كي لا يقع أطفالنا فريسة للتعنيف…سبل الوقاية و العلاج قبل أن تقع الكارثة

مايا عدنان شعيب

2023.08.08 - 09:56
Facebook Share
طباعة

 بعد الانتهاكات المتكررة لحقوق الأطفال في دور الحضانة و المدارس و حتى داخل الأسرة في لبنان كان لوكالة أنباء آسيا لقاء مع الدكتور مصطفى مهدي قصاص متخصص بعلم النفس البحثي التربوي، معالج نفسي تربوي مرخص من وزارة الصحة وعضو في جمعية تحصين ضد المخدرات .                        

             

بدايةً كان لا بد لنا من وضع اليد على الجرح لإيجاد العلاج اللازم من جهة ولتفادي تكرار هذه الظاهرة الشنيعة التي تهدد المجتمع اللبناني الذي يواجه أزمة اجتماعية خانقة تكاد تطيح بالأخلاقيات و الآداب المجتمعية التي بات الحرص  عليها في يومنا هذا "كالقبض على الجمر".


يوصي الدكتور مصطفى الأهل و المحيط المسؤول عن الطفل بضرورة الالتفات إلى أي كدمات أو جروح أو آثار قد تظهر على جسد الطفل والحرص على معرفة مسبباتها و التأكد من صحة المعلومات التي يدلي بها الطفل، والانتباه للأماكن التي تعدّ الأكثر عرضة للتعنيف كالرقبة أو الشعر ( تساقطه أو تقطع خصلات منه خاصة لدى الفتيات) إضافة إلى تكسر الأسنان حيث يكون ذلك دلالة على تعرض الطفل للَكم مباشر على الوجه، ولا نغفل الضربات التي تأتي على العين و محيطها (من احمرار و أورام بعيدًا عن الأمراض العادية التي تصيبها)، النزيف الذي قد يحصل من الأذن أو الأنف نتيجة ضربة، كما يشدد الدكتور مصطفى على ضرورة الالتفات إلى الآثار التي قد تظهر على ملابس الطفل لاسيما الدماء و الملابس الداخلية تحديدًا، كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن التبول اللاإرادي قد يكون نتيجة كدمات أو ضربات يتعرض لها الطفل إن لم يتحقق طبيًا من سبب المشكلة، كما تتسبب الضربات التي يتلقاها الطفل بالآلام مفاجئة في المعدة و الرأس أو الظهر، أما تداعيات الاعتداء الجنسي فجلّها يتمثل بصعوبة في المشي، إضافة إلى أعراض موازية لها من نزيف وتقيؤ و أوجاع متعددة.


هذا عن العنف الجسدي، فماذا هناك من عوارض لا تقلّ خطورة تظهر على الأطفال المعنَّفين معنويًا؟


يجيب د.قصاص عن السؤال بأن العلامات النفسية فهي تظهر من خلال تفاعل الطفل مع محيطه وأسرته، فيقوم بتصرفات غريبة وغير معتادة، بحيث يتجنب مخالطة أقرانه ورفاقه، يستحضر الطفل فجأة سلوكيات طفولية (تبول ليلي، مصّ الأصابع، و ما إلى ذلك…) وقد يشكو بعض الأطفال من تكرار الكوابيس أثناء نومهم، ويهتم الطفل فجأة بالسلوك الجنسي غير الطفولي فيخشى كثيرًا من أن يطّلع أحدُهم على أعضائه التناسلية بمن فيهم ذووه المسؤولون عن رعايته ونظافته الشخصية و يخشى من الاستحمام او الجلوس على المرحاض نتيجة قلق غامض لديه كذلك قد يخاف التواجد في أماكن معينة أو مع أشخاص معينين فيسعى الى تجنبهم ويصبح فريسة لتقلب المزاج فلا يميز الأهل إن كان فرحًا أو حزينًا فإذا بالطفل كئيبًا!


الانطواء و الانعزال إذن من العوارض النفسية الأكثر بروزًا على الطفل المعنّف.


