ارتدادات انتخابية داخل البيت الأبيض
لم تتوقف تداعيات هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي عند خسارة المقاعد والنفوذ داخل الكونغرس، بل امتدت إلى مستقبل إدارة الرئيس دونالد ترامب، مع تصاعد التكهنات بشأن تغييرات محتملة في فريقه الحكومي وكبار مساعديه في البيت الأبيض. وتضع النتيجة الانتخابية الإدارة أمام اختبار سياسي صعب، يتمثل في تحديد المسؤولية عن الخسارة، وإعادة ترتيب الأولويات، واحتواء التململ داخل الحزب الجمهوري.
وتتجه الأنظار إلى مسؤولين ارتبطت أسماؤهم بالملفات الأكثر إثارة للجدل خلال الفترة الماضية، وفي مقدمتها الحرب على إيران، وسياسات الهجرة، والرسوم الجمركية، وارتفاع تكاليف المعيشة. ورغم أن ترمب لم يعلن قرارات بشأن إقالة أي من أعضاء فريقه، فإن حجم الخسارة أعاد فتح النقاش حول قدرة بعض الشخصيات على الاحتفاظ بمواقعها، ومدى استعداد الرئيس لتحميل مقربين منه مسؤولية الإخفاق الانتخابي.
المحاسبة تبدأ من الحرب
تبدو الحرب على إيران في مقدمة الملفات التي قد تحدد مصير عدد من كبار المسؤولين، بعدما تحولت إلى عبء سياسي على الجمهوريين، وفق التقديرات التي أعقبت الانتخابات. ولا تقتصر تداعياتها على الكلفة العسكرية، بل تشمل أيضاً طريقة إدارة العمليات، والتقديرات التي قُدمت للرئيس بشأن مسارها، ومدى انعكاسها على أولويات الناخبين.
وفي هذا السياق، يبرز وزير الحرب بيت هيغسيث بوصفه أحد أكثر المسؤولين عرضة للانتقادات، نظراً إلى ارتباطه المباشر بإدارة الحرب، فضلاً عن الجدل الذي رافق أداءه منذ توليه المنصب، بما في ذلك التغييرات الواسعة في قيادة الجيش، وإعادة هيكلة وزارة الحرب، وفرض قيود على وصول الصحفيين إلى البنتاغون.
وقد أثارت هذه الإجراءات اعتراضات داخل الكونغرس، بما في ذلك في أوساط جمهورية، فيما رجحت تقديرات صحفية أن يصبح هيغسيث أحد المرشحين لتحمل مسؤولية الإخفاق الانتخابي، أو ما وصفته بـ«كبش الفداء» داخل الإدارة.
وتجاوزت الانتقادات أداء الوزير إلى مسؤولين عسكريين بارزين، هما رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، وقائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر. وتحدثت تقارير عن احتمال تعرضهما للمساءلة بسبب تقديم تقييمات وُصفت بأنها مفرطة في التفاؤل بشأن مسار العمليات العسكرية، من دون إبراز كافٍ للمخاطر والتكاليف المحتملة.
ومع ذلك، أعلن ترمب تمسكه بهيغسيث، قائلاً إنه ينوي الإبقاء عليه في منصبه، لكنه أقر في الوقت نفسه بتلقي اتصالات تدعوه إلى استبداله. أما الوزير، فدافع عن أدائه في رسالة مصورة، وتعهد بمواجهة محاولات عزله، واعتبر الانتقادات الموجهة إليه استهدافاً للخطوات التي تنفذها وزارته.
سوزي وايلز تحت الاختبار
لا تقتصر احتمالات التغيير على المؤسسة العسكرية، إذ تواجه سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، تساؤلات بشأن قدرتها على إدارة فريق الرئيس وضبط مسار القرارات السياسية.
واكتسبت وايلز نفوذاً واسعاً باعتبارها إحدى أبرز الشخصيات التي أسهمت في عودة ترمب إلى البيت الأبيض عام 2024، كما نجحت في الحفاظ على موقعها فترة أطول من عدد من أسلافها خلال الولاية الأولى للرئيس.
