تجددت الاحتجاجات الاجتماعية في فرنسا، السبت، للأسبوع الرابع على التوالي، مع خروج آلاف المتظاهرين في عدد من المدن للمطالبة بمعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة والاستجابة لمطالب الشباب، وسط انتشار أمني واسع شمل العاصمة باريس، حيث تدخلت الشرطة لمنع تجمع غير مرخص بالقرب من قصر الإليزيه، مقر إقامة الرئيس إيمانويل ماكرون.
ورغم تقديرات السلطات التي أشارت إلى إمكانية مشاركة نحو 170 ألف شخص في التحركات على مستوى البلاد، بينهم 60 ألفاً في باريس، أعلنت وزارة الداخلية تسجيل نحو 7 آلاف مشارك في 68 احتجاجاً حتى ساعات مبكرة من بعد الظهر، في حصيلة أقل من التوقعات الرسمية وموجات التظاهر السابقة.
وتأتي التحركات الجديدة بعد احتجاجات نقابية شهدتها البلاد الخميس، وقبل اجتماع مقرر بين الحكومة وممثلي النقابات وأصحاب العمل لمناقشة ملفي الأجور والقدرة الشرائية، إلى جانب لقاءات مرتقبة مع المنظمات الطلابية لبحث أوضاع قطاع التعليم.
مطالب اجتماعية وضغوط على الحكومة
ودعت اتحادات نقابية شبابية ونقابات محلية إلى المشاركة في المظاهرات، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، ومطالبة بتحسين الظروف الاقتصادية والتعليمية للشباب.
وفي باريس، انطلقت المسيرة الرئيسية من ساحة الجمهورية باتجاه ساحة الأمة، وسط إجراءات أمنية مشددة، في تحرك يهدف إلى مواصلة الضغط على الحكومة قبل انعقاد الاجتماعات المرتقبة مع ممثلي القطاعات العمالية وأصحاب العمل.
وتسعى النقابات من خلال استمرار الاحتجاجات إلى إبقاء المطالب الاجتماعية في صدارة النقاش الحكومي، خصوصاً ما يتعلق بتحسين الأجور ومواجهة تراجع القدرة الشرائية، في ظل استمرار الاعتراضات على السياسات الاقتصادية المتبعة.
الشرطة تمنع تجمعاً قرب قصر الإليزيه
وفي تحرك منفصل، حاولت تنسيقية «السترات الصفراء» تنظيم تجمع في ساحة الكونكورد وسط باريس، بالقرب من قصر الإليزيه ومقر الجمعية الوطنية، إلا أن السلطات كانت قد أصدرت قراراً بحظر هذا التجمع.
وتجمع نحو 100 شخص في الموقع بعد ظهر السبت، قبل أن تتدخل قوات الشرطة وتطوق المشاركين وتعمل على تفريقهم. وأفادت تقارير صحفية بتوقيف أحد قادة الحراك أمام مقر البرلمان، فيما لم يكن معظم المشاركين يرتدون السترات الصفراء التي ارتبطت بالاحتجاجات الاجتماعية السابقة في البلاد.
ويعكس هذا التحرك استمرار حضور التنسيقية في المشهد الاحتجاجي الفرنسي، رغم القيود المفروضة على بعض تجمعاتها، ومحاولاتها العودة إلى الشارع بالتزامن مع موجة الاعتراضات المرتبطة بالأوضاع المعيشية.
مواجهات وتدابير أمنية واسعة
ولم تقتصر التدخلات الأمنية على العاصمة، إذ استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع في مدينة ليون جنوب شرقي البلاد، لتفريق مئات الأشخاص الذين أغلقوا طريقاً وسط المدينة خلال تجمع لم تحصل الجهات المنظمة على ترخيص لإقامته.
وفي إطار الاستعدادات الأمنية، نشرت السلطات قرابة 70 ألف عنصر من قوات الأمن في مختلف المناطق، تحسباً لاتساع رقعة الاحتجاجات أو وقوع مواجهات، ولا سيما بعد أحداث الشغب والنهب التي شهدتها البلاد خلال تحركات سابقة في 17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وتحاول السلطات احتواء التحركات الجديدة ومنع تكرار مشاهد العنف التي رافقت بعض المظاهرات السابقة، في وقت تتداخل فيه المطالب النقابية والطلابية مع تحركات «السترات الصفراء» التي تعود إلى واجهة الاحتجاجات.
الإضرابات تتوسع وقطاع التعليم في الواجهة
بالتوازي مع المظاهرات، أعلنت اتحادات تمثل الطلاب والمعلمين في فرنسا الدعوة إلى إضراب جديد الثلاثاء المقبل، بهدف مواصلة الضغط على الحكومة من أجل زيادة الإنفاق على التعليم وتحسين ظروف العمل والدراسة.
وقالت الاتحادات، في بيان مشترك، إن التحركات الحالية تمنحها موقعاً تفاوضياً أقوى، معتبرة أن الحكومة بدأت تستجيب لبعض المطالب المطروحة تحت ضغط الاحتجاجات.
وتأتي هذه الدعوة في سياق اعتراضات بدأت في 21 أيلول/سبتمبر الماضي، عندما تحرك طلاب في المدارس الثانوية احتجاجاً على تدهور ظروف التعليم، قبل أن تتوسع المطالب لتشمل غلاء المعيشة والسياسات الحكومية، وتنضم إليها النقابات العمالية وأحزاب معارضة ومجموعات من «السترات الصفراء».
الحكومة تعرض الحوار لمعالجة المطالب
في المقابل، حاول رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو احتواء التصعيد عبر التأكيد على استعداد حكومته للاستماع إلى مطالب النقابات وأصحاب العمل.
وقال لوكورنو، في رسالة وجهها الجمعة إلى ممثلي الطرفين، إن الحكومة تأخذ في الاعتبار المطالب المتعلقة بالأجور والقدرة الشرائية، إلى جانب المخاوف التي يطرحها أصحاب العمل، مشيراً إلى أن المؤتمر المقرر عقده الاثنين سيتيح عرض إجراءات عملية للاستجابة لمطالب الفرنسيين.
لكن استمرار الدعوات إلى التظاهر والإضراب يشير إلى أن الحوار الحكومي لم ينهِ الاعتراضات، وأن الملفات الاقتصادية والتعليمية ستظل محوراً رئيسياً للتحركات خلال الأيام المقبلة، مع ترقب نتائج الاجتماعات المرتقبة ومدى انعكاسها على مطالب المحتجين.