إلى ماذا يرمي التحول الكبير في الموقف الروسي من الهجمات الإسرائيلية على سوريا؟

2021.08.04 - 02:59
Facebook Share
طباعة

أُعد إعلان روسيا الأخير حول اعتراض صواريخ إسرائيلية تستهدف أهداف محددة في سوريا أمراً مُستغرباً يطرح تساؤلات حول ما يريده بوتين من هذا التغيير الاستراتيجي، إذ أنه كان هناك تفاهم بين نتنياهو وبوتين منذ 6 سنوات يسمح لإسرائيل بمهاجمة أهداف إيرانية في سوريا.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "ذا تايمز أوف إسرائيل" أن إسرائيل كانت قد قالت يوم 19 تموز/يوليو الماضي إن طائراتها أطلقت 8 صواريخ ضد أهداف تابعة لإيران وحزب الله اللبناني في سوريا ونشرت مقاطع فيديو تُظهر الدمار الذي أحدثته الصواريخ. لكن في اليوم نفسه، قال الأدميرال فاديم كوليت نائب رئيس المركز الروسي للمصالحة في سوريا إن أنظمة الدفاع الروسية دمرت سبعة من الصواريخ الإسرائيلية الثمانية التي استهدفت مواقع بالقرب من حلب. وبعد أربعة أيام من ذلك التاريخ، قال كوليت إن أنظمة الدفاع الروسية قد اعترضت أربعة صواريخ إسرائيلية أخرى تم إطلاقها بالقرب من حمص.

وعلى الرغم من عدم صدور تصريحات رسمية من موسكو، سواء من الرئيس فلاديمير بوتين أو وزارة الدفاع الروسية، بشأن وجود تغيير استراتيجي في العلاقة بين روسيا وإسرائيل بشأن سوريا، فإن ما حدث قد أحدث ما يمكن وصفه بزلزال سياسي تغلب عليه التكهنات حتى الآن.

وركز مقال نشرته مجلة "فوربس" الأمريكية قبل أربعة أيام، على خلفيات التوصل إلى تفاهم بين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو والرئيس الروسي قبل ست سنوات بشأن سوريا، ولماذا قد يكون بوتين قد قرر الآن فرض قواعد جديدة على الائتلاف الحكومي في تل أبيب.

وجاء في المقال المنشور أنه كان هناك تقارير إسرائيلية الخميس 29 تموز/يوليو قد أشارت إلى أن قوات الدفاع الإسرائيلية تخطط لتغيير تكتيكاتها في سوريا، وأنها سوف تعتمد في عملياتها ضد الأهداف الإيرانية في المنطقة على الذخائر بعيدة المدى عوضاً عن الغارات الجوية، وهو ما سوف يؤدي إلى تخفيض قوة وجرأة العمليات التي تنفذها إسرائيل.

وقيل أيضاً في المقال أن هذه التقارير الإسرائيلية بشأن السياسة الجديدة في أعقاب الإعلان الروسي عن التصدي ولأول مرة لصواريخ أطلقتها طائرات إف-16 إسرائيلية نحو أهداف في سوريا. كما أن روسيا أعلنت كذلك إبطال اتفاقيتها التي وقَّعتها في 2015 مع إسرائيل للتنسيق وتفادي الصراع بين العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا وبين القوات الروسية في البلاد.

ووفقاً إلى المقال فإن إسرائيل كانت ترى في وجود القوات الروسية في سوريا تهديداً لتل أبيب، فإذا قررت روسيا التصدي بقوة للهجمات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي السورية، قد تضطر إسرائيل إلى الاختيار بين خيارين؛ إذ يمكن أن تنسحب انسحاباً أحادياً لتجنب أي مواجهة مع روسيا. وإذا لجأت إلى هذا الخيار، فسوف تنهي هجماتها الجوية ضد شحنات الصواريخ الإيرانية المنقولة إلى حزب الله وتجد نفسها تحت تهديد استراتيجي من حزب الله مما يضطرها إلى خوض حرب معه، وفي مثل هذه الحرب، يمكن أن يُتوقع من روسيا مساعدة جهود الحرب الخاصة بحزب الله بقوة، بحسب التقييم الإسرائيلي. أما السيناريو الآخر الذي كانت تواجهه فكان أن تواصل قصف شحنات الأسلحة في سوريا بدون تنسيق هذه الضربات مع روسيا، وستجد نفسها بلا شك في صراع مباشر مع الروس، يشبه الصراع الذي وجدت نفسها فيه خلال حرب لبنان عام 1982.

وعندما كان نتنياهو يتأمل هذين السيناريوهين السيئين، كان يعمل في ظل قيد استراتيجي آخر تمثل في غياب الدعم الأمريكي أثناء إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما وهو ما جعل حظوظ نتنياهو في النجاح في الوصول إلى اتفاق تجنب الصراع مع بوتين تكاد تكون معدومة.