لكن أداءها بات موضع انتقاد مع تصاعد تداعيات الحرب على إيران، وتعثر الإدارة في إقناع الرأي العام بمبرراتها، إلى جانب عدم احتواء المخاوف الاقتصادية المرتبطة بالتضخم وتكاليف المعيشة. كما أثيرت تساؤلات بشأن مدى نجاحها في دفع ترمب إلى التشاور مع الكونغرس قبل اتخاذ قرارات عسكرية كبرى.
وتعكس الدعوات التي صدرت من شخصيات جمهورية مطالبتها بالتنحي حجم الضغوط التي تواجهها، وإن كان قرار بقائها أو رحيلها يظل في يد الرئيس، الذي سبق أن دافع عنها قبل الانتخابات.
فانس ومستقبل 2028
قد تكون التداعيات السياسية الأعمق للهزيمة مرتبطة بنائب الرئيس جيه دي فانس، الذي لم يعد موقعه بوصفه الوريث السياسي المحتمل لترمب مضموناً بالقدر نفسه.
فانس، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لنيل ترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات 2028، وجد نفسه أمام معادلة صعبة: الحفاظ على ولائه للرئيس، مع تجنب تحمل كلفة سياسات باتت موضع اعتراض داخل الحزب وبين الناخبين.
وبعد اتضاح حجم الخسارة، وجّه فانس انتقادات واضحة لمسار الإدارة، وربط الهزيمة بالحرب على إيران، معتبراً أن النقاش بشأن مستقبل الحزب يجب أن يبدأ من الاعتراف بكلفة هذا القرار. ويشير هذا الموقف إلى محاولة لرسم مسافة سياسية بينه وبين بعض خيارات ترمب، من دون إعلان قطيعة معه.
وتكتسب تصريحات فانس أهمية إضافية لأنها لا تصدر عن معارض داخل الحزب، بل عن نائب الرئيس نفسه، الذي قد يرى في إعادة تقييم السياسات الحالية فرصة للحفاظ على مستقبله السياسي. غير أن ابتعاده عن ترمب يحمل مخاطر أيضاً، إذ إن نفوذه داخل الحزب لا يزال مرتبطاً إلى حد كبير بعلاقته بالرئيس وقاعدته الانتخابية.
روبيو بين البقاء والطموح
يواجه وزير الخارجية ماركو روبيو وضعاً مختلفاً، إذ يُنظر إليه باعتباره أقرب إلى التيار الجمهوري التقليدي مقارنة بفانس، رغم مشاركته في تنفيذ سياسات الإدارة، بما فيها الحرب على إيران.
وأعادت الهزيمة الانتخابية تنشيط التكهنات بشأن احتمال مغادرته منصبه تمهيداً لخوض سباق الرئاسة عام 2028، إلا أن وزارة الخارجية نفت هذه الأنباء، ووصفها روبيو بأنها غير صحيحة، مؤكداً أن خطته تتمثل في البقاء ضمن الإدارة حتى نهاية ولاية ترمب.
ومع ذلك، قد يجد روبيو نفسه أمام ضغوط من مشرعين ومانحين جمهوريين يسعون إلى إبعاده عن السياسات التي تسببت في تراجع شعبية الإدارة، أو إلى دفعه لتقديم نفسه باعتباره خياراً أكثر قبولاً داخل الحزب في المرحلة المقبلة.
التجارة والاقتصاد تحت المجهر
في الملف الاقتصادي، يواجه وزير التجارة هوارد لوتنيك ضغوطاً على خلفية الجدل المتعلق بصلاته المزعومة بجيفري إبستين، فضلاً عن دوره في الدفاع عن الرسوم الجمركية التي أثارت اعتراضات بسبب تأثيرها المحتمل في الأسعار والتضخم.
