تراجع الإجماع في واشنطن... وجوه جديدة تهدد نفوذ إسرائيل في الكونغرس

2026.11.06 - 16:41
Facebook Share
طباعة

تحولات انتخابية تفتح جبهة سياسية جديدة
تواجه إسرائيل مؤشرات على تحوّل متنامٍ في طبيعة النقاش السياسي الأميركي بشأن علاقاتها مع واشنطن، بعدما كشفت نتائج الانتخابات النصفية عن اتساع حضور التيارات المنتقدة لسياساتها داخل الحزب الديمقراطي، بالتوازي مع تصاعد أصوات معارضة للحروب الخارجية والمساعدات العسكرية داخل أوساط من اليمين الجمهوري. ويضع هذا المشهد التحالف الأميركي الإسرائيلي أمام اختبار يتجاوز الخلافات التقليدية، ليشمل طبيعة الدعم وحدوده وكلفته السياسية والاقتصادية.
وبحسب تقرير نشره موقع «القناة 12» الإسرائيلية، فإن نتائج الانتخابات عززت حضور شخصيات سياسية تنتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية، وتعارض استمرار المساعدات العسكرية الأميركية لها، فيما لم تعد هذه المواقف مقتصرة على الجناح التقدمي للديمقراطيين، بل بدأت تجد صدى داخل تيارات جمهورية محافظة، ما يثير تساؤلات في تل أبيب بشأن مستقبل التوافق الأميركي التقليدي حول إسرائيل.


صعود التقدميين
ومن أبرز المؤشرات التي عكست هذا التحول، ارتفاع عدد أعضاء التيار اليساري التقدمي في الكونغرس، إذ أظهرت بيانات أعقبت الانتخابات زيادة عدد أعضائه في مجلسي النواب والشيوخ من 24 إلى 36 مشرّعاً في الكونغرس الجديد.
وفي الدائرة الأوسع لليسار داخل الحزب الديمقراطي، ارتفع عدد المشرّعين من 135 إلى 163 عضواً، وفق أرقام لم تكن قد حُسمت بصورة نهائية عند إعداد التقرير. وتعكس هذه النتائج تنامي نفوذ التيارات التي تدعو إلى مراجعة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بما في ذلك طبيعة العلاقة مع إسرائيل وحجم الدعم العسكري المقدم لها.
وبرز السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، أحد أبرز رموز اليسار التقدمي، في الاحتفاء بالنتائج، مستعرضاً مجموعة من الوجوه الجديدة التي ستدخل الكونغرس، وبينها شخصيات اتخذت مواقف حادة من السياسات الإسرائيلية خلال حملاتها الانتخابية.
وكان عبدول السيد، الفائز بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، من أبرز تلك الأسماء، بعدما نجح في الاحتفاظ بالمقعد لمصلحة الحزب الديمقراطي. وخلال خطاب إعلان فوزه، استخدم عبارات باللغة العربية، قائلاً: «الليلة نستطيع تحويل إن شاء الله إلى الحمد لله»، في إشارة إلى الانتقال من الأمل بالفوز إلى الاحتفال بتحققه.
ولا تعني زيادة عدد المشرّعين التقدميين بالضرورة تبنيهم جميعاً موقفاً موحداً تجاه إسرائيل، لكنها تشير إلى اتساع مساحة النقاش داخل المؤسسة التشريعية الأميركية بشأن سياساتها والحروب التي تشارك فيها واشنطن أو تدعمها.


غزة في قلب الحملات
وشكلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة محوراً بارزاً في مواقف عدد من المرشحين الذين حققوا نتائج انتخابية لافتة، إذ انتقلت الانتقادات من نطاق التصريحات السياسية إلى جزء من الخطاب الانتخابي المرتبط بمسؤولية الولايات المتحدة عن مسار الحرب.
وفي ولاية تكساس، حقق الديمقراطي جيمس تالاريكو فوزاً لافتاً، بعدما انتقد خلال حملته الحرب على غزة والدور الأميركي فيها. وقال إن مشاهد الحرب تثير لديه، بصفته قساً ومسيحياً وإنساناً، شعوراً بالغثيان، مضيفاً أن الدور الأميركي في سقوط الضحايا المدنيين يجعله يشعر بالمسؤولية، وداعياً الأميركيين إلى إدراك تبعات سياسات بلادهم.
وفي فيلادلفيا، فاز كريس راب بعضوية الكونغرس، بعدما شارك في تظاهرات معارضة للمساعدات الأميركية لإسرائيل، ووجّه انتقادات للمواجهة العسكرية مع إيران، محمّلاً إسرائيل والرئيس الأميركي دونالد ترامب مسؤولية الهجمات التي أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين داخل الأراضي الإيرانية.
أما في نيوجيرسي، فبرز اسم الطبيب العسكري آدم حماوي، الذي وصل إلى الكونغرس بعد اكتسابه اهتماماً خلال الحرب على غزة، إثر مشاركته في علاج الجرحى داخل القطاع.
ووصف حماوي تجربته في غزة بأنها كانت مختلفة عن مشاهد الحروب التي عاينها سابقاً في العراق والبوسنة وسوريا، مشيراً إلى وصول أعداد كبيرة من المصابين يومياً، واضطرار الطواقم الطبية إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن فرص إنقاذهم.
وتكشف هذه المواقف عن اتساع حضور البعد الإنساني في النقاش الانتخابي الأميركي بشأن الحرب، إلى جانب تزايد التساؤلات حول مسؤولية واشنطن عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، وحجم الدعم الذي تقدمه لها.


