أعاد قرار تمديد ساعات العمل في المؤسسات الحكومية السورية فتح النقاش حول طبيعة الإصلاح الإداري المطلوب، وحدود العلاقة بين مدة الدوام ومستوى الإنتاجية، في ظل ظروف معيشية واقتصادية تفرض ضغوطاً متزايدة على الموظفين والأسر. وبين من يرى في القرار خطوة لتعزيز الانضباط وتحسين الخدمات، ومن يعتبر أن زيادة ساعات الحضور لا تعالج مشكلات الإدارة والأداء، تتداخل الاعتراضات المهنية مع المخاوف الاقتصادية والاجتماعية.
وبموجب القرار رقم /1616/ الصادر عن الأمانة العامة للحكومة، حُددت ساعات العمل الرسمية في الجهات العامة ذات الطابع الإداري من الثامنة صباحاً حتى الرابعة عصراً، على أن يبدأ تطبيقه اعتباراً من الأول من كانون الأول/ديسمبر 2026.
أما الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي التي تقتضي طبيعة عملها استمرار الدوام، فقد منحها القرار صلاحية تنظيم ساعات العمل ونظام الورديات وفق أنظمتها الخاصة وبما يراعي المصلحة العامة، كما نص على إلغاء الأحكام المخالفة لمضمونه.
ساعات الحضور لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاجية
تركز جانب أساسي من ردود الفعل على مدى ارتباط زيادة ساعات الدوام بتحسن الأداء الوظيفي، إذ يرى منتقدون أن المشكلة في المؤسسات العامة لا تتعلق بالضرورة بقصر ساعات العمل، وإنما بضعف الإدارة وغياب آليات واضحة لتقييم الإنجاز ومحاسبة المقصرين.
وفي آراء رصدها نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان في مناطق سورية مختلفة، تساءل مواطنون عن جدوى بقاء الموظفين في المؤسسات حتى الرابعة عصراً، إذا لم يترافق ذلك مع تطوير أساليب العمل وتحسين الخدمات ومكافحة الترهل الإداري.
واعتبر أصحاب هذه الآراء أن معيار تقييم الموظف ينبغي أن يرتبط بحجم العمل المنجز وجودته، وليس بمجرد عدد الساعات التي يقضيها داخل المؤسسة. كما حذروا من أن تمديد الدوام قد يرفع النفقات التشغيلية، نتيجة زيادة استهلاك الكهرباء والمحروقات، من دون ضمان تحقيق تحسن ملموس في مستوى الخدمات.
وفي المقابل، يرى مؤيدون أن زيادة ساعات العمل يمكن أن تسهم في تعزيز الانضباط وتوفير وقت إضافي لإنجاز معاملات المواطنين، شرط أن تترافق مع رقابة فعلية على الأداء وتطوير آليات العمل داخل المؤسسات.
الرواتب والأعمال الإضافية.. معادلة تزيد الضغوط
من أبرز الاعتراضات التي رافقت القرار مسألة التناسب بين ساعات العمل والأجور، إذ اعتبر معلقون أن إلزام الموظفين بثماني ساعات يومياً ينبغي أن يقترن برواتب وحوافز تتناسب مع متطلبات المعيشة وحجم المسؤوليات الوظيفية.
وتشير تعليقات متداولة إلى أن الرواتب الحالية لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية لكثير من الأسر، الأمر الذي يدفع عدداً من العاملين في القطاع العام إلى البحث عن أعمال إضافية بعد انتهاء الدوام الرسمي لتأمين دخل يساعدهم على مواجهة ارتفاع تكاليف الحياة.
وفي هذا السياق، طُرحت مقترحات لاعتماد نظام عمل أكثر مرونة، يراعي طبيعة كل مؤسسة واحتياجاتها، مع تعزيز الرقابة والانضباط وربط الحوافز بمستوى الإنجاز. ويرى أصحاب هذا الطرح أن المرونة قد تساعد الموظفين على تنظيم مصادر دخلهم والتزاماتهم، كما قد تجعل الوظيفة الحكومية أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.
الموظفات والأمهات أمام أعباء أسرية إضافية
لم تقتصر المخاوف على الجوانب المهنية والاقتصادية، بل امتدت إلى الانعكاسات الأسرية والاجتماعية، خصوصاً بالنسبة إلى الموظفات والأمهات العاملات اللواتي يتحملن، إلى جانب التزاماتهن الوظيفية، مسؤوليات رعاية الأطفال ومتابعة شؤون المنزل وإدارة متطلبات الأسرة اليومية.
