والأمنيَّة وغيرها لصالحها, مثل جريدة City Press الجنوب أفريقيَّة, التي دافعت عن الممارسات الإسرائيليَّة في قطاع غزة, وكذلك إلقاء جريدة The Reporter"" الضوء على التجربة الخاصَّة بإحدى الفتيات الأثيوبيَّات، التي قامت باستكمال دراستها الجامعيَّة في إسرائيل، وساعدتها إسرائيلي في حصولها على الدكتوراه من الولايات المتَّحِدة.
 
7. استثمار الأساطير:          
          استثمرت إسرائيل بعض الأساطير "غير الحقيقيَّة" لتعزيز علاقتها بالدول الأفريقيَّة ومثال على ذلك أثيوبيا، حيث زعمت أنَّ العلاقات الإثيوبيَّة الإسرائيليَّة, ترجع إلى عصر ملكة سبأ "بلقيس" التي جاءت إلى النبي سليمان, إلى القدس وبعد زواجهما ولدت "مينيلك" الذي هو أحد أجداد الإمبراطور هيلاسيلاسي، وحاولت إسرائيل تدعيم ذلك الزيف التاريخي بمقولة الإمبراطور "هيلاسيلاسي الأول" وخصوصًا أنَّه لجأ ومجموعة من الإثيوبيِّين عام 1936م إلى القدس بعدما قامت إيطاليا بغزو إثيوبيا.
 
8. أدوات الاستغلال الصحِّي:
          مؤخَّراً استغلت إسرائيل جائحة فيروس كورونا "كوفيد 19" وأثره السيء على أفريقيا, في الوقت الذي تعاني منها معظم دول القارة الأفريقيَّة من تدهور المنظومة الصحيَّة, فعرضت إسرائيل مساعدات طبيَّة, وتوفير أجهزة تنفُّس.
 
9. الأدوات الثقافيَّة:
          المدخل الثقافي من خلال المشروع الإسرائيلي الخاص بما يُسمّى "الأخدود الإفريقي العظيم", والمدخل البحثي, المتمثِّل في مشروعات التعاون الإقليمي للشرق الأوسط, والمدخل العقدي, الذي يتمثَّل في ترويج مذهب الصهيونيَّة المسيحيَّة في أفريقيا؛ من خلال نشاطات الجماعات اليهوديَّة الأفريقيَّة, والمدخل الرياضي, المتمثِّل في معسكرات كرة القدم الإسرائيليَّة ومدارسها في بعض الدول الأفريقيَّة, بالإضافة إلى العلاقات الاجتماعيَّة بأشكالها المختلفة.
 
10. الأدوات التحريضيَّة:
          حيث تعمل إسرائيل على تحريض دول منابع النيل على المطالبة بنصيب أكبر من مياهه واستخدام ذلك كأسلوب عدائي ضد مصر, وخصوصاً في ما يتعلَّق بمشروعات التنمية الزراعيَّة وأهمها مشروعا توشكي وترعة السلام, بل ومحاولة فرض أفكار تسعير المياه وبيعها وإنشاء سوق دوليَّة لها, على غرار ما يحصل بالنسبة للمياه التركية, ناهيك عن دعمها المستمر لإقامة أيَّة مشروعات سدود أو التوسع في الزراعة لأية دولة نيليَّة, باعتبار ذلك تحديا لكل من مصر والسودان, ويستمر الدفع باتجاه تسخين المنطقة؛ حيث ظهرت أزمة علاقات بين مصر وعدد من دول حوض النيل، منها أوغندا التي أعلنت انسحابها من اتفاقية مياه النيل, وامتد التسخين في نفس الاتجاه بين النيجر وتشاد، وبين الجيش الكيني والميليشيات الإسلاميَّة في الصومال.
 
 
11. الاهتمام بأصحاب النفوذ:
          تهتم إسرائيل بشكل خاص بالأشخاص الأفارقة ذوي النفوذ، أو الذين لهم مستقبل سياسي مأمول في بلدانهم، أو الذين ينتمون إلى الأقليَّات في بلدانهم ويرتبطون مع الولايات المتَّحِدة، وبالطبع بإسرائيل, ومن الأمثلة على هذه الحالات: الرئيس الكونغولي الراحل "موبوتو سيسيسيكو"، و"ميليس زيناوي" في إثيوبيا، و"أسياس أفورقي" في أرتيريا، و"جون جارانج" في جنوب السودان، و"يوري موسيفيني" في أوغندة، و"بول كاجامي" في رواندا.
 
