بحث: اكراد سورية الجزء (4) محددِّات السياسة الكرديَّة أبان الحرب السوريَّة

اعداد خضر عواركة - د. علي جمعة - امجد اميرالاي

2020.06.22 - 10:20
Facebook Share
طباعة

 أولاً). الأكراد والصراع الدولي على المنطقة:
على صعيد ملف الحوارات الكُرديَّة البينيَّة، لا تزال معظم العقبات السابقة للوصول لصيغة توافقٍ كُردية موجودة، مع بعض الاختلافات في طبيعة البعض منها، مثل انخراط قوات سورية الديمقراطية والتي تحسب على حزب الاتحاد الديمقراطي ومنظوماته، ضمن عملية التفاوض والحوار بين المجلس الوطني الكُردي وحزب الاتحاد، كما تظهر إشكاليات جديدة تتعلق بشكلٍ خاص بمستقبل المكون العربي ضمن " قسد" و " مسد "، ضمن العملية التفاوضية الكُردية، ويعد الفارق الأبرز في هذه المفاوضات هو الفاعل الأمريكي المنخرط فيها بشكلٍ مباشر منذ بدايتها في محاولة منه للبحث عن صيغة توافق محلية ترضي الأطراف الإقليمية، وتحقق في النهاية توافقاً سياسياً محلياً ولربما خارجياً في مرحلةٍ ما لاحقاً ضمن الوفود المفاوضة في جنيف.
ومن خلال تفكيك المشهد المعقد إقليميًّا ومحليًّا في منطقة شرق الفرات، وفهم المصالح المتضاربة للأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في المنطقة، يظهر للمراقب أنَّ منطقة شرق الفرات تلعب دورًا بالغ الأهمية في الملف السوري على مستويين، الأول: المستوى الدولي والإقليمي، وذلك نتيجة لأهميتها الجيوسياسية واتساعها، إضافة لما تحتويه من ثروات؛ الأمر الذي يمنح الجهة المهيمنة عليها قوة تفاوضية على مستوى الحل السياسي النهائي، وبالتالي ومع تعدد اللاعبين الدوليين والإقليميين الفاعلين في تلك المنطقة, فإن هيمنة طرف من تلك الأطراف على المنطقة سيعني إقصاء باقي الأطراف وإضعاف أدوارهم في صياغة الحل السياسي, لذلك، لم تسمح الولايات المتحدة لتركيا بالهيمنة الكاملة على الشريط الحدودي، وإنما أدخلتها كلاعب على الأرض في المنطقة إضافة للدولة السورية وموسكو, وبذلك تكون الولايات المتحدة قد هدَّأت من المخاوف التركية من جهة، وأحدثت توازن مصالح بين الأطراف الإقليمية دون السماح لطرف بالهيمنة الكاملة في منطقة شرق الفرات, والثاني: المستوى المحلي والمتعلق بالإدارة الذاتية الكردية ومشروعها الفيدرالي، والذي يؤثر مصيره على شكل النظام الإداري المستقبلي للدولة السورية، وعلى مصير المسألة الكردية في سورية.
كما يُشكِّل دخول تركيا وروسيا والدولة السورية عسكريًّا إلى منطقة شرق الفرات مُهدِّدًا لمشروع الإدارة الذاتية بإنشاء كيان فيدرالي؛ إذ يبدو أن الأطراف الثلاثة يتقاطعون في نقطة منع إقامة إقليم كردي في سورية على النموذج العراقي، وهو ما يشير إليه التنسيق الروسي-التركي في شرق الفرات والتأكيد على الالتزام باتفاقية أضنة، إضافة إلى تلميحات مسؤولي الدولة السورية, حول استحالة القبول بالطرح الفيدرالي، والإشارة إلى أن سقف التنازلات الممكن تقديمها يتمثل بلا مركزية إدارية مخففة لكل المناطق السورية، وليس للأكراد بشكل خاص؛ الأمر الذي يبدو منسجمًا مع الرغبة التركية.
