تواجه الحكومة الإسرائيلية المقبلة تحديات مالية واقتصادية متزايدة بفعل تداعيات أكثر من ثلاث سنوات من الحروب، بعدما تحولت النفقات العسكرية المتصاعدة إلى عبء ثقيل على الميزانية العامة، بالتزامن مع ارتفاع الدين وعجز الموازنة وتراجع القدرة على تمويل القطاعات المدنية. وتزداد الضغوط مع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بوقف المساعدات العسكرية، ما يضع إسرائيل أمام معادلة صعبة بين متطلبات الأمن وكلفة استمرار العمليات العسكرية والحفاظ على النمو الاقتصادي، وفق تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال».
وقالت الصحيفة إن المؤشرات الإيجابية التي يظهرها الاقتصاد الإسرائيلي لا تعكس بصورة كاملة حجم التحديات المتراكمة، إذ إن قدرة الاقتصاد على الصمود خلال تعدد جبهات القتال منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تمنع اتساع الاختلالات المالية. وتنتظر الحكومة المقبلة قرارات معقدة بشأن حجم الإنفاق الدفاعي ومصادر تمويله، إلى جانب تحديد القطاعات التي يمكن تقليص مخصصاتها لتغطية الالتزامات العسكرية المتزايدة.
ونقلت الصحيفة عن المحافظة السابقة لبنك إسرائيل والباحثة حالياً في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، كارنيت فلوغ، قولها إن الحكومة المقبلة ستواجه تحديات اقتصادية كبيرة، وستكون مضطرة إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن الضرائب والخدمات العامة والميزانية العسكرية. وتتمثل المعضلة، وفق هذا التقدير، في كيفية توفير الموارد اللازمة للإنفاق الأمني دون الإضرار بالاستثمارات المدنية التي يعتمد عليها الاقتصاد في تحقيق النمو على المدى الطويل.
فاتورة الحرب تستنزف المالية العامة
رغم المرونة التي أظهرها الاقتصاد الإسرائيلي خلال سنوات المواجهات العسكرية، فإن استمرار العمليات على جبهات متعددة فرض تكاليف مالية واسعة النطاق. وقدّر البنك المركزي الإسرائيلي، في أبريل/نيسان الماضي، إجمالي النفقات الحكومية والتكاليف المالية الأخرى المرتبطة بالحروب بنحو 130 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2026.
تشمل الأعباء المالية ارتفاع الإنفاق العسكري والالتزامات الحكومية المرتبطة بالحرب، فضلاً عن الضغوط التي تفرضها متطلبات الأمن وإعادة تأهيل القطاعات المتضررة. ويعني استمرار هذه النفقات أن الحكومة ستحتاج إلى تخصيص موارد إضافية للدفاع، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تمويل الخدمات العامة والبنية التحتية والاستثمارات الاقتصادية.
وتكشف مؤشرات الدين والعجز عن حجم التحول الذي شهدته المالية العامة؛ إذ ارتفع الدين العام إلى نحو 68% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 60% قبل حرب 2023. كما يُرجح أن يبلغ عجز الموازنة 4.4% من الناتج، بعدما سجلت إسرائيل فائضاً بنسبة 0.6% عام 2022.
وتشير هذه الأرقام إلى تراجع المساحة المالية المتاحة أمام الحكومة، إذ باتت مطالبة بتغطية نفقات عسكرية أكبر في ظل ارتفاع الالتزامات المالية وتزايد كلفة الاقتراض. كما أن استمرار العجز قد يفرض عليها المفاضلة بين زيادة الإيرادات عبر الضرائب، أو تقليص الإنفاق العام، أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض لتغطية الاحتياجات.
وبحسب تقديرات فلوغ، أصبح الإنفاق العسكري يستحوذ على نحو 8% من الناتج الاقتصادي، أي ما يقارب ضعف حصته قبل الحرب. ويؤدي هذا التحول إلى تضييق المجال المتاح للإنفاق على التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية، فضلاً عن الاستثمارات المدنية التي تحتاج إليها إسرائيل للحفاظ على قدرتها التنافسية وجذب رؤوس الأموال.
