كوشنر يقود مسار التفاوض بين روسيا وأوكرانيا.. الأمن والأراضي عقدة الحسم

2026.11.06 - 22:49
Facebook Share
طباعة

مفاوضات تتجاوز وقف إطلاق النار
تتجه الأنظار إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، حيث تستعد الولايات المتحدة لاستضافة محادثات ثلاثية تجمع روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، في محاولة لإعادة إطلاق المسار السياسي لإنهاء الحرب، بعد أشهر من الجمود التفاوضي واستمرار المواجهة العسكرية. ويبرز المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر في هذا التحرك، من خلال قيادته اتصالات تناولت الضمانات الأمنية لكييف ومستقبل الترتيبات الأمنية الأوروبية، في مؤشر إلى أن واشنطن تسعى هذه المرة إلى وضع أسس تسوية تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار.
لكن الطريق إلى الاتفاق لا يزال محفوفاً بخلافات جوهرية تتعلق بمستقبل الأراضي الأوكرانية، وطبيعة الضمانات الأمنية، وحدود الدور الأوروبي، فضلاً عن مدى استعداد موسكو وكييف لتقديم تنازلات متبادلة. ومن ثم، تبدو محادثات أبوظبي اختباراً لجدية الأطراف أكثر من كونها محطة مضمونة للوصول إلى اتفاق نهائي.


كوشنر يعيد تحريك المسار
أعلن كوشنر أن الولايات المتحدة أجرت مناقشات وصفها بالمثمرة والموضوعية مع أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي وشركاء أوروبيين، تناولت الضمانات الأمنية لكييف وإطاراً أوسع للأمن الأوروبي.
وأوضح أن النقاشات ركزت على معالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف عبر ترتيبات عملية تحظى بقبول متبادل، مشيراً إلى أن واشنطن ستستضيف في أبوظبي، خلال الأسبوع المقبل، أول محادثات سلام ثلاثية تجمع الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا منذ فبراير/شباط الماضي.
ويعكس إسناد دور محوري إلى كوشنر توجهاً أمريكياً نحو اعتماد مقاربة تفاوضية تركز على النتائج والترتيبات العملية، بدلاً من الاكتفاء بالمواقف السياسية العامة. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرتبطاً بقدرتها على معالجة التناقض بين المطالب الأمنية الأوكرانية والشروط الروسية، دون فرض تسوية لا تملك مقومات الاستمرار.


ضمانات كييف.. العقدة الأساسية
تتعامل أوكرانيا مع محادثات أبوظبي باعتبارها اختباراً لمدى استعداد موسكو للانتقال من تبادل التصريحات إلى مناقشة ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، وفق مصدر أوكراني مطلع.
وتتمثل الأولوية الأوكرانية في الحصول على ضمانات تحول دون تجدد الهجمات الروسية، وتمنع تحول أي اتفاق لوقف القتال إلى هدنة مؤقتة تتيح إعادة الاستعداد لجولة جديدة من المواجهة.
ولا يقتصر الخلاف هنا على طبيعة الضمانات، بل يمتد إلى آليات تطبيقها والجهات التي ستتولى مراقبة الالتزام بها. فكييف تريد ترتيبات واضحة تتضمن أدوات للردع والاستجابة لأي خرق محتمل، مع الاحتفاظ بحقها في اتخاذ قراراتها السيادية بشأن مستقبلها الأمني وعلاقاتها الدولية.
وهذا يعني أن أي صيغة تفاوضية لا تتضمن آليات تنفيذ ومراقبة واضحة قد تواجه صعوبة في اكتساب ثقة الجانب الأوكراني، حتى لو نجحت في تثبيت وقف مؤقت للعمليات العسكرية.


تسوية براغماتية ومخاطر استراتيجية
يرى المحلل السياسي الأوكراني دميترو كوفالينكو أن إشراك كوشنر في المرحلة الحالية يعكس توجهاً أمريكياً لصياغة تسوية براغماتية، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية التقليدية للدبلوماسية الغربية.
ويعتبر كوفالينكو أن التركيز على ترتيبات عملية تحظى بقبول متبادل يعكس محاولة أمريكية لإيجاد صيغة توازن بين المخاوف الأمنية الأوكرانية والاشتراطات الروسية، لكنه يحذر في المقابل من اختزال الضمانات المقدمة لكييف في تفاهمات سياسية مؤقتة.
فمن وجهة نظره، قد يؤدي غياب آليات ردع دولية صارمة إلى إبقاء أوكرانيا عرضة لمخاطر استراتيجية مستقبلية، حتى بعد التوصل إلى اتفاق لوقف القتال.
وتكشف هذه المقاربة عن معضلة أساسية تواجه المفاوضات: فالتسوية التي تضمن وقف الحرب من دون توفير حماية أمنية مستدامة قد تؤجل المواجهة بدلاً من إنهائها، بينما قد تصطدم الضمانات القوية التي تطالب بها كييف بالتحفظات الروسية على طبيعة الدور الغربي في مرحلة ما بعد الحرب.


