"الاستقرار من دون تنمية هش"... ما الذي يحتاجه لبنان للخروج من أزماته؟

2026.11.05 - 11:09
Facebook Share
طباعة

من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة
يحاول لبنان إعادة صياغة مقاربته للخروج من أزماته المتراكمة، عبر ربط الاستقرار السياسي والأمني بالإصلاح الاقتصادي واستعادة ثقة المواطنين وبناء مؤسسات قادرة على توفير الخدمات والفرص. وفي هذا السياق، حملت رسالة رئيس الجمهورية جوزف عون إلى قمة البوسفور السابعة عشرة في إسطنبول، التي تلاها وزير المالية اللبناني ياسين جابر، تصوراً يتجاوز معالجة تداعيات الانهيار والحرب، نحو بناء دولة قادرة على منع تكرار الأزمات.
وتتمحور الرسالة حول معادلة أساسية مفادها أن الاستقرار الذي لا يستند إلى تنمية اقتصادية واجتماعية يبقى هشاً وقابلاً للاهتزاز، وأن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على ترميم المباني والبنى التحتية، بل يجب أن تتحول إلى مسار يخلق فرص العمل ويعيد الثقة بالاقتصاد والمؤسسات.
كما تضمنت الرؤية تأكيداً على ضرورة بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وتعزيز قدرات الجيش والمؤسسات الرسمية، وتنفيذ القرار الدولي 1701 وسائر القرارات ذات الصلة، إلى جانب ضمان الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.


إرث الأزمات
استعرضت الرسالة حجم التحديات التي واجهها لبنان منذ عام 2019، بدءاً من الانهيار المالي، مروراً بانفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى الحرب والنزوح وما خلّفاه من خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية.
فقد أدت الأزمات المتلاحقة إلى فقدان عائلات مدخراتها، ودفع أعداد كبيرة من الشباب إلى مغادرة البلاد بحثاً عن فرص أفضل، فيما لا تزال قرى جنوبية تحت السيطرة الإسرائيلية، وتنتظر مناطق واسعة بدء عمليات إعادة الإعمار.
ورغم إشادة عون بقدرة اللبنانيين على الصمود في مواجهة هذه الظروف، حملت رسالته إقراراً بأن قدرة المجتمع على الاحتمال لا يمكن أن تكون بديلاً عن قيام الدولة بمسؤولياتها. فالمطلوب، وفق هذا التصور، ألا يبقى المواطن مضطراً إلى التكيف مع الأزمات بصورة دائمة، بل أن يتمكن من استعادة حياته الطبيعية ضمن مؤسسات توفر له الأمن والخدمات والاستقرار.


الإصلاح أولاً
في الجانب الاقتصادي، وضعت الرسالة استعادة الثقة بالدولة في صلب عملية التعافي، معتبرة أن الوعود لا تكفي ما لم تتحول إلى قرارات وإجراءات قابلة للقياس والمحاسبة.
وشملت الأولويات المطروحة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، والعمل على رد حقوق المودعين، وتحديث الإدارتين الضريبية والجمركية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على استعادة انتظامها المالي والإداري ومعالجة الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
وتبرز إعادة هيكلة القطاع المصرفي بوصفها إحدى أكثر القضايا حساسية، نظراً إلى ارتباطها بأموال المودعين ومستقبل النظام المالي، فيما تمثل الإصلاحات الضريبية والجمركية جزءاً من مسعى أوسع لتحسين الإيرادات العامة وتطوير إدارة الموارد.
لكن التحدي الأساسي يبقى في تحويل هذه العناوين إلى خطوات تنفيذية واضحة، تضمن توزيع المسؤوليات وتحديد آليات المحاسبة، وتمنح المواطنين مؤشرات ملموسة على أن مسار الإصلاح بدأ يحقق نتائج فعلية.


