إسرائيل أمام حسابات جديدة... هل تفرض نتائج الانتخابات الأميركية تغييراً استراتيجياً؟

2026.11.05 - 13:25
Facebook Share
طباعة

نتائج انتخابية تتجاوز واشنطن
أثارت الهزيمة التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي لـ الكونغرس الأميركي مخاوف متزايدة داخل إسرائيل، بعدما فتحت الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل السياسة الأميركية تجاه إيران، وإمكانية تراجع فرص استئناف العمليات العسكرية، فضلاً عن انعكاسات محتملة على طبيعة الدعم الأميركي لإسرائيل وتوازنات المنطقة، بما فيها الجبهة اللبنانية.
ووفقاً لموقع «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلي، فإن نتائج الانتخابات وما رافقها من مواقف سياسية داخل المعسكر الجمهوري وضعت الحسابات الإسرائيلية أمام تحديات جديدة، خصوصاً بعد تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، التي ربط فيها بين الحرب على إيران والخسارة الانتخابية، وأشار إلى أن استمرار المواجهة العسكرية والعلاقة مع إسرائيل كانا من العوامل التي دفعت ناخبين إلى الابتعاد عن الحزب الجمهوري.
وبحسب تحليل الصحافي إيتمار آيخنر، فإن هذه المواقف تستدعي القلق في تل أبيب، ليس بسبب نتائج الانتخابات وحدها، بل لأنها تكشف عن تحولات داخل القاعدة الجمهورية التقليدية، التي شكّلت لسنوات أحد أبرز مصادر الدعم السياسي لإسرائيل في الولايات المتحدة.


أربعة مطالب مقلقة
حدّد فانس، وفقاً للتقرير، أربعة مطالب رئيسية لدى الناخبين الذين ابتعدوا عن الجمهوريين، تتمثل في إنهاء الحرب على إيران، ومعالجة غلاء المعيشة والتضخم، وإعطاء الأولوية للمصالح الأميركية، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.
وتكمن أهمية هذه المطالب في أن ثلاثة منها ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالسياسة الأميركية تجاه إسرائيل والشرق الأوسط، ما يعكس اتساع مساحة الاعتراض داخل الشارع الأميركي على كلفة الانخراط في الصراعات الخارجية، وعلى حجم الالتزامات التي تتحملها واشنطن تجاه حلفائها.
وتزداد حساسية هذه الرسالة بالنسبة إلى تل أبيب في ظل إقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الحرب على إيران وتداعياتها على أسعار الوقود ساهمتا في النتائج الانتخابية، رغم تمسكه بصحة قرار خوضها. كما حظي موقف فانس بدعم دونالد ترامب الابن، ما عزز الانطباع بوجود نقاش داخل المعسكر الجمهوري بشأن جدوى استمرار المواجهة وتكاليفها السياسية والاقتصادية.


استئناف الحرب يتراجع
لا يقتصر القلق الإسرائيلي على الخطاب السياسي، بل يمتد إلى احتمالات تأثيره في القرارات العسكرية الأميركية المقبلة. فبحسب قراءة «يديعوت أحرونوت»، أضعفت تصريحات فانس المبررات السياسية لاستئناف العمليات ضد إيران، في وقت يواجه فيه ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة لتجنب جولة جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم الأعباء الاقتصادية على الأميركيين.
ونقل التقرير عن مسؤول إسرائيلي تقديره أن نتائج الانتخابات ومواقف فانس أدخلت خيار استئناف الحرب على إيران في حالة من الجمود، مشيراً إلى مخاوف من أن تدفع الضغوط الداخلية ترامب إلى تخفيف شروطه في أي تسوية محتملة مع طهران.
وتتمثل إحدى أبرز الهواجس الإسرائيلية، وفق التقرير، في احتمال أن تقبل واشنطن باتفاق يركز على إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، من دون معالجة البرنامج النووي الإيراني بالشروط التي تطالب بها إسرائيل.
ويعني هذا السيناريو، من وجهة النظر الإسرائيلية، أن الولايات المتحدة قد تعطي الأولوية لاحتواء التداعيات الاقتصادية والأمنية للمواجهة، بدلاً من مواصلة الضغط العسكري حتى تحقيق الأهداف التي تضعها تل أبيب في مقدمة أولوياتها.