التصعيد الميداني يضغط على المفاوضات
على الرغم من التحركات الدبلوماسية، لا تزال العمليات العسكرية المتبادلة تعكس اتساع الفجوة بين المسار السياسي والواقع الميداني. فقد تبادلت روسيا وأوكرانيا الهجمات الجوية خلال الليل، بالتزامن مع اختتام جولة من المحادثات في بروكسل تناولت إعادة إعمار أوكرانيا والضمانات الأمنية لمرحلة ما بعد الحرب.
وأعلن مسؤولون أوكرانيون أن دفاعاتهم الجوية أسقطت أو عطّلت 105 طائرات مسيّرة روسية من أصل 128، فيما أسفرت ضربات روسية عن إصابة أربعة أشخاص في منطقتي دنيبروبتروفسك وكييف.
في المقابل، قالت وزارة الدفاع الروسية إن قواتها أسقطت 496 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق 13 منطقة روسية، إضافة إلى شبه جزيرة القرم والبحر الأسود وبحر آزوف. كما أعلن حاكم منطقة ريازان، بافل مالكوف، أن أكثر من 200 طائرة مسيّرة أوكرانية استهدفت المنطقة، ما أدى إلى إصابة شخص واحد.
ويشير استمرار تبادل الضربات إلى أن المفاوضات لا تجري في أجواء تهدئة ميدانية، بل بالتوازي مع محاولات كل طرف الحفاظ على أوراق ضغطه العسكرية. وهو ما قد يجعل حسابات التفاوض أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا سعى أي من الجانبين إلى تحسين موقعه قبل الدخول في تسوية سياسية.


كلفة الحرب تتجاوز الميدان
لا تقتصر التحديات التي تواجه أي اتفاق محتمل على الجوانب العسكرية والأمنية، إذ باتت الكلفة الإنسانية والاقتصادية للحرب عاملاً ضاغطاً على مستقبل أوكرانيا وقدرتها على التعافي.
ووفق بيانات أممية، قُتل 2570 مدنياً وأصيب 15211 آخرون في أوكرانيا خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني إلى سبتمبر/أيلول 2026، بزيادة بلغت 59% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وسجل سبتمبر/أيلول وحده مقتل 328 مدنياً وإصابة 2105، في أعلى حصيلة شهرية من نوعها خلال سبتمبر منذ بدء الحرب الشاملة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقدّر تقييم مشترك أجرته الحكومة الأوكرانية والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 587.7 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، في حين تجاوزت الأضرار المادية المباشرة 195 مليار دولار حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025.
وتعكس هذه الأرقام أن استمرار الحرب لا يهدد فقط قدرة أوكرانيا على الصمود العسكري، بل يراكم أعباء طويلة الأمد تتعلق بإعادة بناء المدن والبنية التحتية واستعادة النشاط الاقتصادي، ما يجعل التوصل إلى تسوية مستقرة مصلحة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.


مفاوضات متعثرة وحرب مفتوحة
تأتي محادثات أبوظبي بعد فترة من الجمود في المسار السياسي بين موسكو وكييف، وفي ظل استمرار الخلافات حول مستقبل الأراضي الأوكرانية وشروط وقف القتال والترتيبات الأمنية التي ستلي أي اتفاق.
وتسعى واشنطن إلى إعادة جمع الطرفين ضمن مسار تفاوضي مباشر، بالتوازي مع مشاورات مع كييف وحلف شمال الأطلسي وشركاء أوروبيين بشأن الضمانات الأمنية. لكن تعدد الأطراف المعنية، واختلاف رؤيتها لشكل النظام الأمني الأوروبي بعد الحرب، يجعلان التوصل إلى صيغة مقبولة تحدياً معقداً.
كما أن أي اتفاق لن يقتصر تأثيره على مستقبل العلاقات الروسية الأوكرانية، بل سيمتد إلى التوازنات الأمنية في أوروبا، ودور الولايات المتحدة وحلفائها في ضمان استقرار القارة خلال السنوات المقبلة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 5

اقرأ أيضاً