الحرب تستنزف قطاع الزيتون السوري وتضرب مصادر الرزق في الأرياف

2026.11.04 - 08:48
Facebook Share
طباعة

 لا تمثل شجرة الزيتون في سوريا مجرد مصدر للثمار وإنتاج الزيت، بل تشكل محوراً لمنظومة اقتصادية متكاملة تتداخل فيها الزراعة والصناعة والنقل والتجارة والحرف الصغيرة. فمنذ العناية بالبساتين وقطاف المحصول، مروراً بعمليات العصر والتعبئة والتخزين، وصولاً إلى تصنيع مستلزمات الإنتاج واستثمار مخلفات العصر، ترتبط بهذا القطاع مصادر دخل مئات آلاف الأسر، ولا سيما في المناطق الريفية.

غير أن سنوات الحرب وما رافقها من تدمير وقطع واقتلاع للأشجار ألحقت أضراراً واسعة بهذه المنظومة، ولم تقتصر خسائرها على تراجع المساحات المزروعة أو انخفاض كميات الإنتاج، بل امتدت إلى المهن والمنشآت التي تعتمد على استمرار موسم الزيتون، في وقت لا تكفي فيه إعادة غرس الأشجار لاستعادة النشاط الاقتصادي سريعاً.

وتنتشر زراعة الزيتون في معظم المحافظات السورية، خصوصاً حلب وإدلب وحمص وطرطوس وحماة واللاذقية، حيث تشكل البساتين جزءاً أساسياً من النشاط الزراعي في مناطق واسعة. ويعد زيت الزيتون من أبرز المنتجات الزراعية السورية، سواء من حيث الاستهلاك المحلي أو التسويق والتصدير.

 

من البساتين إلى الأسواق.. دورة عمل تمتد طوال العام

يؤمن قطاع الزيتون مصادر رزق لشرائح واسعة من سكان الأرياف، إذ لا يقتصر العمل فيه على موسم القطاف، بل يبدأ قبل ذلك بأشهر من خلال تقليم الأشجار وحراثة الأراضي والتسميد ومكافحة الآفات ومتابعة البساتين والعناية بها.

ومع حلول موسم القطاف، تتوسع الحاجة إلى الأيدي العاملة، فتستفيد آلاف العائلات من فرص العمل الموسمية، سواء عبر جني المحصول مقابل أجر يومي أو المشاركة في قطاف الأراضي الزراعية. كما يعتمد أصحاب البساتين على بيع الثمار أو الزيت لتأمين مورد مالي سنوي، يمثل في حالات كثيرة مصدراً رئيسياً لدخل الأسرة.

وتتجاوز دائرة المستفيدين المزارعين والعمال الزراعيين، لتشمل سائقي الشاحنات وعمال التحميل والنقل والتخزين، إضافة إلى العاملين في التعبئة والتغليف والتسويق. وتنعكس حركة الموسم على الأسواق المحلية في القرى والبلدات المنتجة، مع زيادة الطلب على الخدمات والمواد المرتبطة بجمع المحصول ونقله وتجهيزه.

المعاصر وورشات التصنيع.. قطاعات تعتمد على استمرار الموسم

بعد جمع الثمار، تنتقل عملية الإنتاج إلى معاصر الزيتون التي تستقبل المحصول وتحوّله إلى زيت قابل للاستهلاك والتخزين والتسويق. وتشكل هذه المنشآت حلقة أساسية في القطاع، كما توفر فرص عمل للعاملين في تشغيل خطوط العصر والفرز والغسيل والتعبئة، إلى جانب أعمال الصيانة والتجهيز.

وبموازاة نشاط المعاصر، تنشط ورشات متخصصة في تصنيع الصفائح والعبوات المعدنية المستخدمة في حفظ زيت الزيتون ونقله، فضلاً عن ورشات إنتاج وصيانة معدات القطاف والأدوات التي يحتاج إليها المزارعون خلال الموسم. وترتبط بهذه الأنشطة محال تجارية توفر مستلزمات الإنتاج الزراعي ومعداته.

وتعتمد استمرارية هذه المنشآت على توفر كميات كافية من المحصول وانتظام الموسم الزراعي. لذلك، فإن خسارة البساتين أو تراجع الإنتاج لا تنعكس على المزارعين وحدهم، بل تؤدي أيضاً إلى انخفاض الطلب على خدمات العصر والتعبئة والنقل ومعدات القطاف، ما يضعف النشاط الاقتصادي للورشات والمنشآت الصغيرة المرتبطة بالزيتون.

 

مخلفات العصر.. إنتاج إضافي بعد استخراج الزيت

لا تنتهي القيمة الاقتصادية لمحصول الزيتون عند استخلاص الزيت، إذ تتيح مخلفات العصر، وفي مقدمتها الجفت، وهو الجزء الصلب المتبقي بعد استخراج الزيت من الثمار، مجالاً لاستخدامات إنتاجية وصناعية متعددة.

ويُستخدم الجفت في بعض الصناعات، من بينها صناعة الصابون، كما يمكن تجفيفه ومعالجته وتحويله إلى وقود حيوي يُستفاد منه في التدفئة، خصوصاً خلال فصل الشتاء في المناطق الريفية.