«أيباك» تحت الانتقاد
ومن أبرز مظاهر التحول في المشهد السياسي الأميركي، تغير طريقة تعامل بعض المرشحين مع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك»، التي تعد من أبرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
فبعدما كان الحصول على دعمها يُنظر إليه تقليدياً باعتباره مكسباً انتخابياً، بات بعض المرشحين يحرصون على إعلان ابتعادهم عنها، بل ويستخدمون معارضتهم لنفوذها جزءاً من خطابهم السياسي.
وأعلن أحد المرشحين أنه لم يتلقَّ أموالاً من المنظمة ولا ينوي الحصول على تمويل منها، فيما وجّه مرشح آخر انتقادات ساخرة إليها، متهماً إياها بإنفاق 42 مليون دولار ضد معسكره، ومعتبراً أن ذلك منحه فرصة لمواجهتها انتخابياً.
ولم تعد الانتقادات مقتصرة على موقف المنظمة من إسرائيل، بل امتدت إلى دورها في الدفاع عن استمرار المساعدات العسكرية الأميركية وصفقات الأسلحة، وسط اتهامات من منتقديها بأن نشاطها يتقاطع مع مصالح الصناعات الدفاعية الأميركية.
في المقابل، لا تنظر جميع المنظمات المؤيدة لإسرائيل إلى صعود التيار التقدمي باعتباره تطوراً سلبياً. فقد رحبت منظمة «جي ستريت»، التي تدعم إسرائيل وتؤيد الحلول السياسية والتسويات، بنتائج الانتخابات، معتبرة أن الكونغرس الجديد قد يكون الأكثر تأييداً لإسرائيل، لكن وفق مفهوم مختلف عن ذلك الذي تتبناه حكومة بنيامين نتنياهو.
وترى المنظمة أن دعم إسرائيل لا ينبغي أن يقتصر على تعزيز التحالف العسكري، بل يجب أن يرتبط أيضاً بدعم السلام والتسويات السياسية والأمن، وهو ما يعكس انقساماً متزايداً داخل الأوساط الأميركية المؤيدة لإسرائيل بشأن تعريف هذا الدعم وحدوده.


انقسام داخل اليمين
ولا يقتصر التحدي بالنسبة إلى إسرائيل على صعود التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، إذ بدأت تظهر مواقف أكثر انتقاداً للعلاقة معها داخل أوساط من اليمين الأميركي، خصوصاً بين الناخبين المنتمين إلى تيار «أميركا أولاً»، الذين يعارضون انخراط الولايات المتحدة في الحروب الخارجية.
وفي هذا السياق، برز نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي أثارت مواقفه المنتقدة للحرب على إيران نقاشاً بشأن مستقبل علاقته بالتيار الجمهوري، واحتمالات ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2028.
وتشير قراءات سياسية إلى أن فانس يسعى إلى استقطاب ناخبين جمهوريين يشعرون بخيبة أمل إزاء ابتعاد إدارة ترامب عن بعض تعهداتها، ولا سيما تلك المتعلقة بتقليص التدخلات العسكرية الخارجية وتركيز السياسة الأميركية على القضايا الداخلية.
وتذهب هذه التقديرات إلى أن نائب الرئيس يحاول تقديم صيغة سياسية تحافظ على المبادئ الأساسية لحركة ترامب، لكنها تتجنب القرارات التي تحولت إلى عبء انتخابي على الجمهوريين، وفي مقدمتها الانخراط في المواجهات الخارجية.
وفي المقابل، انتقد رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني موقف فانس من الحرب على إيران، معتبراً أن تحميل المسؤولية لجهات أخرى لا يعفي الإدارة الأميركية من مسؤوليتها عن حرب بدأت خلال وجودها في السلطة.


