انتهاكات تطال لقمة العيش
لا تقتصر تداعيات التوغلات الإسرائيلية المتواصلة في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي على القيود الأمنية والميدانية، بل تمتد لتضرب مصادر الرزق الأساسية لسكان قرية كويا، بعدما حُرم عشرات المزارعين من الوصول إلى حقول الزيتون للعام الثاني على التوالي، بالتزامن مع موسم القطاف والاستعداد للزراعة الشتوية.
وامتدت آثار هذه القيود إلى مربي الثروة الحيوانية والنحالين، الذين فقدوا إمكانية الاستفادة من المراعي ومواقع تربية النحل في المنطقة، ما يضع عشرات العائلات أمام خسائر معيشية متراكمة، ويثير مخاوف من تحول الضرر الموسمي إلى تراجع زراعي طويل الأمد.
300 دونم خارج متناول أصحابها
قال مدير مديرية الزراعة في درعا، المهندس عاهد الزعبي، إن المساحات الزراعية التي يتعذر على أصحابها الوصول إليها في حوض اليرموك تبلغ نحو 300 دونم، موزعة بين مناطق العرقوب وأم الحر والعقدة، ويملكها أو يستفيد منها قرابة 100 مزارع.
وأوضح أن المزارعين حُرموا من الوصول إلى هذه الأراضي للموسم الثاني على التوالي، ما يعني فقدان محصول جديد من الزيتون بالنسبة إلى عائلات تعتمد على عائداته مصدراً أساسياً لدخلها السنوي.
وتتزامن هذه القيود مع موسم قطاف الزيتون وبدء التحضيرات للزراعة الشتوية، في وقت يواجه فيه السكان، وفق إفاداتهم، مخاطر الملاحقة والاحتجاز وإطلاق النار عند محاولة الوصول إلى أراضيهم.
خسائر تتجاوز محصول الزيتون
ولا تتوقف الأضرار عند مزارعي الزيتون، إذ يعتمد مربو الثروة الحيوانية في المنطقة على المراعي الطبيعية الممتدة في حوض اليرموك لتأمين غذاء مواشيهم. وأشار الزعبي إلى أن القيود المفروضة على الوصول إلى مساحات واسعة من هذه المراعي زادت الأعباء على المربين، وقلّصت قدرتهم على الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة.
كما امتدت التداعيات إلى قطاع تربية النحل، بعدما تعذر على النحالين وضع خلاياهم في مناطق الوادي خلال الموسم الحالي، خلافاً لما اعتادوا عليه في المواسم السابقة.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق التأثير الاقتصادي للتوغلات، إذ لم تعد الخسائر مقتصرة على محصول زراعي بعينه، بل طالت أنشطة معيشية مترابطة تعتمد عليها عائلات في القرية ومحيطها.
تهديد للأشجار والمواسم المقبلة
وحذّر مدير الزراعة في درعا من أن استمرار حرمان المزارعين من الوصول إلى حقولهم قد يؤدي إلى أضرار تتجاوز خسارة محصول الموسم الحالي، لتطال الأشجار وإنتاجيتها في السنوات المقبلة.
وأوضح أن عدم قطاف الزيتون في موعده، إلى جانب إهمال العمليات الزراعية الضرورية، قد يرهق الأشجار ويؤدي إلى تراجع إنتاجها خلال المواسم اللاحقة، فضلاً عن احتمال جفاف بعضها أو موتها.
وبذلك، لا تقتصر الخسارة على عائدات موسم واحد، بل قد تتحول إلى تراجع طويل الأمد في القدرة الإنتاجية للأراضي، بما يضاعف الأعباء على الأسر التي تعتمد على الزراعة في تأمين احتياجاتها.
«نرى أراضينا ولا نستطيع الوصول إليها»
وقال محمد الزيدان، أحد سكان قرية كويا، إن عائلته تملك أرضاً في الجهة الغربية من القرية ضمن منطقة اليرموك، لكنها لم تعد قادرة على الوصول إليها بسبب التوغلات الإسرائيلية المتكررة.
وأوضح أن محاولات المزارعين الوصول إلى الوادي تواجه، بحسب إفادته، كمائن وملاحقات وطرداً من الأراضي، إلى جانب إطلاق النار لمنعهم من الاقتراب منها.
