سورية مكبّلة باتفاقيات مجحفة : الميزان التجاري يخسر أكثر من 5 مليار يورو في 2019

وكالة أنباء آسيا - نور ملحم

2020.12.04 - 07:22
Facebook Share
طباعة

 ترتبط نقاط قوة وضعف أي دولة بالاتفاقيات والمعاهدات التي تبرمها مع الدول الأخرى، وفي حالة سورية باتت معظم هذه الاتفاقيات عبارة عن حبر على ورق، بعدما تم قطع معظم العلاقات التجارية وتجميد ما تم الاتفاق عليه من اتفاقيات اقتصادية كان يمكن أن تكون المنقذ في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد السوري.

لكن جزءاً كبيراً من الاتفاقيات الاقتصادية التي وقعتها سوريا كانت وما زالت تضر باقتصادها أكثر مما تفيده، وكان هذا الموضوع مثار جدل طويل بين الخبراء الاقتصاديين الذين دعوا الحكومة إلى إعادة النظر في هذه الاتفاقيات بما ينسجم مع مصلحة سوريا، أو إلغاءها إن كان ذلك متعذراً.

اتفاقيات مجحفة

"حاول الكثير من العاملين في قطاع التجارة الخارجية في الماضي، رفع اقتصادنا من خلال هذه الاتفاقيات والمعاهدات، ولكن النتيجة ما كانت إلا تكبيل البلاد بهذه الاتفاقيات "المجحفة" لعقود طويلة قادمة" بحسب ما أشار إليه الخبير الاقتصادي الدكتور سنان ديب، لافتاً في تصريح لوكالة أنباء آسيا، مضيفاً أنه يجب إعادة النظر في هذه الاتفاقيات، والتي يجب أن تكون من أولويات الحكومة .

لكن ديب يعتقد أن مصير هذه الاتفاقيات يحدده شكل التسوية السياسية السورية والأطراف الراعية لها، بحيث يبقى جزء منها لبعض الوقت، أو تبقى كما هي في حال كان يمكن تعديل بعض البنود المجحفة، أو تلغى نهائياً في حال كانت سيئة بحق الشعب السوري.

عجز مستمر

يشير ديب إلى أن العجز المستمر في الميزان التجاري، يعكس بدوره عجز محاولات تحرير الاقتصاد عامةً، والتجارة الخارجية خاصةً، عن الحد من ذلك الخلل، أو معالجته، وهذا ناجم عن العقلية التي تحولت إلى عرف في التجارة الخارجية، يقوم على إيجاد أسواق للمنتجات المحلية، بغض النظر عن جودتها، بدلاً من التخطيط للإنتاج بناءً على دراسات الأسواق الخارجية، لتلبية متطلبات الأذواق والجودة فيها، وهذا ما يشكل أحد أبزر المعوقات الداخلية لقطاع التصدير في سورية، إضافة إلى انكشاف الاقتصاد الوطني على اقتصاديات أكثر تطوراً منه كالاقتصاد التركي، وتوقيع اتفاقيات تحرير التجارة الخارجية معه عام 2007، مما أضر بالقاعدة الإنتاجية داخل البلاد أمام ضعف قدراته التنافسية معه .

ويضيف أن "سوء الأداء الإداري والاقتصادي، وضعف كفاءة المدراء العامين وتعيينهم على أساس الولاءات وليس على أساس الكفاءات، والتخبط في السياسات الاقتصادية المتعلقة بالتجارة الخارجية؛ كتعهد القطع الأجنبي وربط الاستيراد بالتصدير والتوجه نحو تحرير التجارة الخارجية، كل ذلك تسبب بأزمات حادة في قطاع التجارة الخارجية انعكست في صورة عجز متفاقم في الميزان التجاري.

تهديد حقيقي..