كارلسون يهاجم ترامب
وتجاوزت الانتقادات داخل اليمين الأميركي مواقف فانس، لتشمل شخصيات إعلامية محافظة بارزة، من بينها تاكر كارلسون، الذي أصبح من الأصوات المنتقدة لسياسة ترامب تجاه إسرائيل.
واتهم كارلسون الرئيس الأميركي بتقديم مصالح إسرائيل على مصالح الولايات المتحدة، في موقف يعكس تنامي الخلاف داخل التيار المحافظ بشأن حدود الالتزام الأميركي تجاه تل أبيب.
لكن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل اليمين الجمهوري، إذ اعتبرت أصوات محافظة أن انتقاد إسرائيل وتحميلها مسؤولية الهزيمة الانتخابية للجمهوريين قد يتحول إلى محاولة لصرف الانتباه عن أسباب داخلية، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة والأوضاع الاقتصادية.
ويكشف هذا التباين أن الجدل داخل الحزب الجمهوري لا يدور فقط حول إسرائيل، بل يتصل أيضاً بمستقبل السياسة الخارجية الأميركية، ومدى التزام الحزب بتوجهات تيار «أميركا أولاً»، الذي يطالب بتقليص التدخلات الخارجية.


هاكابي يقلل من أثر الخلاف
وفي قراءة مختلفة لنتائج الانتخابات، أقر السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بأن الجمهوريين تعرضوا لهزيمة انتخابية كبيرة، لكنه رفض اعتبار العلاقة مع إسرائيل سبباً رئيسياً وراء تلك النتائج.
وقال هاكابي إن الحزب مرّ بليلة انتخابية سيئة، وإن خسارته في ولايات لم يخسرها منذ عقود تمثل جرس إنذار حقيقياً، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني بالضرورة أن ترامب أصبح رئيساً أضعف.
وفي ما يتعلق بمستقبل الدعم الأميركي لإسرائيل، ميّز هاكابي بين مواقف الحزبين، معتبراً أن تأييد إسرائيل لم يصبح موضع رفض داخل الجناح المحافظ أو الحزب الجمهوري، لكنه بات أكثر إثارة للجدل داخل الحزب الديمقراطي.
وأعرب عن أمله في استمرار التوافق بين الحزبين بشأن العلاقات الأميركية الإسرائيلية، مذكّراً بأن الديمقراطيين كانوا في مراحل سابقة أكثر تأييداً لإسرائيل من الجمهوريين.
وتعكس تصريحات السفير تمسك جزء من المؤسسة السياسية الأميركية بالعلاقة التقليدية مع تل أبيب، في مواجهة أصوات تطالب بإعادة النظر في أسسها وتكاليفها السياسية والاقتصادية.


المساعدات إلى الشراكة التجارية
ولا يتوقف النقاش في واشنطن عند المواقف السياسية، بل يمتد إلى مستقبل المساعدات الأميركية لإسرائيل، وآليات التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين.
وكشف هاكابي أن نتنياهو طرح في وقت سابق فكرة الانتقال التدريجي من علاقة تعتمد على المساعدات الأميركية إلى شراكة تقوم بصورة أكبر على التجارة والمشتريات الدفاعية.
وأوضح أن جزءاً كبيراً من أموال المساعدات يُستخدم لشراء أسلحة ومنظومات دفاعية مصنّعة في الولايات المتحدة، ما يعني أن هذه الأموال تسهم أيضاً في دعم الصناعات الدفاعية الأميركية وتوفير فرص العمل فيها.
ويجري بحث هذا التحول في إطار التحضير لمذكرة التفاهم الأمنية المقبلة بين واشنطن وتل أبيب، من دون التوصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي بشأن الصيغة الجديدة للعلاقة.
ويكتسب هذا النقاش أهمية متزايدة في ظل تصاعد الأسئلة داخل الولايات المتحدة بشأن جدوى استمرار المساعدات، وما تحصل عليه واشنطن في المقابل، ومدى ارتباط الدعم العسكري بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.


تحالف أمام مراجعة سياسية
تستند العلاقات الأميركية الإسرائيلية منذ عقود إلى تعاون سياسي وعسكري وأمني واسع، وإلى دعم تقليدي يحظى بمساندة من قطاعات مؤثرة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي. غير أن الحروب الإقليمية، ولا سيما الحرب على غزة والمواجهة مع إيران، أعادت فتح النقاش بشأن كلفة هذا التحالف وحدود الالتزام الأميركي تجاه إسرائيل.
ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي الأميركي لعام 2028، تتزايد أهمية المواقف المتعلقة بالسياسة الخارجية داخل الحسابات الحزبية، خصوصاً في ظل صعود تيارات تطالب بتقديم الأولويات الداخلية وتقليص الانخراط العسكري في الشرق الأوسط. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 4

اقرأ أيضاً