حسابات فانس الرئاسية
ويذهب التحليل الإسرائيلي إلى أن مواقف فانس قد تكون مرتبطة أيضاً بحساباته السياسية المستقبلية، إذ يرى أنه بدأ التموضع استعداداً للاستحقاق الرئاسي الأميركي المقبل، مستفيداً من تنامي الاعتراض داخل الأوساط المحافظة على الحروب الخارجية والتورط العسكري طويل الأمد.
ويضع هذا التوجه العلاقة مع إسرائيل ضمن نقاش أوسع بشأن تعريف المصالح الأميركية وحدود الالتزامات الخارجية، خصوصاً لدى التيار المحافظ الذي يرفع شعار إعطاء الأولوية للشؤون الداخلية وتقليص الانخراط في الصراعات الدولية.
ولا يعني ذلك بالضرورة حدوث قطيعة بين واشنطن وتل أبيب، لكنه يشير إلى أن الدعم الأميركي التقليدي لإسرائيل لم يعد بمنأى عن النقاش السياسي الداخلي، وأن حسابات المصالح والانتخابات قد تفرض قيوداً أكبر على طبيعة هذا الدعم.


الدعم الجمهوري تحت الضغط
ومن أبرز التطورات التي تثير القلق الإسرائيلي، وفق التقرير، تراجع مستوى الإجماع التقليدي داخل الحزب الجمهوري بشأن العلاقة مع إسرائيل، بالتزامن مع بروز أصوات محافظة تنتقد الحروب الخارجية وتطالب بإعادة تقييم الالتزامات العسكرية الأميركية تجاه الحلفاء.
وفي المقابل، من المتوقع أن يضم الكونغرس الجديد شخصيات ديمقراطية تنتقد بشدة السياسات الإسرائيلية، وتدعو إلى إعادة النظر في المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة لتل أبيب، بما في ذلك الشروط والضوابط المرتبطة بها.
ويضع هذا المشهد إسرائيل أمام معادلة سياسية أكثر تعقيداً؛ فالدعم الذي اعتادت الحصول عليه من الحزبين قد يصبح موضع خلاف متزايد، في وقت تتسع فيه الانتقادات داخل المعسكرين الجمهوري والديمقراطي، وإن اختلفت دوافعها وحدودها.
وبذلك، لا تنحصر المخاوف الإسرائيلية في احتمال تغير موقف إدارة ترامب من الحرب على إيران، بل تشمل أيضاً مستقبل الغطاء السياسي والعسكري الذي توفره واشنطن للعمليات الإسرائيلية في المنطقة.


لبنان في دائرة التأثر
تمتد التداعيات المحتملة لهذه التحولات إلى لبنان، وإن كان التقرير الإسرائيلي لا يتحدث عن قرار أميركي جديد بشأن الجبهة اللبنانية. فالتردد في استئناف الحرب على إيران قد ينعكس على تقديرات إسرائيل المتعلقة بمستوى الدعم الأميركي لأي تصعيد إقليمي، ولا سيما إذا كانت تل أبيب تراهن على انخراط أميركي أوسع في مواجهة طهران وحلفائها.
وفي هذا السياق، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم حساباتها العسكرية والسياسية، إذا تراجعت قدرة واشنطن أو رغبتها في توفير غطاء مفتوح لتوسيع المواجهة. كما أن أي تسوية أميركية إيرانية تركز على احتواء التصعيد وضمان أمن الملاحة قد تؤثر في البيئة الاستراتيجية التي تتحرك ضمنها إسرائيل على الجبهة اللبنانية.
لكن هذه الاحتمالات لا تعني أن واشنطن فقدت قدرتها على التدخل العسكري، أو أن إسرائيل ستتراجع تلقائياً عن عملياتها في لبنان. فالمواقف الانتخابية والضغوط السياسية لا تتحول بالضرورة إلى قرارات عسكرية مباشرة، كما أن لكل جبهة حساباتها وظروفها الخاصة.


تحوّل في المزاج الأميركي
تأتي هذه التطورات في سياق نقاش أميركي متصاعد بشأن كلفة التدخلات العسكرية الخارجية، ومدى توافقها مع الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للناخبين. وقد برز هذا الاتجاه داخل التيار المحافظ الذي يدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية، والتركيز على الملفات الداخلية، وعدم الانخراط في حروب طويلة لا تحقق عوائد واضحة للمصالح الأميركية.
وفي المقابل، تواجه العلاقة الأميركية الإسرائيلية نقاشاً متزايداً بشأن حدود الدعم العسكري والسياسي، في ظل اتساع الانتقادات الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية داخل قطاعات من الحزب الديمقراطي، وظهور أصوات جمهورية تطالب بإعادة تقييم الالتزامات الخارجية.
وتكمن أهمية هذا التحول في أنه لا يرتبط بموقف رئيس أو إدارة بعينها فقط، بل قد يعكس تغيراً أوسع في المزاج السياسي الأميركي، بما يضع التحالفات التقليدية أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على التكيف مع أولويات الناخبين وتبدل موازين القوى داخل المؤسسات الأميركية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 6

اقرأ أيضاً