لكن على أية حال نجح نتنياهو، بصورة أو بأخرى في إقناع بوتين بالتوصل إلى تفاهم مع الإسرائيليين لتفادي الصدام بين موسكو وتل أبيب على الأراضي السورية، وعلى الأرجح وجد بوتين أن مهاجمة إسرائيل لأهداف إيرانية ولحزب الله يجعل موسكو تنفرد بسوريا.

وبحسب تقريرٍ آخر نشرته صحيفة "ذا جيروزالم بوست" الإسرائيلية قبل أسبوع فإن نجاح نتنياهو في إقناع بوتين يُعزى إلى أن حججه كانت عاقلة. فليس من مصلحة روسيا أن تطلق العنان لإيران في روسيا، بل إن من مصلحتها أن تُبقي على عدم اتزان إيران في سوريا واعتمادها على روسيا من أجل الحماية. كذلك تعد إسرائيل دولة قوية، وسوف تحقق روسيا مكاسب من المحافظة على علاقاتها الجيدة معها.

وتابع التقرير مشيراً إلى أنه وبعد أن أبطل الروس الاتفاق بين بوتين ونتنياهو، فإن الرجلين اللذين أطاحا نتنياهو يواجهان نفس السيناريوهات القاتمة التي واجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مع وصول القوات الروسية إلى سوريا، بحسب المقال الإسرائيلي.

ولفت كاتبه إلى أنه لا يملك رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت ولا وزير الخارجية يائير لابيد، القدرة على السفر إلى روسيا وإقناع بوتين بإعادة الاتفاق، على عكس نتنياهو. ولا يتعلق السبب وراء هذا في أي شيء فعله نتنياهو وبوتين، بل يُعزى إلى شيء فعله بينيت ولابيد.

وأضاف كاتب التقرير النشور بعد تولي بينيت ولابيد المنصب، تحدث لابيد هاتفياً مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن وأعلن أنه ألزم إسرائيل بسياسة "لا مفاجآت" تجاه إدارة بايدن، على عكس التحدي الذي أظهره نتنياهو نحو نفس الإدارة. والآن أي تحرك أحادي من جانب إسرائيل في سوريا يقيد حريتها في تنفيذ العمليات عن طريق الالتزام بإمداد الولايات المتحدة بإشعار سابق لعملياتها، وهو الأمر الذي لا يبدو منطقياً في وقت تبذل إدارة بايدن محاولات محمومة لإعادة الاتفاق النووي.

وبهذا يمكن الربط بين موقف بوتين من الهجمات الإسرائيلية في سوريا والتوتر الكبير في العلاقات بين موسكو وواشنطن منذ تولي بايدن المسؤولية. ووفقاً إلى مصادر مطلعة فإن موسكو وصلتها رسالة من واشنطن مفادها عدم رضا إدارة بايدن عن تزايد الهجمات الإسرائيلية في سوريا.

لكن تقرير موقع "بلومبرج" الأمريكي المنشور في الأمس، ذكر أنه لا توجد مؤشرات تدل على استياء الأمريكيين من الهجمات الإسرائيلية في سوريا، كما لا توجد دلائل مؤكدة على النجاح الروسي المذهل في التصدي للصواريخ الإسرائيلية، كما قال الأدميرال كوليت. لكن في كل الأحوال يعتبر أي من الأمرين -الاستياء الأمريكي من الهجمات الإسرائيلية أو النجاح الروسي في اعتراض الصواريخ- عامل تغيير استراتيجي هائل في المعادلة، ليس فقط في سوريا ولكن في الشرق الأوسط بشكل عام.

وبغض النظر عن مدى مطابقة تصريحات الأدميرال كوليت للواقع، فإن كثير من المراقبين يربطونها غياب نتنياهو والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن المشهد، بسبب العلاقة الشخصية القوية التي ربطت بينهما وبين بوتين وسهلت التوصل إلى تفاهمات بين موسكو وواشنطن وتل أبيب، وفق ما ذكره التقرير. فالعلاقة الآن بين بوتين وبايدن باردة ومتوترة على أقل تقدير، فالرئيس الأمريكي كان وصف نظيره الروسي "بالقاتل" ووصل الأمر إلى سحب السفراء، والواضح أن قمة بوتين وبايدن في جنيف منتصف حزيران/يونيو الماضي لم تنجح في إعادة العلاقات إلى مسار أفضل.

أما بالنسبة لبينيت ولابيد، فالواضح أن سعيهما لاستعادة الدعم الأمريكي لإسرائيل والتقارب في المواقف لا يمثل مصدراً للرضا من جانب بوتين بطبيعة الحال، وبالتالي يرى البعض أن التحول الكبير في الموقف الروسي من الهجمات الإسرائيلية في سوريا قد يكون اختباراً موجهاً بالأساس إلى واشنطن أكثر منها لتل أبيب. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 4