بين مخاطر السوق وحسابات واشنطن.. مستقبل الاستثمار في سوريا على المحك

2026.11.01 - 15:58
Facebook Share
طباعة

تحذير يفتح باب التساؤلات
أعادت تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، بشأن صعوبة الاستثمار في سوريا، النقاش حول قدرة البلاد على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى التمويل لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحريك القطاعات الإنتاجية بعد سنوات من الحرب والعقوبات.
ووصف باراك العثور على مستثمر مستعد لدخول السوق السورية بأنه «شبه مستحيل» في الظروف الراهنة، مستنداً إلى ضعف القطاع المصرفي وتقلبات العملة والمخاطر الأمنية وطول فترات استرداد الاستثمارات. لكن هذه التصريحات جاءت في وقت تشهد فيه البلاد تحركات من شركات دولية لدراسة فرص العمل في قطاعات الطاقة والنفط والغاز، ما يطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت التحذيرات تعكس مخاطر اقتصادية فعلية، أم تحمل أيضاً رسائل سياسية تتصل بمسار التحولات في سوريا وعلاقاتها الخارجية.


تحذير ومحاولات للاستقطاب
جاءت تصريحات باراك خلال مشاركته في فعالية «Global Perspectives: In Doha» التي نظمتها شبكة «سي إن إن» في العاصمة القطرية، الخميس، بمشاركة مسؤولين وشخصيات دولية، من بينهم رئيس الوزراء القطري.
ولم يقتصر حديث المبعوث الأميركي على عرض العقبات التي تواجه المستثمرين، بل أشار أيضاً إلى اتصالات أجراها مع شركات عالمية، بينها «إكسون موبيل» و«شيفرون» و«كونوكو فيليبس» و«توتال»، لتشجيعها على دراسة فرص الاستثمار في سوريا. ويعكس ذلك أن السوق السورية لا تُعامل، وفق هذه التحركات، باعتبارها مغلقة بالكامل، رغم استمرار المخاوف المرتبطة ببيئتها الاقتصادية والمالية.
وأوضح باراك أن تطوير قطاعي النفط والطاقة يحتاج إلى مليارات الدولارات، وقد يتطلب فترة تتراوح بين 10 و15 عاماً قبل تحقيق عوائد ملموسة، وهي مدة تعكس طبيعة المشروعات الاستراتيجية وحجم المخاطر المرتبطة بها في بلد لا تزال بنيته التحتية تعاني آثار سنوات النزاع.
وتشمل العقبات التي تواجه المستثمرين ضعف القطاع المصرفي، وصعوبة تمويل التجارة وتسوية المدفوعات الدولية، إلى جانب القيود المرتبطة بالعقوبات السابقة ومتطلبات الامتثال المالي. كما تزيد المخاطر الأمنية والسياسية وعدم وضوح بعض القواعد التنظيمية من كلفة المشروعات، وتدفع الشركات إلى التريث قبل الالتزام باستثمارات طويلة الأجل.