الرقمنة ضد الفساد
ومن بين الأدوات التي ركزت عليها الرسالة، توسيع نطاق الخدمات الحكومية الإلكترونية، باعتبارها وسيلة لتحديث الإدارة العامة وتقليص فرص الفساد وتعزيز الشفافية.
وتشمل الخطط المطروحة اعتماد الفوترة الإلكترونية، والتخليص الجمركي الرقمي، وخدمات السجل العقاري عبر الإنترنت، إلى جانب الدفع الإلكتروني وإتاحة تتبع المعاملات من خلال سجلات واضحة.
وتستهدف هذه الإجراءات تقليص الاعتماد على المعاملات الورقية والوساطات، وتسهيل إنجاز معاملات الأفراد والشركات، بما في ذلك التسجيل والتصاريح الضريبية وتسديد المستحقات وتخليص البضائع.
وتحمل الرقمنة هنا بعداً يتجاوز تسريع الإجراءات الإدارية؛ إذ تسعى إلى تقليص المساحات التي يمكن أن تنمو فيها الرشوة والمحسوبية، من خلال جعل المعاملات أكثر وضوحاً وقابلية للتتبع والمراجعة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يرتبط بمدى تطبيق الأنظمة الجديدة فعلياً، وتوفير البنية التقنية والإدارية اللازمة، وضمان قدرة المواطنين والمؤسسات على استخدامها بصورة منتظمة.


الإعمار وفرص العمل
وفي ملف إعادة الإعمار، طرحت رسالة عون مقاربة تربط بين إعادة بناء المناطق المتضررة وإحياء الاقتصاد الوطني، معتبرة أن النجاح لا يُقاس فقط بعدد المنازل والطرق والمنشآت التي يجري ترميمها، بل بقدرة هذه العملية على خلق فرص عمل وتحفيز الاستثمار والحد من هجرة الشباب.
ووفق هذه الرؤية، ينبغي أن يتيح التعافي الاقتصادي للخريجين الجدد فرصة البقاء في لبنان، ولرواد الأعمال مجالاً للاستثمار، وللعائلات إمكانية التخطيط لمستقبلها من دون الخوف المستمر من الانهيارات والأزمات.
ويكتسب هذا الربط أهمية في ظل الأضرار التي خلفتها الحرب في مناطق واسعة، ولا سيما في الجنوب، حيث لا تمثل إعادة بناء البنية التحتية سوى جزء من التحدي، بينما تتطلب استعادة الحياة الاقتصادية توفير التمويل والخدمات وفرص العمل والظروف الأمنية الملائمة.
ومن هذا المنطلق، يصبح الإعمار اختباراً لقدرة الدولة على الانتقال من الاستجابة للأضرار إلى بناء اقتصاد أكثر استدامة، بدلاً من إعادة إنتاج الظروف التي جعلت البلاد عرضة للأزمات المتكررة.


السيادة والأمن
لم تفصل الرسالة بين التعافي الاقتصادي ومتطلبات الاستقرار الأمني والسياسي، إذ شدد عون على بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وتعزيز مؤسساتها وجيشها، وتنفيذ القرار 1701 والقرارات الدولية ذات الصلة، مع التأكيد على ضرورة الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
ويعكس هذا الربط إدراكاً بأن الاستثمار وإعادة الإعمار لا يمكن أن يحققا أهدافهما في ظل استمرار التوترات الأمنية أو غياب الضمانات المتعلقة بسيادة الدولة وسلامة أراضيها.
كما يضع هذا الطرح مسؤولية تعزيز المؤسسات الرسمية في قلب أي تصور طويل الأمد للاستقرار، بحيث تكون الدولة المرجعية الأساسية في إدارة الشؤون الأمنية والاقتصادية والخدماتية.


علاقات لبنانية تركية
وعلى المستوى الخارجي، حملت رسالة عون إشادة بالدور التركي في دعم لبنان خلال المراحل الصعبة، والمساهمة في جهود حفظ السلام في الجنوب، إلى جانب التعبير عن الرغبة في توسيع التعاون الثنائي.
وشملت المجالات المطروحة التجارة والاستثمار والبنى التحتية وإعادة الإعمار، بما يفتح المجال أمام شراكات اقتصادية يمكن أن تسهم في دعم التعافي اللبناني وتطوير العلاقات بين البلدين.
وجاءت هذه المواقف خلال قمة البوسفور السابعة عشرة في إسطنبول، التي انعقدت تحت عنوان «التحول العالمي والبحث عن الاستقرار»، وشارك فيها لبنان ممثلاً بوزير المالية ياسين جابر، الذي تلا رسالة رئيس الجمهورية.
ويعكس التركيز على التعاون مع تركيا توجهاً نحو توسيع شبكة الشراكات الخارجية، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى استثمارات ومساعدات وخبرات لدعم إعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 10

اقرأ أيضاً