سورية.. "ممثلو الشعب" يتاجرون بخبز الشعب: مليارات الدعم تذهب إلى غير مستحقيها

وكالة أنباء آسيا - نور ملحم

2020.09.17 - 01:53
Facebook Share
طباعة

 
"بينما يعاني السوريون أزمة خبز(كماً ونوعاً) ويقفون في طوابير لا نهاية لها للحصول على ربطة خبز، هناك من يبيع الطحين المخصص لخبزهم للتجار وأصحاب المنشآت الخاصة
"في كل عرس إلنا قرص" بهذا المثل الشعبي يبدأ (بشار) العامل في أحد المخابز الخاصة بالعاصمة السورية كلامه، لافتاً في حديثه لوكالة أنباء أسيا إلى تهريب الدقيق التمويني أو المتاجرة به وبيعه لغير الغاية المخصصة له، بسبب الفارق الكبير بين سعره المدعوم في الأفران، وسعره في الأسواق، لذلك فإن المكاسب مضاعفة ضمن الظروف الراهنة والرواتب المتدنية مقابل الغلاء الفاحش.
وازدادت في الآونة الأخيرة محاولات تهريب الطحين المدعوم، ما استدعى تكثيف دوريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك لضبط عمليات التهريب، ومحاسبة المخالفين، ولكن دون أن يكون لها أثر حقيقي على أرض الواقع.
الشاب الثلاثيني يؤكد أن الفارق السعري بين سعر المادة المدعوم من الحكومة وسعرها في السوق السوداء يشجع كثيرين للإتجار بالطحين، فسعر الكيلوغرام الواحد من الدقيق وصل إلى 450 ليرة في بعض الأحيان، لا سيما مع الطلب الكبير على المادة من قبل أصحاب أفران الخبز السياحي ومحال الحلويات والمعجنات وغيرهم، بالإضافة لغلاء أسعار المواد العلفية الذي دفع بالبعض لاستبدال العلف بالخبز "اليابس".
مليار ليرة يومياً..
بالمقابل، تؤكد المؤسسة السورية للحبوب أن كيلو الطحين يباع للمخابز بسعر مدعوم قدره 20 ليرة سورية، بينما كلفة إنتاجه حالياً تقارب 250 ليرة سورية، أي أن العجز التمويني يبلغ 225 ليرة للكيلو.
مدير المؤسسة السورية للحبوب، يوسف قاسم، أكد أن كلفة إنتاج طن الطحين متغيرة سنوياً وليست ثابتة، لكنها انخفضت بعد دمج المؤسسات الثلاث (الصوامع والمطاحن والحبوب)، ودمج الموازنات التقديرية، وإلغاء الازدواجية في العمل، لينخفض العجز التمويني بنحو مليار ليرة سورية كرقم أولي وقابل للزيادة.
ولتوضيح الخسائر الناتجة عن عمليات تهريب الدقيق لغير الغاية المخصصة بيّن معاون وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك جمال الدين شعيب أن من شأن ذلك أن يشكل ضرراً مباشراً على مستوى المجتمع والمواطن، لكون هذه المادة من أهم المواد المدعومة من قبل الحكومة التي تنفق مبالغ كبيرة تتجاوز المليار ليرة سورية يومياً لتأمين رغيف الخبز بسعر يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطن.
وأوضح شعيب في تصريحات لوكالة أنباء آسيا، أن الدعم المقدم من قبل الحكومة يتمثل بشراء كيلو القمح من الفلاح بمبلغ قدره 400 ليرة سورية، في حين يتم بيع كيلو الطحين للأفران بـ 20 ليرة.
ولفت شعيب إلى الخسائر المباشرة الناتجة عن تهريب مادة الدقيق، المتمثلة بهدر المال العام وفقدان كميات من الدقيق التمويني المدعوم المخصص للمواطن، وبالتالي نقص كميات الإنتاج، وذلك لتحقيق مصالح أشخاص من ضعاف النفوس يقومون بتهريب الدقيق وبيعه في السوق السوداء وجني أرباح بطرق غير شرعية، كما قال.