216 مليار دولار لإعادة الإعمار
تكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية في ضوء حجم الاحتياجات التمويلية السورية، إذ قدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، تشمل إصلاح البنية التحتية وإعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية.
ولا تقتصر المشكلة على إعلان الاتفاقيات الاستثمارية أو توقيع مذكرات التفاهم، بل تتمثل في القدرة على تحويلها إلى مشروعات ممولة وقيد التنفيذ، بما يضمن تدفق رؤوس الأموال واستمرار النشاط الإنتاجي. فالفجوة بين الإعلان عن الفرص الاستثمارية وبدء تنفيذها قد تكون واسعة، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب تمويلاً ضخماً وخبرات فنية وضمانات قانونية ومالية.
الطاقة.. اهتمام دولي ينتظر التنفيذ
على الرغم من المخاطر التي تحدث عنها باراك، شهد عام 2026 تحركات لشركات دولية باتجاه قطاع الطاقة السوري، تفاوتت مراحلها بين مذكرات تفاهم واتفاقيات أولية وخطوات أكثر تقدماً في بعض الحقول.
ففي شباط/فبراير، وقعت شركة «شيفرون» الأميركية مذكرة تفاهم لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية بالشراكة مع شركة قطرية. وفي أيار/مايو، وقعت شركات «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية و«قطر للطاقة» اتفاقاً لاستكشاف فرص الاستثمار في قطاع الطاقة البحرية.
أما في القطاع البري، فبرزت تحركات شركة «HKN» الأميركية التي وقعت عقداً طويل الأجل لتطوير سبعة حقول نفطية في منطقة رميلان، في حين توصلت «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا» إلى اتفاقات للتعاون في تطوير حقول الغاز.
ومع ذلك، لا تعني هذه التحركات أن جميع الاتفاقيات تحولت إلى استثمارات منفذة، أو أن تدفق رؤوس الأموال بات مضموناً. إذ لا تزال بعض المشروعات بحاجة إلى استكمال الإجراءات الفنية والمالية والتنظيمية، قبل الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى التنفيذ الفعلي.
وتشير قراءة تقرير مجموعة أكسفورد للأعمال عن الاقتصاد السوري لعام 2026 إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل الإعلانات الاستثمارية ومذكرات التفاهم إلى مشروعات ممولة وقيد التشغيل، بما يعكس الفارق بين اهتمام الشركات بالسوق السورية وقدرتها على الالتزام باستثمارات فعلية فيها.


مؤشرات تعافٍ لا تلغي المخاطر
في المقابل، تبدو الصورة أقل تشاؤماً في تقييم بعض المؤسسات المالية الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، عقب زيارة بعثته إلى دمشق في شباط/فبراير 2026، إلى أن النشاط الاقتصادي السوري يشهد تعافياً، مدفوعاً بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة اللاجئين، وزيادة إمدادات الكهرباء، وتحسن الاندماج الإقليمي وإزالة عدد من العقوبات الدولية.
واعتبر الصندوق أن المشروعات الاستثمارية الجديدة قد تدعم آفاق النمو خلال عام 2026 وما بعده، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية تحسين الحوكمة وتقييم الالتزامات المالية المرتبطة بالمشروعات الكبرى.
وتكشف هذه المؤشرات عن مشهد اقتصادي لا يمكن اختزاله في التحذيرات وحدها أو في الإعلانات الاستثمارية؛ فوجود اهتمام دولي لا يعني زوال المخاطر، كما أن استمرار العقبات لا يلغي فرص التعافي، بل يجعل نجاحها مرتبطاً بقدرة المؤسسات السورية على توفير بيئة أكثر استقراراً وشفافية.


المشروعات الصغيرة.. رافعة موازية
يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن وصف الاستثمار في سوريا بأنه «شبه مستحيل» لا ينبغي التعامل معه باعتباره حكماً نهائياً وشاملاً على السوق، بل يجب فهمه في سياقه الاقتصادي والسياسي، والرسائل التي قد تحملها التصريحات بشأن متطلبات جذب الاستثمارات الأجنبية الكبرى.
ويشير عمر إلى أن قطاعات المطارات والموانئ والطاقة والنفط والغاز تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة وفترات طويلة لتحقيق العوائد، لكن ذلك لا يعني غياب الفرص في قطاعات أخرى. ويؤكد أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تحريك الأسواق وتوفير فرص العمل وزيادة الإنتاج والدخل والإيرادات العامة.
كما يشدد على ضرورة ألا يأتي التركيز على البنية التحتية والطاقة على حساب الزراعة والصناعة، باعتبارهما ركيزتين لتعزيز الأمن الغذائي وتقليص الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط على العملات الأجنبية. ويرى أن التعافي يتطلب تنشيط رأس المال المحلي، وتوسيع الشراكات العربية السورية، وتهيئة بيئة استثمارية مستقرة توفر قواعد تنظيمية واضحة.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما طرحه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره الصادر في 22 كانون الثاني/يناير 2026 بشأن القطاع الخاص السوري، إذ أكد أن التعافي لا يمكن أن يعتمد على المشروعات الكبرى وحدها، وأن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الزراعية والصناعات التحويلية وسلاسل القيمة المحلية تمثل عناصر أساسية لتوليد فرص العمل وتحريك الأسواق. كما أشار إلى أهمية استثمارات المغتربين السوريين بوصفها مصدراً محتملاً للتمويل والخبرات والروابط التجارية.


