ماذا تكسب سورية من الانضمام إلى حلف مكة؟

2026.11.01 - 17:20
Facebook Share
طباعة

تفتح النقاشات بشأن احتمال انضمام سورية إلى «حلف مكة» الدفاعي، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، باباً جديداً أمام إعادة تشكيل التحالفات الأمنية في المنطقة، في ظل مساعي دمشق لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة قدراتها الدفاعية بعد سنوات الحرب. وبين فرص الحصول على مظلة ردع ودعم عسكري واقتصادي، تبرز مخاوف من الانخراط في صراعات إقليمية أو تقييد القرار السيادي السوري بالتزامات دفاعية واسعة.

 

أعلن وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، خلال مشاركته في الدورة الثانية والعشرين لمؤتمر «حوار المنامة 2026»، وجود نقاشات جارية بشأن إمكانية انضمام بلاده إلى الحلف الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان. ويأتي الإعلان في سياق تحركات دبلوماسية تسعى من خلالها دمشق إلى توسيع شراكاتها الإقليمية، والاستفادة من التقارب مع القوى المؤثرة في المنطقة لدعم مسار التعافي الوطني.

 

تعود بداية التحالف إلى 7 أغسطس/ آب 2026، حين استضافت مكة المكرمة قمة ثلاثية جمعت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، وأسفرت عن توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك». وينص البند الأساسي فيها على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الأطراف الأخرى.

 

يجمع الحلف بين ثقل السعودية السياسي والاقتصادي والديني، والقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، إلى جانب الإمكانات العسكرية والنووية الباكستانية. وتسعى الدول المؤسسة إلى بناء إطار أمني إقليمي يعزز التعاون الدفاعي ويعيد ترتيب حسابات الردع، في ظل تصاعد التوترات والهجمات التي تستهدف أمن المنطقة وممراتها الحيوية.

 

في المقابل، تحاول سورية استعادة موقعها الإقليمي بعد سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، والعمل على إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية. وأكد الشيباني أن دمشق تأمل تحويل المناخ السياسي الإيجابي إلى شراكات اقتصادية ونتائج ملموسة تدعم التعافي، مشدداً على أن الأمن يرتبط بقدرة الدول على حماية شعوبها واحترام سيادة جيرانها.

 

الموقع الجغرافي يعزز أهمية دمشق

 

يرى الدكتور باسل الحاج جاسم، المستشار السياسي ومدير العلاقات الدبلوماسية في مؤسسة بوليتيكو تايمز، أن أهمية سورية بالنسبة إلى الحلف تنبع من موقعها الجيوسياسي الذي يجعلها حلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام وشرق المتوسط، فضلاً عن قدرتها المحتملة على الإسهام في ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب ووقف تهريب المخدرات.

ويشير الحاج جاسم إلى أن الأراضي السورية يمكن أن تشكل ممراً لمشاريع الربط التجاري والنقل بين تركيا ودول الخليج عبر الأردن، بما يشمل الطرق البرية وممرات الطاقة وأنابيب الغاز والربط السككي، إضافة إلى خطط إعادة تشغيل خط النفط عبر ميناء بانياس لتأمين تدفقات الطاقة.

 

ولا تقتصر أهمية الموقع السوري على الجانب الاقتصادي، إذ يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في تعزيز التنسيق الأمني بين دول المنطقة، ومراقبة الحدود ومكافحة الجرائم العابرة للدول، بما يخدم المصالح المشتركة للدول المؤسسة للحلف ودمشق.

 

مظلة ردع ودعم لإعادة بناء الجيش

 

على المستوى الأمني، قد يوفر الانضمام المحتمل لسورية مظلة سياسية ودفاعية في مواجهة الاعتداءات الخارجية. وقال مصدر مطلع مقرب من وزارة الخارجية السورية، طلب عدم الكشف عن هويته، إن دمشق ترى في الاتفاقية فرصة للحصول على دعم من قوى إقليمية وازنة، في ظل التوغلات والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة التي تجاوزت 1000 اعتداء خلال أقل من عامين، بحسب المصدر.

وأضاف أن الانضمام قد يمنح سورية أوراق ضغط سياسية وأمنية للمطالبة بحماية سيادتها والعودة إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، إلى جانب تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، والمطالبة بحقوقها في الجولان المحتل استناداً إلى القرار الأممي 497.