وقد تؤدي هذه الملفات إلى زيادة التدقيق البرلماني في أدائه، خصوصاً مع تصاعد الانقسامات داخل حركة «ماغا» بشأن تعامل الإدارة مع ملفات إبستين، ومقاومة ترمب نشر وثائق مرتبطة بالقضية.
أما وزير الخزانة سكوت بيسنت، فرغم قربه من الرئيس، يواجه تحدياً مختلفاً يتمثل في صعوبة إقناع الناخبين بأن الإدارة نجحت في تحسين أوضاعهم الاقتصادية. فاستمرار نمو الاقتصاد وصمود سوق العمل وارتفاع الأسهم لم تكن كافية، وفق التقييمات الانتخابية، لتبديد المخاوف بشأن تكاليف المعيشة والتضخم وأسعار الاقتراض.
ولا تشير المعطيات إلى أن بيسنت مرشح بارز للمغادرة، لكن الهزيمة أعادت تسليط الضوء على الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية وشعور الأسر الأمريكية بالضغوط اليومية.
الهجرة والصحة... ملفات إضافية
يمثل نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر أحد الأسماء المرتبطة بملف الهجرة، الذي تحول بدوره من نقطة قوة انتخابية للجمهوريين إلى مصدر استياء لدى شرائح من الناخبين.
فقد قاد ميلر التوجه المتشدد في تنفيذ سياسات ترمب المتعلقة بالهجرة، لكن أساليب المداهمات والعمليات الأمنية، وما رافقها من مواجهات وسقوط مواطنين أمريكيين برصاص عملاء فدراليين في مينيسوتا، أثارت انتقادات متزايدة.
وامتد أثر هذه السياسات إلى ناخبين لاتينيين سبق أن دعموا الجمهوريين في انتخابات 2024، قبل أن يتجه بعضهم مجدداً إلى الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي. وقد يجعل ذلك ميلر هدفاً للمراجعة السياسية، إذا قررت الإدارة تخفيف حدة نهجها في ملف الهجرة.
وفي قطاع الصحة، يواجه وزير الصحة روبرت إف كينيدي جونيور تساؤلات بشأن جدوى مبادرته «لنجعل أمريكا صحية مجدداً»، وإصلاحاته التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب مواقفه المتشككة في اللقاحات. ولم تنجح هذه المبادرات، بحسب التقييمات المطروحة، في توفير مكاسب انتخابية واضحة للجمهوريين، رغم الرهان على قدرتها على استقطاب ناخبين من خارج القاعدة التقليدية للحزب.
ويظل مستقبل كينيدي مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل تكهنات بشأن طموحاته السياسية لعام 2028، رغم نفيه سابقاً رغبته في خوض السباق الرئاسي مجدداً.
هزيمة تفتح معركة داخل الحزب
تأتي هذه التكهنات في وقت يواجه فيه الحزب الجمهوري تحدياً يتجاوز خسارة الانتخابات، يتمثل في تحديد أسباب تراجع الدعم الشعبي، والاختيار بين مواصلة النهج السياسي الذي تبناه ترمب أو إعادة النظر في بعض ركائزه.
وتتداخل في هذه المراجعة ملفات السياسة الخارجية والاقتصاد والهجرة، إلى جانب الخلافات داخل حركة «ماغا» بشأن إدارة بعض القضايا الداخلية. كما أن اقتراب الاستحقاق الرئاسي لعام 2028 يمنح التغييرات المحتملة بعداً يتجاوز إعادة تشكيل الحكومة، لتصبح جزءاً من صراع مبكر على قيادة الحزب ومستقبله.
ولا تعني خسارة الجمهوريين بالضرورة أن جميع المسؤولين الواردة أسماؤهم سيغادرون مناصبهم، إذ تتوقف قرارات الإقالة أو الاستقالة على حسابات ترمب الشخصية والسياسية، وعلى مدى حاجته إلى إرضاء أجنحة الحزب المختلفة واستعادة ثقة الناخبين.