زيادة واسعة وتمويل ذاتي
أعادت الحكومة السورية ملف الأجور والرواتب إلى واجهة المشهد الاقتصادي بعد إعلان رفع الكتلة الشهرية للرواتب والأجور من 11.3 مليار ليرة سورية إلى 46 مليار ليرة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر منذ سنوات، وسط تأكيدات رسمية بأن التمويل تم بالكامل من الموارد الذاتية للدولة دون اللجوء إلى الاستدانة أو تمويل العجز.
قفزة في الأجور
أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية أن كتلة الرواتب والأجور الشهرية ارتفعت إلى 46 مليار ليرة سورية، مقارنة بـ11.3 مليار ليرة سابقاً، في إطار خطة حكومية تستهدف تحسين مستويات الدخل وتعزيز الاستقرار المعيشي للعاملين في القطاع العام.
وأكد الوزير أن الزيادة تم تمويلها من الموارد الذاتية للدولة، مشيراً إلى أن الحكومة تسعى إلى استكمال منظومة رواتب متكاملة تشمل مختلف القطاعات مع بداية العام المقبل.
المتقاعدون ضمن الخطة
بالتوازي مع رفع رواتب العاملين، ارتفعت مخصصات المتقاعدين من 2.9 مليار ليرة سورية إلى أكثر من 13.5 مليار ليرة، في خطوة تهدف إلى توسيع نطاق الاستفادة من الزيادات الجديدة.
وأشار برنية إلى أن المراحل المقبلة ستشمل جميع الوزارات والمؤسسات والهيئات المتبقية، بما في ذلك القطاعات الإدارية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والمتقاعدين، ضمن إطار موحد بحلول مطلع عام 2027.
تمويل دون عجز
وتؤكد الحكومة أن اعتماد التمويل الذاتي يهدف إلى تجنب اللجوء إلى طباعة النقود أو زيادة مستويات الدين العام، بما يحد من الضغوط التضخمية المحتملة في اقتصاد يواجه تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد.
كما تسعى الخطة إلى تقليص الفوارق في الرواتب بين المؤسسات الحكومية المختلفة وتحسين انتظام عمليات الدفع، بعد سنوات من الاختلالات الناتجة عن الحرب وتراجع الإيرادات العامة.
رهان القوة الشرائية
يرى اقتصاديون أن زيادة الرواتب قد تسهم في تحسين القوة الشرائية للموظفين والمتقاعدين وتنشيط حركة الإنفاق المحلي، خصوصاً إذا ترافقت مع إجراءات فعالة لضبط الأسواق والحد من ارتفاع الأسعار.
كما يمكن أن تمنح قطاعات التجارة والخدمات دفعة إضافية من خلال تحفيز الطلب الداخلي في ظل تباطؤ الاستثمار الخاص وتراجع فرص العمل.
مخاوف تضخمية
في المقابل، يثير بعض المراقبين تساؤلات حول مدى قدرة هذه الزيادات على تحقيق أثر مستدام، في ظل غياب تفاصيل واضحة بشأن نسب الزيادة على مستوى الأفراد وربطها بمؤشرات التضخم.
وتتمحور المخاوف حول احتمال ارتفاع الطلب على السلع والخدمات بوتيرة تفوق قدرة السوق على الاستجابة، ما قد ينعكس ضغوطاً إضافية على الأسعار وسعر الصرف ما لم تُتخذ إجراءات موازية لدعم الإنتاج وتعزيز الرقابة على الأسواق.
اختبار اقتصادي طويل الأمد
تمثل زيادة الرواتب خطوة لافتة في مسار السياسة الاقتصادية السورية، إلا أن نجاحها سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحويلها إلى جزء من برنامج إصلاحي أشمل يشمل تحسين الإيرادات العامة وتطوير الإدارة المالية وتعزيز بيئة الاستثمار. وبين التفاؤل بتحسن القدرة الشرائية والتحذيرات من الضغوط التضخمية، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى استدامة هذه السياسة وأثرها على الاقتصاد السوري.