ويمتد الدعم المحتمل إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية السورية وتوحيدها تحت مظلة جيش وطني، بما يساعد على تجاوز حالة تعدد الفصائل. ويمكن لدمشق الاستفادة من الخبرات التركية في التدريب والتصنيع الدفاعي، والقدرات التقنية والاستخبارية الباكستانية، فضلاً عن الإمكانات السياسية والاقتصادية السعودية لدعم برامج التأهيل وإعادة الإعمار.

 

كما يتيح التعاون الأمني واللوجستي فرصاً لتعزيز حماية الحدود، خصوصاً مع تركيا، وتبادل المعلومات الاستخبارية لمواجهة التنظيمات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات والسلاح. وتلتقي هذه الملفات مع مصالح الدول الثلاث، التي تنظر إلى استقرار سورية باعتباره عاملاً مؤثراً في أمن المنطقة.

لا موعد محدداً للانضمام

 

رغم المكاسب المحتملة، لا تزال فكرة انضمام سورية في مرحلة التقييم والنقاش السياسي والقانوني، من دون وجود موعد محدد لحسمها. وأوضح المصدر المقرب من وزارة الخارجية أنه لم يُقدَّم طلب رسمي من دمشق، كما لم تصدر دعوة رسمية من الدول المؤسسة حتى الآن.

ويرتبط اتخاذ القرار باستكمال إجراءات المصادقة القانونية على الاتفاقية بين الدول الثلاث، إذ أحال البرلمان التركي أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2026 مشروع قانون المصادقة عليها إلى جدول أعماله. كما يتطلب قبول أعضاء جدد موافقة الدول المؤسسة جميعها.

 

وفي انتظار اتضاح مسار الاتفاقية، قد تتجه دمشق إلى توسيع التعاون الثنائي مع السعودية وتركيا وباكستان، كلٌّ على حدة، في مجالات التدريب والتسليح وضبط الحدود. ويمثل هذا المسار خياراً مرحلياً يسمح لسورية بتعزيز قدراتها الدفاعية من دون الدخول المبكر في التزامات الدفاع الجماعي، التي قد تتجاوز إمكانات مؤسستها العسكرية في مرحلة إعادة البناء.

 

مخاطر الانخراط في صراعات الإقليم

 

في المقابل، يحذر الحاج جاسم من أن الانضمام قد يحمل تحديات استراتيجية، أبرزها احتمال انتقال سورية من موقع الشريك الأمني إلى طرف في صراعات إقليمية لا ترتبط مباشرة بأولوياتها، فضلاً عن احتمال تقييد هامش القرار السيادي نتيجة الالتزامات الدفاعية التلقائية.

ويبرز العامل الإسرائيلي باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيداً، إذ قد يضع انضمام دمشق إلى الحلف الدول المؤسسة أمام التزامات مباشرة في حال تعرض سورية لاعتداء إسرائيلي، بينما تركز الحكومة السورية على المسارات الدبلوماسية والحلول السياسية لمعالجة الانتهاكات واستعادة الحقوق.

 

وتواجه الدول المؤسسة بدورها تحدياً يتمثل في تجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة، خصوصاً أن الحلف لا يزال في مرحلة تأسيس هياكله وترسيخ آليات عمله، بالتوازي مع أولويات اقتصادية وتنموية تسعى أطرافه إلى حمايتها.

كذلك تشكل العقوبات الدولية والضغوط الاقتصادية عائقاً أمام اندماج سورية الكامل في منظومات الشراكة الإقليمية. فإعادة بناء المؤسسات الدفاعية والاقتصادية تتطلب موارد كبيرة، إلى جانب مراجعة العقوبات وتهيئة بيئة تسمح بتدفق الاستثمارات والتمويل.

 

بين فرص الردع ومخاطر الالتزامات

 

يضع النقاش بشأن انضمام سورية إلى حلف مكة دمشق أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية للدول المؤسسة، من دون التفريط بهامش استقلال قرارها أو الدخول في مواجهات تتجاوز قدرتها على التحمل.

وتتوقف جدوى الخطوة على طبيعة الالتزامات التي قد تترتب عليها، ومدى استعداد الحلف للتعامل مع الملفات السورية المعقدة، وفي مقدمتها الانتهاكات الإسرائيلية وإعادة بناء الجيش ورفع العقوبات. وحتى تتضح هذه الشروط، يبدو تعزيز الشراكات الثنائية خياراً أكثر مرونة لدمشق، فيما

سيظل الانضمام الكامل مرتبطاً بتوازن المصالح والقدرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى ضمانات عملية لأمن سورية واستقرارها.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 1

اقرأ أيضاً