وتنشأ عن هذه العمليات فرص عمل إضافية تشمل جمع المخلفات ونقلها وتجفيفها ومعالجتها وتسويقها، فضلاً عن الحد من الهدر وتحويل المنتجات الثانوية لعملية العصر إلى مواد قابلة للاستخدام.

وبذلك، تمتد سلسلة القيمة الاقتصادية للزيتون إلى ما بعد إنتاج الزيت، لتشمل أنشطة تستفيد من مخلفات المحصول وتوفر بدورها مصادر دخل وفرص عمل في المجتمعات المنتجة.

 

إدلب.. اقتلاع نحو مليون ونصف مليون شجرة زيتون

كان قطاع الزيتون في إدلب من بين القطاعات الزراعية التي تعرضت لخسائر واسعة خلال سنوات الحرب، مع قطع واقتلاع أعداد كبيرة من الأشجار المثمرة. وتشير الأرقام الواردة إلى أن عدد الأشجار المقطوعة بلغ نحو مليون ونصف مليون شجرة، في خسارة تتجاوز قيمة الأشجار وأخشابها لتطال الإنتاج الزراعي ومصادر دخل العائلات والمنشآت المرتبطة بالمحصول.

وتعددت السياقات التي جرت فيها عمليات القطع والاقتلاع، وشملت سرقة الأخشاب والتعفيش، وأعمالاً ذات دوافع انتقامية، إلى جانب تحويل مساحات من الأراضي الزراعية إلى مناطق عسكرية، وما رافق ذلك من أضرار لحقت بالبساتين ومقومات الإنتاج.

وتنعكس هذه الخسائر على أصحاب الأراضي الذين فقدوا أشجاراً كانت توفر لهم دخلاً سنوياً، كما تطال العمال الموسميين ومعاصر الزيتون وورشات التصنيع والتعبئة وقطاع النقل. فكل تراجع في كميات المحصول يعني انخفاضاً في حجم العمل المتاح لهذه الجهات، ويؤثر في شبكة المصالح الاقتصادية التي نشأت حول زراعة الزيتون على مدى سنوات.

 

إعادة الغرس لا تعيد الإنتاج فوراً

على الرغم من عودة زراعة بعض الأراضي المتضررة ومبادرة مزارعين إلى إعادة غرس أشجار الزيتون، فإن استعادة القدرة الإنتاجية للبساتين تحتاج إلى سنوات من الانتظار والرعاية. فالأشجار الجديدة لا تبدأ بالإثمار فور زراعتها، كما تحتاج إلى وقت حتى تصل إلى مستويات إنتاج جيدة ومستقرة.

ويعني ذلك أن المزارعين الذين فقدوا بساتينهم قد يواجهون فترة طويلة من دون عائد زراعي يعوض ما خسروه، في حين يتعين عليهم تحمل نفقات إعادة التأهيل، بما فيها شراء الشتلات وتجهيز الأراضي والري والتسميد والعناية المستمرة بالأشجار.

وتزداد صعوبة هذه المرحلة بالنسبة إلى العائلات التي كانت تعتمد على المحصول لتأمين دخلها السنوي، إذ تتطلب إعادة بناء البساتين استثمارات وجهداً متواصلاً، بينما لا تحقق الأشجار الجديدة مردوداً اقتصادياً خلال سنوات نموها الأولى.

ولا تقتصر تحديات التعافي على المزارعين، فالمعاصر والورشات والمنشآت الصغيرة تحتاج بدورها إلى توفر كميات كافية من الزيتون حتى تتمكن من استعادة نشاطها بمستويات قريبة مما كانت عليه قبل تضرر البساتين. وهذا يجعل تعافي القطاع عملية مترابطة لا تتحقق بمجرد إعادة غرس الأشجار، بل تتطلب استعادة الإنتاج وسائر حلقات سلسلة العمل.

 

خسائر تتجاوز الأشجار وتطال الاقتصاد الريفي

يمثل اقتلاع نحو مليون ونصف مليون شجرة زيتون في إدلب خسارة طويلة الأمد لرأس المال الزراعي، وتداعياتها لا تتوقف عند تراجع الإنتاج، بل تشمل مصادر رزق العائلات واستمرارية المهن والصناعات الصغيرة المرتبطة بهذا المحصول.

فالزيتونة جزء من منظومة اقتصادية تضم المزارعين والعمال ومعاصر الزيتون وورشات التصنيع والنقل والتعبئة والتسويق، فضلاً عن الأنشطة التي تستثمر مخلفات العصر. وتضرر أي حلقة من هذه السلسلة ينعكس على بقية الحلقات، ويحد من قدرة المجتمعات الريفية على الحفاظ على فرص العمل ومصادر الدخل.

وتتطلب إعادة تأهيل القطاع حماية الأراضي الزراعية ومنع الاعتداء على الأشجار، إلى جانب دعم المزارعين في إعادة غرس البساتين ورعايتها، ومساندة المعاصر والمنشآت الصغيرة والورشات الحرفية التي تعتمد على المحصول.

فخسارة الأشجار المثمرة لا تعني فقط تراجع المساحات المزروعة، وإنما فقدان سنوات من العمل والإنتاج، ومصادر دخل لعائلات ومنشآت قد تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تستعيد نشاطها. ومن هنا، فإن تعافي قطاع الزيتون يرتبط بإعادة بناء منظومته الاقتصادية كاملة، وليس بالاكتفاء بتعويض الأشجار المفقودة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4

اقرأ أيضاً