التهريب قليل والمتاجرة مضاعفة ...
وازدادت أعداد الضبوط المنظمة بالإتجار في الدقيق التمويني منذ بداية العام وحتى اليوم، حيث بلغ عدد الضبوط المنظمة في السوق السوداء 650 ضبطاً للدقيق التمويني حسب بيانات وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك.
مدير حماية المستهلك، علي الخطيب، أوضح في تصريح لوكالة أنباء آسيا أن أصحاب الأفران لا يقومون باستخدام كامل مخصصاتهم من الطحين في إنتاج الرغيف، بل يستخدمون جزءاً منها فقط ليبيعوا الباقي للتجار ويحققوا أرباحاً طائلة من خلال بيع الطحين والوقود والخميرة وكل مستلزمات الإنتاج، وللتعويض عن فرق الطحين المباع يقومون بتخفيض وزن ربطة الخبز لتصنيع العدد الملائم للكميات الحقيقية.
ويلفت الخطيب إلى أن عمليات التهريب إلى لبنان أصبحت قليلة مقارنةً مع الإتجار بها ضمن الحدود السورية، مبيناً أن عقوبة منفذي تهريب الدقيق التمويني هي السجن لمدة عام، بينما تصل الغرامة المالية إلى مليون ليرة، وذلك بغض النظر عن الكمية المهربة سواء كانت كيساً أو طناً أو أكثر أو أقل، بالإضافة لجملة من الإجراءات الإدارية (مصادرة الكميات المضبوطة وإعادتها إلى المطاحن المختصة، والقيام بحجز الشاحنة الناقلة، وإغلاق المستودع المعني بالواقعة، إضافة إلى إحالة المهرب موجوداً إلى القضاء).
متاجرة بالواسطة ...
وفي الوقت الذي تسعى وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لضبط عملية المتاجرة بالطحين المدعوم، يكشف مصدر من وزارة التجارة وحماية المستهلك، عن أن معظم الأفران الخاصة تعود بالملكية لأعضاء في مجلس الشعب، لهم علاقاتهم ضمن الوزارة وخارجها حيث تم الترخيص لهم أيام الوزير السابق عبد الله الغربي، لذلك لا يوجد رقيب عليهم فيما يخص بيع مخصصاتهم، ضارباً المثل بأحد الأفران في محافظة ريف دمشق الذي يفتح لمدة ساعتين فقط، بينما يقوم ببيع باقي المخصصات بالسوق السوداء، بينما أصبح هم الوزارة نقل المراقبين إلى المطاحن لضعف أدائهم الوظيفي ولسلوكهم الخاطئ بحسب تعبيره.
وكانت الحكومة السورية قد سمحت لجميع المستوردين من تجار وصناعيين استيراد طحين القمح، بهدف زيادة المخازين وضمان توافر كميات كبيرة من المادة ليتم حصر الموضوع ضمن أشخاص محددياً، كما تم منح الأفران والمطاحن الخاصة وكافة المستوردين تسهيلات لاستيراد القمح والطحين اللازم لعملها بالطاقة الإنتاجية القصوى، بغض النظر عن المنشأ، بعدما كان استيراد الطحين محصوراً بمنشآت صناعة المعكرونة، شرط أن تكون المنشأة قائمة وتعمل في المناطق الآمنة، لذا تم حذف هذا الشرط من البند الجمركي لاستيراد المادة والوارد في الدليل التطبيقي بعد السماح لجميع التجار والصناعيين باستيرادها.
ويعد استيراد القمح مسموحاً، ويتم طحنه في مطاحن القطاعين العام والخاص، لتأمين الحاجة المحلية من الطحين، وجرى استيراد 1.2 مليون طن قمح خلال 2019 لصناعة الخبز، وهي ذات منشأ روسي بالكامل، ومن المتوقع أن يتم استيراد نحو 300 ألف طن أخرى بحلول نهاية العام الجاري، وذلك إضافة لـ 1.15 مليون طن التي تم استيرادها في بداية العام 2020 .
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 6