"غالباً ما تكون الاتفاقيات التجارية التي توقعها أي دولة مع العالم الخارجي سبباً لقلق وغضب بعض القطاعات الاقتصادية والمجتمعية"، بحسب رأي الوزيرة السابقة، الدكتورة لمياء عاصي، مبينةً في بحثٍ أنجزته أن سورية وقعت عدداً من الاتفاقات التجارية التي شكلت فيما بعد تهديداً حقيقياً لصناعتها التي لا تملك ما يكفي من عناصر القوة التي تمكّنها من الصمود أمام المنافسة الشرسة للسلع الأجنبية، لذلك هناك ضرورة قصوى لأن تعيد سورية النظر باتفاقياتها التجارية، لأسباب عدة أهمّها: أولاً، الحاجة إلى اتباع سياسات لتمكين المنتجات والصناعات المحلية في شكل يمكنها من المنافسة، لتعزيز الإنتاج ورفع الناتج المحلي الإجمالي لتحقيق النمو الاقتصادي المطلوب وتحسين مستوى معيشة الناس وحياتهم.

وثانياً، رفع حصيلة الرسوم الجمركية كمورد أساسي للدولة، وهي في حاجة ماسة إلى زيادة مواردها للاضطلاع بمهماتها الأساسية كدولة، وبما أنّ الاتفاقية مع تركيا تمّ تعليقها، واتفاقية الشراكة مع الأوروبيين تمّ توقيف العمل بشأنها، تبقى اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، لضبط إساءة استخدام هذه الاتفاقية من قبل التجار في الدول الأخرى، واستكمال التفاوض مع دول الاتحاد الجمركي الثلاث؛ روسيا وبيلاروسيا  وكازاخستان، وغيرها من الدول ذات الأسواق التي تلقى فيها الصادرات السورية رواجاً، بحسب رأي الدكتورة.

إعادة نظر..

بالمقابل، كشف مصدر مسؤول لوكالة أنباء آسيا أن الحكومة  بصدد إعادة النظر في الاتفاقات العربية والدولية بهدف تقييم تأثيرها على اقتصاد البلاد، موضحاً أن الهدف هو ضمان مصلحة الاقتصاد السوري الكلي.

وقال المصدر "من المفترض أن تبدأ الحكومة قريباً في جولات تفاوضية لتحقيق ما أسماه "العدالة الاقتصادية" في ظل ما تعرفه من أزمة سياسية واقتصادية"، دون أن يكشف عن الاتفاقيات والأطراف المعنية بعملية المراجعة.

واعترف المسؤول السوري أن حجم التصدير انخفض، وأن سورية تواجه صعوبات في الشحن وفي التحويلات والتعاملات المصرفية، مضيفا أن المبادلات التجارية مع الاتحاد الأوروبي - الذي فرض عقوبات متوالية على دمشق- انخفضت، وأن سورية تتجه لتنويع شركائها التجاريين.

الإحصائيات تتحدث..

بحسب الإحصائيات الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية والتي حصلت وكالة أنباء آسيا على نسخة منها، فقد بلغت قيمة المستوردات في عام 2019 حوالي 6 مليار يورو بانخفاض قدره 1.1 مليار يورو عن عام 2018.

بالمقابل، فإن قيمة الصادرات المسجّلة في نفس العام بلغت 525 مليون يورو بزيادة قدرها 93 مليون يورو عن عام 2018.

وأشارت الإحصائيات إلى أن العجز في الميزان التجاري السوري خلال سنوات الحرب وصل إلى 3.4 مليار يورو عام 2011، ثم انخفض إلى 3.1 مليار يورو عام 2015 ليسجل خسارة قدرها 5 مليارات يورو خلال عام 2019.

وبررت الوزارة انخفاض هذا العجز خلال سنوات الأزمة بأنه ليس بسبب تحسن القدرة التصديرية للبلاد، بل بسبب تراجع حجم التجارة الخارجية السورية، إذ وصلت لأقل من 1 بالعشرة آلاف من حجم التجارة العالمية نتيجة العقوبات الاقتصادية الغربية وضعف الطاقة الإنتاجية للاقتصاد الوطني وهروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الدول المجاورة.

