تنقلات "بنكهة الفساد" في سورية: تصفية المحسوبين على السلف واستبدالهم بـ"الحاشية" و"المحظيين"!

وكالة أنباء آسيا – نور ملحم

2020.09.25 - 11:34
Facebook Share
طباعة

 
درجت العادة في سورية، وعقب كل تغيير وزاري أو في الشركات العامة أن يقوم الوزير أو المدير الجديد باستبدال الطاقم المحيط به، بأشخاص من معارفه، فهذا وزير ينقل مدير مكتبه "المحسوب على الوزير السابق" ليأتي بآخر من المحسوبين عليه، وذاك مدير ينقل السكرتيرة "المقربة من المدير السابق" ليأتي بسكرتيرة جديدة من المقربين منه . وكل ذلك يندرج – بحسب خبراء ومراقبين - في إطار استغلال المسؤول لنفوذه الوظيفي، ويؤدي إلى الإخلال بمبدأ العدالة الاجتماعية بين أفراد أي مجتمع. والأهم أنه يخلخل عملية "التحديث الإداري" الذي توليه السلطات السياسية والحكومية الأولوية فيما تقول إنه "الأساس في الحرب على الفساد".
عدا عن ذلك، تتفشى الشللية في أوساط المسؤولين باختلاف درجاتهم ومواقعهم، كما تتفشى في أوساط الفنانين ونجوم الدراما والتلفزيون، حتى أصبحت مرضاً إدارياً يصعب معه أي علاج، فكل مسؤول يحتفظ بحاشيته ويخصها بمعظم المهمات والمسؤوليات ذات المردود المالي ، ويغدق عليها بالامتيازات دوناً عن غيرها من العاملين في وزارته أو مؤسسته، ما يجعل من مقولة التطوير والتحديث الإداري شعاراً أكثر منها حقيقة قابلة للتطبيق، في مجتمع يعتمد على العلاقات الشخصية والمصلحية على حساب التراتبية الإدارية ومصلحة العمل .
في التغيير الوزاري الجديد، طغت أخبار نقل عاملين في عدة وزارات من مواقعهم ووظائفهم إلى مواقع أخرى داخل الوزارة وأحياناً خارجها، بحسب قرب هذا الموظف من المسؤول السابق وولائه له.
ويتساءل السوريون هذه الأيام عن غياب أي حلول لأزمات البنزين والخبز والكهرباء والأدوية وغيرها من الأزمات التي تؤرقهم، ليأتي الجواب من مصادر في الوزارات المعنية بأن "الوزير الجديد متفرغ حالياً لعمليات نقل مدير مكتب هنا وسكرتيرة هنا ورئيس قسم هناك، وتعيين بدائل لهم من المحظيين والثقاة".
"الشخص المدير" ..
"أصبح كل شيء مباحاً لأصحاب المناصب، فبعد أن يقوم المسؤول بأول خطوة له، عقب تسلمه كرسيه الثمين وأداء قسمه المعظم بخدمة الشعب"، بحسب ما يشير الخبير الاقتصادي، الدكتور عمار يوسف، في تصريح لوكالة أنباء آسيا، لافتاً إلى أن عملية التغيير ضمن الطاقم الجديد للوزراء أو المدراء هي سمة الدول التي تعتمد نظام الشخصنة بمعنى " الشخص المدير" ولا تعتمد على نظام المؤسسات، لذلك تجدها متخلفة إدارياً.
وأضاف يوسف بأنه "حين يغير المدير أو الوزير الطاقم الموجود، بحجة أنه محسوب على الشخص الذي قبله، فإن هذا التغيير يكون سببه الضعف والخوف من أحد الموجودين،بأن يكون لديه خبرة أو معرفة أكثر منه، وهذا سيؤثر عليه وعلى قراراته، إضافةً إلى أن المنظومة تقتضي تعيين أشخاص يثق بهم في الدرجة الأولى، دون أن يكون له اهتمام بالإدارة أو الانعكاسات التي ستكون سلبية على المصلحة العامة" .
ويضع الخبير الاقتصادي مثل هذه الإجراءات ضمن خانة "الفساد"، فالمقربين والحاشية هم الغطاء للصفقات والقرارات الارتجالية وغير الصحيحة، وهؤلاء المنتفعين سيكونوا ضعفاء أمام هذا المسؤول الذي ستكون معظم قراراته لمصلحة شخصية فقط.
ويضيف يوسف : "توجد مشكلة في حال ارتقاء المدير من منصبه لمنصب أعلى، حيث سيكون لديه عداوة شخصية، نتيجة أفعال وأعمال معينة، لذلك يقوم بتغير الطاقم الموجود بشكل مباشر كنوع من الحقد، وهذا يعد تخلفاً إدارياً بشكل واضح، لذلك يضع حوله مجموعة من الأقزام لكي تبقى قرارته هي الصح في جميع الأوقات" .
استغلال المنصب ..
"جرائم استغلال النفوذ لها ذاتية خاصة بها، وهي تختلف عن الجرائم الأخرى المشابهة لها، وهذه الذاتية تتجلى في عامل القهر الذي يتولد لدى العاملين في المؤسسة، أياً كانت، من خلال استخدام النفوذ ضدهم، وغالبا ما يكون أكثر المستغلين للنفوذ هم أقارب المسؤولين والسلطات المتنفذة والحكومات المتعاقبة" كما يقول المحامي سليمان الصوص، مؤكداً أن تغيير الموظفين واستبدالهم بآخرين مقربين خطوة خاطئة ستنعكس سلباً على العمل والمؤسسة .
ويبين الصوص في تصريحات لوكالة أنباء آسيا بأن القانون لا يمنع أي مسؤول من تغيير المحيطين فيه، والتي أصبحت معروفة لدى جميع السوريين والعاملين بالقطاع العام، فأي مسؤول يجمع أصدقاءه ومعارفه حوله، ولا يعاقبه القانون على ذلك
لافتاً إلى أن الخطأ القانوني هو عندما تم تغيير قانون العاملين في عهد حكومة العطري، فاستبدل الوجوبي بالجوازي، بمعنى أنه يسمح للمسؤول العمل لصالحه حتى ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامة ، وبهذه الحالة يمكن التستر على الكثير من الفاسدين في القطاع العام، وفي النهاية المواطن هو من يدفع الثمن اقتصادياً، في وقت أصبحت المحسوبية و دفع الرشاوى و العلاقات الشخصية هي الأدوات الوحيدة لضمان مرور أية معاملة بسيطة، و هذا ما يزيد العبء على المواطن أضعافاً مضاعفة، قياساً مع تزايد التعقيدات و المشاكل و الأزمات.
وبما أن الفساد يعرف بعبارة بسيطة واحدة وهي أنه "استغلال المنصب العام لخدمة المصالح والمنافع الشخصية"، فإن انتشاره الواسع والكبير في سوريا يتناسب طرداً مع كبر حجم الدولة السورية، واتساع دورها وعمق تداخلاتها في إدارة المجتمع وأنشطته المختلفة، الاقتصادية منها والاجتماعية، وعبر استغلال الصلاحيات العامة لفرض مناخ خاص لنمو وتطوير السوق السوداء "صرف وتهريب العملات الأجنبية، تهريب البضائع والسلع، تجارة الجنس والمخدرات، وغيرها الكثير" وهذا ما سبب ويسبب ضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية، وتغييب حكم القانون، والتقليل من فرص التنمية، ومن ثم إفشال مسعى المجتمع المدني لتداول المناصب، وهو ما بدا واضحًا خلال العقد الأخير.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 7