وأشارت تعليقات نسائية وصلت إلى المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن تمديد الدوام حتى الرابعة عصراً قد يزيد الأعباء على المرأة العاملة، ولا سيما في ظل محدودية خدمات رعاية الأطفال وصعوبة التوفيق بين الالتزامات المهنية والعائلية.
وتتفاقم هذه المخاوف مع اعتماد كثير من الأسر على دخل الزوجة وعدم قدرتها على الاستغناء عنه بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل التوفيق بين العمل والمسؤوليات المنزلية تحدياً يومياً لا يرتبط بساعات الدوام وحدها.
كما برزت مخاوف من أن تدفع هذه الضغوط بعض النساء إلى التفكير بالاستقالة، خصوصاً في الحالات التي تترافق فيها ساعات العمل الطويلة مع صعوبات التنقل، ولا سيما للموظفات المقيمات في المناطق الريفية البعيدة عن مراكز عملهن.
وحذرت هذه الآراء من أن اتساع مثل هذا التوجه قد يؤدي إلى خسارة المؤسسات الحكومية كوادر نسائية تمتلك خبرات متراكمة، ويصعب تعويضها سريعاً، بما قد يؤثر في استمرارية العمل ومستوى الأداء. وبذلك، يطرح القرار تحدياً إضافياً يتعلق بقدرة المؤسسات على الاحتفاظ بموظفيها، وليس فقط تنظيم أوقات حضورهم وانصرافهم.
الخدمات الأساسية تتطلب أنظمة عمل مختلفة
في المقابل، يرى متفاعلون مع القرار أن النقاش ينبغي ألا يقتصر على ساعات الدوام الإداري، بل أن يتناول احتياجات مؤسسات الدولة ومتطلبات إعادة بناء الخدمات العامة.
ويشير هذا الطرح إلى أن تطوير قطاعات المياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات والنظافة يتطلب استمرار العمل وفق أنظمة ورديات، بما يضمن متابعة الخدمات على مدار الساعة، والاستجابة السريعة للأعطال والحالات الطارئة، ومنع انقطاع الخدمات عن المواطنين.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التمييز بين المؤسسات الإدارية التي يمكن تنظيم عملها ضمن ساعات محددة، والقطاعات الخدمية التي تفرض طبيعة مهامها استمرار العمل على مدار اليوم. كما أن نجاح هذا التنظيم يرتبط بتوفير الرواتب والحوافز المناسبة للعاملين، وتأمين مستلزمات العمل والبنية التحتية اللازمة.
نقاش أوسع حول إصلاح القطاع العام
وتتجاوز المطالب المطروحة مسألة تعديل موعد انتهاء الدوام، إذ دعا معلقون إلى فتح نقاش أوسع بشأن ساعات العمل في القطاعين العام والخاص، وإخضاع القرار لدراسة تراعي خصوصية الواقع السوري والظروف الاقتصادية والاجتماعية.
كما طُرحت أهمية إشراك الجهات التشريعية والنقابات وممثلي الموظفين في مناقشة القوانين والأنظمة الناظمة للعمل، بما يضمن حقوق العاملين، ويضع معايير أكثر وضوحاً لربط الأجور بالإنتاجية والأداء.
وتعكس ردود الفعل المتباينة أن القرار يلامس إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة الإصلاح الإداري في سوريا، ومدى قدرة المؤسسات الحكومية على الانتقال من التركيز على الالتزام الشكلي بساعات الحضور إلى اعتماد معايير تقوم على الإنجاز والمساءلة وجودة الخدمات.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تقييم آثار القرار قبل تطبيقه وبعده، وقياس انعكاساته على الإنتاجية والنفقات التشغيلية والأوضاع الأسرية للموظفين، بالتوازي مع تحسين الأجور وتوفير بيئة عمل مناسبة، ووضع آليات لمكافأة الموظفين المتميزين ومحاسبة المقصرين.
ويبقى السؤال الذي يفرضه القرار: هل تكمن مشكلة المؤسسات الحكومية في قصر ساعات الدوام، أم في ضعف الإدارة وآليات العمل وغياب معايير واضحة لتقييم الأداء؟ ففاعلية أي إصلاح إداري لا تُقاس بمجرد الوقت الذي يقضيه الموظف خلف مكتبه، وإنما بقدرته على تحسين الخدمات وإنجاز معاملات المواطنين والاستجابة لاحتياجاتهم.