وبحسب الإحصائيات، احتلت الصين المرتبة الأولى في تنفيذ اتفاقياتها الاقتصادية من حيث توريد السلع والبضائع، إذ بلغت قيمة ما صدّرته إلى سوربة في 2019 حوالي 720 مليون يورو، بزيادة قدرها 120 مليون يورو عن عام 2018.

وكانت جمهورية مصر في المرتبة الثانية من حيث تنفيذ اتفاقياتها الاقتصادية من حيث الصادرات، وجاءت دولة الهند في المرتبة الثالثة، حيث حافظت على علاقتها الاقتصادية مع سورية وارتفعت صادراتها عام 2019 لحوالي 85 مليون يورو ولتكون روسيا في المرتبة الرابعة من حيث السلع والمنتجات المصدرة لسورية وفق اتفاقياتها بحوالي 70 مليون يورو وتليها إيران بحوالي 67 مليون يورو .

بالمقابل فقد تم إيقاف جميع الاتفاقيات الاقتصادية مع تركيا والولايات المتحدة الأمريكية نتيجة المواقف السياسية، كما تراجع تنفيذ الاتفاقيات مع فرنسا بحوالي 60 % بقيمة السلع المصدرة لسورية.

سوريا وإيران.. وضع خاص

من جهتها، وقعت الحكومة الروسية مع نظيرتها السورية اتفاقيات عدة في مجالات مختلفة، أكبرها اتفاق الشراكة “طويل الأمد” في قطاعات الطاقة السورية (نفط، غاز، كهرباء)، في مطلع العام 2018.

وإلى جانب ذلك، ضمنت لشركاتها التنقيب عن النفط والغاز في منطقة الساحل السوري والمياه الإقليمية السورية، ومن المرجح أن توقع روسيا مزيدا من العقود الاقتصادية مع سورية، بعد استئجارها ميناء طرطوس .

أما إيران، فكان لها الحصة الأكبر من المشاريع والاستثمارات الأكثر ربحية وتتويجاً للاتفاقيات التي وقعتها طهران مع الحكومة السورية في مجالات الزراعة والصناعة والنفط والاتصالات والثروة الحيوانية والفوسفات.

فيما اكتفت العديد من الدول العربية كالعراق ولبنان والأردن ودول الخليج باستقبال الصادرات السورية بشرط أن تكون عبر شركات سورية خاصة.

آثار سلبية.. بالجملة

يجمع الخبراء الاقتصاديون على أن عجز الميزان التجاري يعني زيادة إجمالي قيمة المستوردات عن إجمالي قيمة الصادرات الوطنية، أما اقتصادياً فإنه يعطينا صورة واضحة عن ضعف القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني وضعف قدراته التنافسية في الأسواق الدولية، وبالتالي - يقول هؤلاء - إن تزايد العجز في الميزان التجاري لا بد وأن يترك آثاراً سلبية على الاقتصاد تتمثل بتدهور قيمة العملة المحلية وارتفاع مستويات الأسعار، وتقلص الاحتياطيات الوطنية من القطع الأجنبي نتيجة استخدامها في تمويل المستوردات، وبالتالي حاجة الاقتصاد الوطني إلى الاقتراض من الخارج مع تلاشي التدفقات المالية إلى داخل البلد كالاستثمارات المباشرة أو تحويلات المقيمين في الخارج، فضلاً عن تراجع قدرة المنتجات الوطنية على منافسة نظيراتها الأجنبية في عقر دارها، وكل ماسبق يجب أن يكون دافعاً للحكومة السورية لإعادة النظر بالاتفاقيات التجارية والتركيز على بناء قدرة تنافسية أقوى لصناعتها ومنتجاتها، كي تتمكن من عقد اتفاقات تقوي الاقتصاد السوري وليس على حسابه.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4