الإنتاج المحلي وقوة العملة
من جهته، يطرح الخبير الاقتصادي جورج خزام حماية الإنتاج المحلي باعتبارها جزءاً من معالجة الاختلالات الاقتصادية والنقدية، ويرى أن زيادة الإنتاج الصناعي والزراعي تمثل أساساً مهماً لدعم الليرة السورية.
ويحذر خزام من أن فتح الأسواق أمام المستوردات، من دون توفير ظروف تنافسية مناسبة للمصانع والورش المحلية، قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة وزيادة الطلب على العملات الأجنبية.
وتستند هذه الرؤية إلى أن قوة العملة لا ترتبط بعامل واحد، بل تتأثر بمجموعة من العناصر، من بينها الثقة بالمؤسسات والسياسة النقدية والقدرة الإنتاجية وحجم الاقتصاد ومكانته في التجارة الدولية. ومن ثم، فإن تحسين وضع الليرة يتطلب معالجة الاختلالات الهيكلية وتعزيز الإنتاج المحلي، إلى جانب إصلاح القطاع المصرفي وتطوير أدوات السياسة النقدية.


الاستثمار والتطبيع.. مسارات متقاطعة
تتجاوز تصريحات باراك الجانب الاقتصادي، إذ تزامنت مع حديثه عن استعداد القيادة السورية لإقامة علاقة مختلفة مع إسرائيل والتوصل إلى تفاهمات تنهي حالة العداء، معتبراً أن الدبلوماسية والحوار يمثلان الطريق إلى تسوية طويلة الأمد.
ولا يثبت هذا التزامن وجود رابط مباشر بين ملف الاستثمار وشروط التطبيع، لكنه يوضح أن واشنطن تتناول مستقبل سوريا ضمن مجموعة من المسارات المتداخلة، تشمل الأمن والسياسة والاقتصاد والعلاقات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة تصريحات باراك باعتبارها تشخيصاً لمخاطر اقتصادية قائمة، وفي الوقت نفسه جزءاً من نقاش سياسي أوسع بشأن اتجاهات المرحلة المقبلة. غير أن اعتبارها رسالة ضغط سياسي مباشرة يتطلب أدلة إضافية، ولا سيما ما يتعلق بوجود شروط أو مطالب محددة تربط دخول الشركات الأجنبية بمواقف سياسية بعينها.


اختبار الثقة قبل تدفق الأموال
تقف سوريا أمام معادلة معقدة؛ فهي تحتاج إلى استثمارات خارجية بمليارات الدولارات لإعادة تأهيل قطاعاتها الحيوية، لكنها مطالبة أولاً بمعالجة العقبات التي تحد من قدرة الشركات على العمل، وفي مقدمتها ضعف القطاع المصرفي، ومخاطر التمويل والتحويلات، وعدم وضوح بعض الأطر التنظيمية، والتحديات الأمنية.
ولا يتوقف الاختبار أمام الحكومة السورية عند جذب اهتمام الشركات أو توقيع الاتفاقيات، بل يمتد إلى توفير ضمانات قانونية ومالية، وتحسين الحوكمة، وتطوير البنية المصرفية، وتحويل المشروعات المعلنة إلى استثمارات منتجة.
وبين التحذيرات الأميركية ومؤشرات التعافي والتحركات الاستثمارية، يبقى مستقبل الاقتصاد السوري مرتبطاً بقدرته على بناء بيئة موثوقة ومستقرة، وتنشيط الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر التمويل، بحيث لا يظل التعافي رهناً بالمشروعات الكبرى أو برؤوس الأموال الأجنبية وحدها. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9

اقرأ أيضاً