يبدو أن المطالب الفيدرالية للإدارة الذاتية ليست ضمن أولويات الولايات المتحدة، فإلى الآن لم تظهر مؤشرات كافية على دعم أميركي لمشروع فيدرالي في سورية يشبه ذاك الذي استقر في العراق، ومن المرجح أن أفضل ما يمكن توقعه من الولايات المتحدة هو حماية الإدارة الذاتية من تركيا والدولة السورية, ريثما يتم التوصل إلى اتفاق مع الدولة السورية تحدد ملامحه المفاوضات والتوازنات الإقليمية، وهو موقف غير مستبعد قياسًا إلى مواقف الولايات المتحدة السابقة، حيث لم تدعم استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق في العام 2017م، ولا ضمَّ كركوك للإقليم (في العام نفسه)، حيث سمحت الولايات المتحدة للجيش العراقي والحشد الشعبي بالدخول للمدينة (كركوك) وإبقائها تحت سيطرة الحكومة المركزية في بغداد، بالرغم من تعاون الإقليم مع واشنطن في الحرب على تنظيم الدولة منذ العام 2014م.
كما تلعب كل من مصر والسعودية والإمارات أدوارًا في منطقة شرق الفرات، فمصر لعبت سابقًا دور الوسيط لمفاوضات "قسد" مع الدولة السورية، في حين تدعم السعودية والإمارات الإدارة الذاتيَّة, وتسهم في تمويلها تحت اسم إعادة الإعمار بعد التنظيم، وذلك بهدف تطويق النفوذ التركي في سورية.
لكن "قسد" تُدرك أنَّ استمرار سيطرتها على المناطق العربية في شرق الفرات (الرقة، الطبقة، ريف دير الزور) هو أمر صعب، لكنها تحتفظ بتلك المناطق بدعم حلفائها لتقوية موقفها التفاوضي مع الدولة السورية حول المناطق ذات الوجود الكردي, وعليه، فإن إقصاء العشائر العربية عن التمثيل السياسي للمنطقة سيحولها إلى ورقة بيد "قسد" تتنازل عنها للنظام مقابل تنازلات من الأخير في الملف الكردي، وبهذا ستكون المناطق العربية وسكانها في شرق الفرات الخاسر الأكبر في مفاوضات الدولة السورية و"قسد".
ومع اتساع رقعة الصراع في سورية لتصبح دولية، ولعب الأحزاب السياسية الكردية أدواراً مـتناقضة في الحرب السورية, فمنها من أيد المعارضة وانخرط فيها, ومنها من وقف موقف الحياد, ومنها من وقف مع الدولة السوريَّة.
ثانياً). الأكراد والمعارضة السورية:
لم تشارك الاتجاهات السياسية التقليديَّة القومية في حراك المعارضة السورية بشكل مباشر ومنظم, فمع بداية الحرب دعت المعارضة السورية الأحزاب الكردية للعمل بشكل جماعي وتنظيمي, ولكن ذلك لم يلقَ الاستجابة الكافية, فقد قابل وفد من التنسيقيَّات حزب الاتحاد الديموقراطي الـ "ب ي دي", وتمت عدة اجتماعات مع بعض كوادر الأحزاب الأخرى الذين طلبوا الاعتراف بالحقوق القومية ومكاسب سياسية لم يتم الاتفاق عليها, بل اغتيل بعض قيادات الموالية للمعارضة في المناطق الكردية, والتي شكلت مجالس عسكرية في المنطقة, مثل, مشعل تمو, وأنور حفتارو, وجوان قطنا, ومصطفى خليل, ونصر برهك من الحزب البارتي, ومن الأحزاب الكردية التي دعمت المعارضة بشكل مباشر أو غير مباشر, تيار المستقبل ولم يكن حزباً بالمعنى الدقيق, وكان بزعامة مشعل تمو, وحزب آزادي, وحزب يكتي, والبارتي, والديمقراطي الكردستاني (سورية), وحزب الإصلاح, الذي دفع بكوادره للمشاركة بالحراك السلمي.
وتعرَّض المجلس العسكري الكردي إلى ضربة قاصمة, حيث استدرج الضباط الكرد إلى مناطق الحسكة بتوجيه دعوة وهمية من الزعيم مسعود البرازيلي لزيارة أربيل, وجرى اختطافهم في محافظة الحسكة من قبل الـ "ب ي د ي", وتناثرت الكتائب العسكرية الكردية حينها, وقل عدد المقاتلين وتوجه قسم منهم إلى كردستان العراق للحاق بقوات البيشمركة وهاجر الكثير منهم خلال عامي ٢٠١٤-٢٠١٥م, خاصة مع تنامي دور داعش في المنطقة, والاقتتال الذي تأتى عنه.