أما عن دور الأسرة التي تعتبر الحاضنة الأساسية للطفل و دورها، فلا بد من الاشارة الى أنها الأرضية الأساس لوعي الطفل، والمحيط الاجتماعي الأول لتشكيل شخصيته واكتساب مهاراته، والأهل الذين يستعملون العنف في حل مشكلاتهم و مواقفهم اليومية يورثون الأطفال تلك الأساليب في التعامل، كما أنها تعتبر أحيانًا بيئات مسيئة بحد ذاتها على قدرة الأطفال على اكتساب مهاراته في الاتصال مما يسهم في تدني احترامه لذاته و الآخرين، فيمكن ان يكون التعنيف عن قصد او غير قصد من قبل الأهل، والحل يكون في السلوك الايجابي للأهل تجاه أطفالهم مما يعزز شعور الأمان لدى الطفل و هو أسمى ما يكون من أجل سلام الطفل النفسي و المعنوي، كما على الأهل أن يكونوا متفهمين للطفل فينصتون إليه ويتحاورون معه ليتمكن من التعبير عن ذاته و مشاعره بمحبة واطمئنان والأخذ بما يقوله الطفل على محمل الجد.


الخطة الناجحة التي تنجي الطفل من التعرض للتعنيف الجسدي و المعنوي تكمن في تهيئة شبكة علاقات إنسانية قوامها الأسلوب الحضاري و الراقي في التعاطي مع محيطه فيؤمن الأهل بذلك بيئة يأمن من خلالها الطفل،مع المراقبة والمتابعة المستمرة، من التعنيف و الأذى وشدّد د. مصطفى على ضرورة احتكاك الأهل المباشر و الفعال مع دار الحضانة و المدرسة و رفاق الطفل كي يحصنوه من أي ضرر أو أذى قد يتعرض له.


وبما أنّ "درهم وقاية خير من قنطار علاج" على الأهل أن يستبقوا الخطر ويلتفتوا إلى العناية النفسية والجسدية لأطفالهم، أما إذا وقع الطفل في أتون التعنيف أو تعرض له فلا بد من لجؤهم إلى أخصائيين نفسيين و تربويين يساعدون الطفل في تفريغ مكبوتاته لمساعدته في حماية نفسه من العنف مجددًا، كما يجب على الأهل بعد معرفتهم المسببين بالأذى والعنف لطفلهم، أن يقوموا بإجراءات قانونية لملاحقة الفاعلين كي ينالوا عقابهم و يكونوا بذلك رادعًا لمن تسوّل له نفسه إيذاء الأطفال أو تعنيفه.

وعن دور الجمعيات الأهلية و المحلية المعنية بحماية الأطفال من العنف، فصرّح د.قصاص أنه يتوجب على تلك الجمعيات:

١- التعريف والتوعية بحقوق الطفل (القانونية و الصحية والتربوية…)


٢- وضع الخطط الفعالة للحد من ظاهرة تعنيف الأطفال وعدم التهاون بها مطلقًا.


٣- تطبيق سياسات وإجراءات علاجية ووقائية عبر المتابعة الميدانية للمشاكل التي تسبب بهذه الظاهرة وملاحقة مفتعليها قانونيًا بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والتربوية.


٤- مواجهة العقبات والتحديات التي تقف عائقًا أمام نجاح مكافحة هذه الظاهرة، سواء إعلامية أو غيرها عبر مواجهة المشكلة و فضح مفتعليها لتفادي انهيار المجتمع بكامله.


٥- مراقبة سياسات و إجراءات حماية الطفل و تقييمها عبر إجراء مسح دوري و شامل لكافة المؤسسات التي تحتك مباشرة مع الأطفال من دور حضانة و مدارس و مجمعات سكنية وغيرها.


ولفت د.قصاص إلى أنه على الرغم من انحسار دور الجمعيات مؤخرًا بسبب الفساد و الأزمة التي يعاني منها لبنان، لا يمكن التغاضي عن دور بعض الجمعيات و المدارس التي لا تزال تلتزم وتتابع برنامجًا للحد من الظواهر المؤذية التي يتعرض لها الأطفال بالتعاون مع المتخصصين النفسيين و المرشدين التربويين الذين يشكلون جسرًا بين الأهل و المؤسسات التربوية، وختم  كلامه بتوجيه الشكر للإعلام الذي يكشف الغطاء عن الإهمال و التجاهل ويسعى إلى نشر الوعي المجتمعي لتحصين وحماية المجتمع، آملًا أن  من الله أن يجعل وطننا آمنًا لأبنائه، وأن يقينا شرور الفتن و الآفات التي تفتك بالمجتمعات بأسرها.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 5