ولا تتوقف التداعيات عند الأرقام المسجلة في الموازنة، بل تمتد إلى طبيعة الأولويات الاقتصادية للحكومة المقبلة، التي ستضطر إلى الموازنة بين تمويل الاحتياجات الأمنية العاجلة وتوفير الموارد اللازمة للقطاعات الإنتاجية. وقد يؤدي استمرار توجيه حصة أكبر من الموارد إلى الإنفاق العسكري إلى تأجيل مشروعات مدنية أو تقليص مخصصات قطاعات أخرى.
مستقبل المساعدات الأمريكية
تتزايد الضغوط على المالية الإسرائيلية مع الغموض المحيط بمستقبل الدعم الأمريكي، الذي يمثل أحد مصادر التمويل الرئيسية للقدرات العسكرية الإسرائيلية. وتقدم واشنطن لإسرائيل مساعدات عسكرية سنوية بقيمة 3.8 مليارات دولار، تعادل نحو نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب مليارات إضافية قدمتها خلال فترات الحرب.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الثلاثاء الماضي، أن الولايات المتحدة ستوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بحلول نهاية العام، في خطوة تتجاوز الجدول الزمني الذي طرحه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والقائم على التخلص التدريجي من المساعدات خلال عشر سنوات.
ويضع هذا الإعلان الحكومة الإسرائيلية أمام تساؤلات بشأن كيفية تعويض أي تراجع في الدعم الأمريكي، خصوصاً أن المساعدات لا تقتصر على تمويل شراء المعدات والأسلحة، بل ترتبط أيضاً بترتيبات التعاون العسكري بين البلدين. وقد يتطلب وقفها إعادة النظر في خطط الإنفاق الدفاعي ومصادر تمويل المشتريات العسكرية، أو زيادة الاعتماد على الموارد المحلية.
ترى فلوغ أن أهمية الدعم الأمريكي لا تقتصر على قيمته المالية، بل تشمل التعاون العسكري والاستخباراتي الذي يصعب تقدير قيمته الاقتصادية بصورة دقيقة، لكنه يمثل عنصراً أساسياً في استراتيجية الدفاع الإسرائيلية. ولذلك فإن أي تغيير في طبيعة هذا الدعم قد تكون له تداعيات تتجاوز قيمة المساعدات السنوية المباشرة.
وتبرز حساسية الملف في ظل اعتماد إسرائيل على التعاون مع واشنطن في مجالات التسليح والتكنولوجيا العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وهي مجالات لا يمكن تعويضها بمجرد توفير مبالغ مالية بديلة. كما أن الانتقال التدريجي إلى تمويل الاحتياجات العسكرية من الموارد المحلية قد يزيد الضغط على الموازنة ويحد من قدرة الحكومة على توسيع الإنفاق في قطاعات أخرى.
اختبار اقتصادي للحكومة المقبلة
تواجه الحكومة الإسرائيلية المقبلة اختباراً يتعلق بقدرتها على إدارة التزامات أمنية مرتفعة في ظل موارد مالية أكثر محدودية. فاستمرار الإنفاق العسكري عند مستويات مرتفعة يعني الحاجة إلى إيرادات إضافية أو اقتراض أكبر، بينما قد يؤدي تقليص الخدمات العامة والاستثمارات المدنية إلى انعكاسات على مستوى المعيشة والنشاط الاقتصادي.
وتتطلب معالجة هذه التحديات تحديد أولويات الإنفاق، ومراجعة حجم المخصصات الدفاعية، إلى جانب اتخاذ قرارات بشأن الضرائب والخدمات العامة. كما سيكون على الحكومة التعامل مع احتمالات تغير مستوى الدعم الأمريكي، بما يفرض إعادة تقييم الخطط المالية والعسكرية التي
اعتمدت خلال السنوات الماضية.
تخلص المعطيات التي أوردتها «وول ستريت جورنال» إلى أن المرونة التي أظهرها الاقتصاد الإسرائيلي خلال سنوات الحرب لا تعني غياب الأعباء طويلة الأمد، إذ باتت كلفة المواجهات العسكرية تضغط على الدين والعجز والإنفاق العام، فيما يظل مستقبل المساعدات الأمريكية عاملاً مؤثراً في تحديد خيارات الحكومة المقبلة وقدرتها على الجمع بين متطلبات الأمن واستدامة النمو الاقتصادي.