12. دور الموساد:
           ممَّا لا شك فيه أنَّه الطرف الذي يلعب الدور المركزي والأساسي في أفريقيا, الذي يعمل بالخفاء، ويحافظ على ممثليَّات ناشطة في الكثير من العواصم الأفريقيَّة، كما كشفت صحيفة " هآرتس "، مؤخراً, وتفويض " الموساد " بالقيام بهذا الدور له علاقة بشكل أساسي بالدور التآمري الذي يسم دائماً تحرك هذا الجهاز.
          وتوجد مكاتب للموساد الإسرائيلي في العديد من الدول الإفريقيَّة, في أوغندا وإريتريا وإثيوبيا والكنغو وكينيا ورواندا, وفق اتفاقيَّات مبرمة بين الجانبين، هذا فضلاً عن الوجود الاستخباري غير المباشر من خلال الخبراء والمستشارين الفنيِّين، والجدير بالذكر أن إسرائيل استكملت مشروعها للتجسُّس في أفريقيا بوضع القمر "عاموس 1" فوق مدار القمر العربي "عرب سات 2" فوق أجواء كينيا, وهو ما يساعد إسرائيل على التجسس على الاتصالات العربيَّة والأفريقيَّة.
 
13. الدور الغربي:
          من خلال تأثير القوى الاستعماريَّة في مواقف الدول الأفريقيَّة حيال مبادرات الكيان الصهيوني لإقامة علاقات دبلوماسيَّة معها، ومثال لذلك نجد أنَّ الدول الناطقة بالفرنسيَّة, والتي يبلغ عددها 13 دولة, اعترفت بالكيان الصهيوني في العام 1960م, بتأثير من فرنسا، وكذلك أثّرت بريطانيا في الدول التي استعمرتها للاعتراف بإسرائيل وتوطيد علاقتها بها.
 
14. الدور النقابي والعمالي:
          حيث سعت إسرائيل بهذه الخطوة إلى تعميق نشاطاتها المتعدِّدَة الجوانب، وتجسَّدَت في إقامة علاقات مع النقابات العماليَّة والمنظمات المهنيَّة الأفريقيَّة، واعتمدت في تحقيق مآربها على نقابة العمال الصهاينة العامَّة "الهستدروت".
 
15. وحدة "RIB":
          في تحقيق استقصائي قام به الصحفيان "إيمانويل فريودنثال"Emmanuel Freudenthal و"يوري فان دير ويدجون" Youri van der Weide تم نشره على موقع africanarguments، تناولا فيه مسألة قيام عناصر عسكريَّة إسرائيليَّة بتدريب وحدة أو كتيبة التدخل السريع في الكاميرون Rapid Intervention Battalion والمعروفة اختصارًا باسم وحدة "RIB", حيث بدأ لجوء الرئيس الكاميروني "بول بيا" إلى الاستعانة بمستشارين عسكريِّين وأمنيين إسرائيليِّين بعد محاولة الانقلاب الفاشل الذي حاول الإطاحة به في العام 1984م، وفي سبيل تدعيم ركائز حُكمَه تمَّ الاستعانة بالعديد من الخبراء الإسرائيليين مثل "مائير ميوجاس"، كما تمَّ إبرام العديد من صفقات توريد الأسلحة الإسرائيلية إلى الكاميرون,
وتعزز التواصل العسكري الإسرائيلي الكاميروني في عام 1999م، حيث قام الملحق العسكري الإسرائيلي في ياوندي "وقتها آفي سفيان" بتدريب وحدات النخبة في الجيش الكاميروني ثم تدريب الحرس الرئاسي، وأخيرًا تأسيس وحدة التدخل السريع,
 
          تمتلك BIR وضعًا خاصًّا في الكاميرون؛ فهي تخضع مباشرة للرئيس الكاميروني بول بيا وليس لوزارة الدفاع الكاميرونيَّة، أي أنَّها خارج إطار الوحدات القتالية للجيش الكاميروني، ويتم تمويل الوحدة من خلال تخصيص نسبة خاصة من أرباح شركة النفط الوطنية الكاميرونيَّة وصفقات التنقيب عن الغاز.
 
14. "بلاك كيوب":
          لم يقتصر التواجد الإسرائيلي الأمني والعسكري في أفريقيا على مسألة تدريب الوحدات النخبويَّة, بل امتدَّ أيضاً إلى مسألة تقديم الخدمات الاستخباريَّة للأنظمة السياسيَّة الحاكمة في أفريقيا، ففي تقرير استقصائي قام به برنامج UVDA المذاع على التليفزيون الإسرائيلي بتاريخ 6 يونيو 2019م, أوضح أنَّ المخابرات الإسرائيلية الخاصَّة "بلاك كيوب" استعان بها الرئيس الكونغولي "جوزيف كابيلا" للتجسُّس على معارضيه.
 
يتبع...
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 4