أطفال يلاحقون الصهاريج ومسنون يقطعون المسافات... العطش يطارد خان يونس

2026.11.05 - 11:42
Facebook Share
طباعة

الماء يتحول إلى معركة يومية
لم يعد الحصول على مياه الشرب في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة مجرد حاجة أساسية، بل تحول إلى معركة يومية يخوضها مئات الآلاف من السكان والنازحين لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة. فمع استمرار انقطاع الإمدادات ونقص الوقود والزيوت اللازمة لتشغيل المولدات، تتعطل آبار المياه ومحطات التحلية، وتتحول المسافات الطويلة وطوابير الانتظار وملاحقة الصهاريج إلى مشهد متكرر في حياة العائلات.
وتتجاوز الأزمة حدود النقص المؤقت في المياه، لتكشف عن هشاشة البنية التحتية التي تعرضت للتدمير والاستهداف، وعن محدودية قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة في ظل نقص الوقود وقطع الغيار. ووفق بلدية خان يونس، تطال تداعيات تعطل المولدات أكثر من 900 ألف نازح ومقيم في الجزء الغربي من المحافظة، ما يضع المنطقة أمام أزمة إنسانية متفاقمة تهدد الصحة العامة والحياة اليومية للسكان.


رحلة شاقة من أجل الماء
بالنسبة إلى المسن خليل عبد الهادي أبو عنزة، لم يعد تأمين المياه لعائلته النازحة مهمة اعتيادية، بل رحلة شاقة يضطر خلالها إلى السير لمسافة تتجاوز 1500 متر للوصول إلى نقطة تعبئة، بعدما انقطعت المياه عن منطقته لمدة ثمانية أيام.
ويقول أبو عنزة إن معاناته مع نقص المياه مستمرة منذ سنوات، لكنها ازدادت حدة مع تراجع الإمدادات وغياب البدائل، مشيراً إلى أن أطفاله اضطروا إلى شرب مياه البحر المالحة في ظل تعذر الحصول على مياه صالحة للشرب، حتى مع محاولة شرائها.
وتعكس هذه الشهادة جانباً من حجم الأزمة التي لم تعد تقتصر على صعوبة الوصول إلى المياه، بل امتدت إلى اضطرار بعض العائلات لاستخدام مصادر غير آمنة، في ظل غياب الخيارات المتاحة وارتفاع الاحتياجات اليومية للسكان والنازحين.


مطاردة الصهاريج
ولا تختلف معاناة ياسر رضوان كثيراً، إذ يقول إن انقطاع المياه قد يستمر أحياناً 15 يوماً متواصلة، ما يضطر السكان إلى البحث عن الصهاريج وملاحقتها في الشوارع لتعبئة ما يستطيعون من أوعية.
وتتسبب هذه الظروف في تعطيل الحياة اليومية، إذ يضطر بعض السكان إلى التغيب عن أعمالهم أو قطع مسافات طويلة لتأمين المياه لعائلاتهم. كما تتحول عملية الحصول عليها إلى مصدر خطر إضافي، مع اضطرار الأطفال أحياناً إلى الركض خلف شاحنات التوزيع، بما يعرضهم لاحتمالات الدهس والإصابة.
ويحذر رضوان من أن استمرار انقطاع المياه لمدة تصل إلى 20 يوماً في منطقة مكتظة بالسكان وتضم مدارس عدة قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، مشدداً على أهمية استمرار تشغيل خزانات المياه المركزية، لأن توقفها ينعكس مباشرة على أحياء بأكملها.
ولا تقف آثار الأزمة عند حدود العطش، إذ يؤدي استنزاف الوقت والجهد في البحث عن المياه إلى تعطيل العمل والتعليم، ويضاعف الأعباء الواقعة على الأسر التي تعاني أصلاً من ظروف النزوح وفقدان مقومات الاستقرار.


المولدات في قلب الأزمة
في المقابل، يربط المتحدث باسم بلدية خان يونس صائب لقان تفاقم الأزمة بمنع إدخال زيوت المحركات والسولار اللازمين لتشغيل آبار المياه ومحطات التحلية منذ عدة أشهر، معتبراً أن نقص هذه المواد أدى إلى تعطيل المولدات وشلّ جانب أساسي من منظومة الإمداد.
وأوضح أن أكثر من 900 ألف نازح ومقيم في الجزء الغربي من المحافظة يتأثرون بتداعيات توقف المولدات، في وقت تواجه فيه البلدية صعوبات كبيرة في توفير المياه بصورة منتظمة، بسبب نقص الزيوت المعدنية والمواد التشغيلية الضرورية.
وأضاف أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب تزيد من تعقيد الوضع، مشيراً إلى استهداف أكثر من 60 مولداً كهربائياً، وتدمير ما يزيد على 300 ألف متر طولي من شبكات المياه، إلى جانب 40 بئراً مركزية، فضلاً عن نقص قطع الغيار اللازمة لإجراء أعمال الصيانة.
وتشير هذه الأرقام، وفق إفادة البلدية، إلى أن الأزمة لا ترتبط بعطل فني عابر، بل بتراجع القدرة التشغيلية لمنظومة المياه نتيجة اجتماع عدة عوامل، أبرزها تضرر المنشآت الحيوية، ونقص الوقود والزيوت، وصعوبة إصلاح المعدات المتضررة.


أزمة تتجاوز خان يونس
وحذر لقان من أن المشكلة لا تقتصر على مدينة خان يونس، بل تمتد إلى 25 بلدية في قطاع غزة، ما يعكس اتساع نطاق الضغوط التي تواجه مرافق المياه والخدمات الأساسية في القطاع.
وفي محاولة لتخفيف حدة الأزمة، لجأت البلدية إلى استئجار صهاريج مياه من القطاع الخاص، لتوفير كميات إسعافية للسكان، غير أن هذا الإجراء يبقى محدوداً مقارنة بحجم الاحتياجات اليومية، ولا يمكن أن يشكل بديلاً مستداماً عن إعادة تشغيل الآبار ومحطات التحلية وشبكات التوزيع.
وطالبت البلدية المجتمع الدولي والجهات المانحة بالضغط للسماح بإدخال الزيوت المعدنية اللازمة لتشغيل المولدات، محذرة من أن استمرار القيود على المواد التشغيلية سيبقي آلاف العائلات رهينة حلول مؤقتة لا تضمن وصول المياه بصورة منتظمة.


بنية مائية منهكة
تأتي أزمة خان يونس في سياق التدهور الواسع الذي أصاب البنية التحتية لقطاع غزة خلال الحرب، إذ تعرضت شبكات المياه والآبار ومحطات الضخ والتحلية لأضرار كبيرة، بالتزامن مع تراجع إمدادات الوقود وصعوبة توفير المعدات وقطع الغيار.
وتكتسب هذه الأضرار خطورتها من اعتماد مرافق المياه على الكهرباء والمولدات لتشغيل المضخات وضمان وصول الإمدادات إلى الأحياء السكنية ومراكز الإيواء. وبالتالي، فإن نقص الوقود والزيوت لا يؤدي فقط إلى توقف بعض المعدات، بل ينعكس على سلسلة متكاملة تبدأ من استخراج المياه ومعالجتها وتنتهي بتوزيعها على السكان.
وفي ظل الكثافة السكانية الناتجة عن النزوح، تصبح أي اضطرابات في هذه المنظومة أكثر تأثيراً، لأن الاحتياجات تتزايد في وقت تتراجع فيه القدرة على توفير الخدمة، ما يجعل الحلول الإسعافية عاجزة عن سد الفجوة المتسعة بين العرض والطلب. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3

اقرأ أيضاً