وأضاف أن موسم الزيتون يشكل مورداً سنوياً مهماً للسكان، إلى جانب موسم الحمضيات، مشيراً إلى أن عائلات كثيرة تعتمد على عائدات المحاصيل لتأمين معيشتها، لكنها باتت عاجزة عن جني ثمار أشجارها أو الاستفادة منها.
وطالب الزيدان الجهات المعنية بالتحرك لوقف التوغلات الإسرائيلية وضمان تمكين السكان من الوصول إلى أراضيهم وممارسة أعمالهم الزراعية من دون تهديد.
موسمان من الحرمان
من جهته، قال المزارع حسان العلي إن عائلته تملك نحو 15 دونماً في حوض اليرموك، لكنها لم تتمكن من الوصول إليها خلال الموسمين الحالي والماضي، بسبب مخاوف من التعرض للاختطاف أو الاحتجاز.
وطالب بإيجاد ترتيبات تتيح للمزارعين دخول أراضيهم لفترة كافية لقطاف الزيتون، لافتاً إلى أن عائلات كثيرة تعتمد بصورة مباشرة على عائدات هذا الموسم.
وأشار العلي إلى أن نحو 150 عائلة في المنطقة تعتمد في معيشتها على مياه مجرى نهر اليرموك وموسم الزيتون، ما يجعل استمرار منع الوصول إلى الأراضي تهديداً مباشراً لمصادر دخلها واستقرارها المعيشي.
مخاوف في منطقة الشريعة
ولا تقتصر المخاوف على قرية كويا، إذ أشار الزعبي إلى وجود نحو 120 دونماً في منطقة الشريعة بريف درعا الغربي تتأثر بالتوغلات الإسرائيلية المتكررة، التي تتخللها عمليات دخول وانسحاب للقوات.
ورغم أن المزارعين لا يزالون قادرين حتى الآن على الوصول إلى أراضيهم في تلك المنطقة، فإن استمرار التحركات العسكرية يثير مخاوف من فرض قيود جديدة، ولا سيما مع اقتراب موسم زراعة المحاصيل الباكورية.
ويخشى المزارعون أن تمتد القيود إلى مناطق إضافية، بما يعرقل أعمالهم الزراعية ويهدد مواسم جديدة، على غرار ما يحدث في حوض اليرموك.
مساعدات للتخفيف من الخسائر
وفي مواجهة التداعيات المعيشية، قال الزعبي إن مديرية الزراعة تعمل، بإشراف محافظة درعا وبالتعاون مع المنظمات، على تقديم مساعدات ومشاريع زراعية تتناسب مع طبيعة الأضرار واحتياجات الأسر المتضررة.
وتهدف هذه الجهود إلى تخفيف آثار فقدان مصادر الدخل الزراعية، غير أنها لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في استمرار تعذر الوصول إلى الأراضي والموارد الطبيعية التي يعتمد عليها السكان.
395 انتهاكاً خلال تشرين الأول
وتأتي معاناة أهالي كويا في سياق تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا، إذ وثّق مركز «سجل» 395 انتهاكاً خلال تشرين الأول الماضي، في أعلى حصيلة شهرية منذ بداية عام 2026، وفق تقرير إحصائي أصدره المركز.
وبحسب التقرير، ارتفعت الانتهاكات بنسبة 41.1 في المئة مقارنة بشهر أيلول، الذي سجل 280 انتهاكاً، فيما بلغ إجمالي الانتهاكات الموثقة منذ بداية العام 2427 انتهاكاً.
وتوزعت انتهاكات تشرين الأول على 126 توغلاً عسكرياً، و115 حالة تحليق جوي، و44 نقطة تفتيش مؤقتة، و36 مداهمة، و30 حالة احتجاز، و14 حادثة قصف مدفعي، إضافة إلى 28 انتهاكاً آخر شملت الحفر والتجريف وإطلاق النار.
وتصدرت القنيطرة قائمة المحافظات الأكثر تعرضاً لهذه الانتهاكات بـ285 حالة، تلتها درعا بـ74، ثم ريف دمشق بـ29، ودمشق بسبع حالات.