فمع بدء هجوم داعش على المناطق الكردية في الشمال السوري في محافظات الرقة وحلب والحسكة في عين العرب ورأس العين وتل ابيض, وإثر فشل مشروع التدريب الأمريكي لحرب داعش متمثلا في الفرقة ٣٠, وبعد فشل الجيش الحر وكتائبه في دير الزور والرقة والحسكة في الحفاظ على المناطق الشرقية ثم تشكيل قوات سورية الديموقراطية التي كان الـ ب ي د ي الجزء الأكبر والمكون الأساسي المهمين عليها بتاريخ ٢٠١٥/١٠/١٢ حيث ضمت كل من وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة وغرفة عمليات بركان الفرات ولواء الصناديد وتجمع ألوية الجزيرة وجيش الثوار والمجلس السرياني, وتم التوافق على أهداف التشكيل بحرب داعش فقط دون الدولة السورية, حيث تم تشكيل المجلس السياسي لهذه القوات بتاريخ ٨و٩-١٢ -٢٠١٥م, في مدينة الرميلان السورية.
وشملت الخريطة الجديدة سيطرة هذه القوات على محافظات الحسكة والرقة وشمالي حلب وشمالي إدلب وصولاً إلى البحر المتوسط, وبدأت القوات العسكريَّة بالتقدُّم ضد داعش في المحافظات الشرقية, واستطاعت هذه القوات السيطرة على محافظة الحسكة بالكامل و معظم مناطق محافظة الرقة وأجزاء واسعة من منطقة إعزاز وكامل مساحة منطقة عين العرب وأجزاء من منطقة جرابلس وكامل منطقة عفرين في محافظة حلب.
وباتت اللعبة السياسيَّة الدولية في سورية واضحة المعالم بعد أن سيطر الجيش السوري على مدينة تدمر, والبدء بإنشاء قواعد عسكرية أمريكية وفرنسية في الشمال السوري في مناطق الرميلان وعين العرب وسد تشرين وبتدخل مباشر من الأمريكان والفرنسيين.
ثالثاً). الأكراد والدولة السوريَّة:
نشطت أحزاب قريبة من الدولة السورية كحزب الاتحاد الديموقراطي ( ب ي د ) ودعا حزب الوحدة قواعده لعدم الاشتراك مع المعارضة المسلحة, وتوجه لعقد حلف مع الدولة السورية, وعمل على مواجهة المعارضة المسلحة في بعض المناطق من عفرين وجنديرس كما منحت الدولة الجنسية لمكتومي القيد من الأكراد, ووقف الحزب الديمقراطي التقدمي واليساري الكردي, والاتحاد الديمقراطي (بي يي دي), وحزب الوحدة الديمقراطي مواقف معادية للمعارضة المسلحة, لكن تذبذب الموقف الأمريكي الداعم للأكراد, عزز من مواقفهم من الدولة السورية, مقابل حصولهم على الحماية من الدولة والقوات الروسية والإيرانيين, لكن بالمقابل يرى المحللين أنَّه لا يُعتقد أنَّ الأكراد قد يشاركون في معارك إدلب، إلا إذا قامت فصائل المعارضة المسلحة والجماعات التكفيرية المرتبطة معها, باستخدام العنف ضدهم بشكل موسع, وأن هناك تفاهمات تحدث بين الروس والأتراك والسوريين فيما يعرف باسم (Battle Swap) أو تبادل مناطق القتال "وهو ما حدث في عمليات درع الفرات وغصن الزيتون، وهذا التبادل لمناطق الصراع أدى إلى الوصول لتفاهمات أسست لدخول الدولة السورية لهذه المناطق ووفر على الجانب التركي بعض المجهود".

 

بحث: اكراد سورية الجزء (1) لمحة تاريخية والعشائر الكردية

بحث: اكراد سورية الجزء (2) بنية الأحزاب الكردية

بحث: اكراد سورية الجزء (3) الأحزاب الكرديَّة الرئيسيَّة

بحث: اكراد سورية الجزء (5) الأكراد و أمريكا - تركيا - اسرائيل

 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4