اليونيفيل تقترب من الرحيل.. هل يترك لبنان الجنوب أمام فراغ أمني؟

2026.11.01 - 10:01
Facebook Share
طباعة

استحقاق يقترب
يدخل لبنان مرحلة حاسمة في التعامل مع مستقبل قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب البلاد «اليونيفيل»، مع اقتراب انتهاء ولايتها في 31 كانون الأول 2026، وبدء التحضيرات لانسحابها التدريجي خلال عام 2027، وفق القرار الأممي الصادر في آب 2025.
ولا يقتصر التحدي أمام الحكومة اللبنانية على انتهاء مهمة القوة الدولية، بل يتجاوز ذلك إلى مصير الترتيبات الأمنية في الجنوب، والجهة التي ستتولى مواكبة الجيش اللبناني بعد مغادرتها، في ظل استمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية، وعدم اكتمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.


تحرك دبلوماسي
وتتحرك بيروت، بدعم من فرنسا وإيطاليا، لتفادي نشوء فراغ أمني في المنطقة الحدودية، عبر مسارات متعددة تشمل محاولة استصدار قرار جديد من مجلس الأمن لتمديد مهمة «اليونيفيل»، أو البحث في صيغة بديلة، قد تكون قوة دولية متعددة الجنسيات أو بعثة أوروبية تتولى دعم الجيش ومواكبة انتشاره.
وقد شكّلت موافقة الحكومة اللبنانية على المقترح الأوروبي المتعلق بإرسال بعثة لهذه الغاية خطوة باتجاه تحريك الملف، لكنها لا تعني حسم طبيعة القوة المقبلة أو صلاحياتها أو آلية عملها وانتشارها على الأرض.


عقدة مجلس الأمن
وتبرز العقبة الأولى في الحاجة إلى قرار جديد من مجلس الأمن، إذ إن القرار 2790 الصادر في آب 2025 مدّد ولاية «اليونيفيل» حتى نهاية عام 2026، وحدد بدء سحب قواتها تدريجياً خلال عام 2027.
وبالتالي، فإن أي تمديد إضافي يتطلب توافقاً دولياً وقراراً أممياً جديداً، ولا يكفي لتحقيقه طلب لبناني أو مبادرة أوروبية، خصوصاً في ظل تباين مواقف الدول المعنية بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب.


خلاف حول البديل
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في الموقفين الأميركي والإسرائيلي، اللذين لا يبدوان متحمسين لاستمرار «اليونيفيل» أو اعتماد الصيغة الأوروبية المقترحة لقوة بديلة، وفق تقديرات دبلوماسية لبنانية.
وتنطلق واشنطن وتل أبيب من مقاربة أمنية تعتبر أن الصيغة السابقة لم تحقق النتائج المطلوبة في منع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ«الحزب اللبناني» في الجنوب. في المقابل، تحذر باريس وروما من أن انسحاب القوات الدولية من دون ترتيبات انتقالية واضحة قد يزيد هشاشة الوضع الأمني، ويضع الجيش اللبناني أمام مسؤوليات تتجاوز إمكاناته الحالية.


طبيعة المهمة
ولا يتوقف الخلاف عند هوية القوة التي يمكن أن تحل محل «اليونيفيل»، بل يشمل طبيعة مهمتها والصلاحيات الممنوحة لها. فهناك فرق جوهري بين بعثة أوروبية تقتصر مهمتها على التدريب والدعم ومواكبة الجيش، وقوة متعددة الجنسيات تمتلك تفويضاً أوسع للتعامل مع الخروقات والتطورات الأمنية على الأرض.
فالصيغة الأولى قد تسهم في تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية، لكنها لا تشكل بالضرورة بديلاً ميدانياً عن القوة الدولية الحالية. أما الخيار الثاني، فيحتاج إلى تفويض واضح من مجلس الأمن، وموافقة الدول المشاركة، وتفاهم سياسي بشأن حدود المهمة وقواعد الاشتباك وآليات الانتشار.


جنوب هش
وتزداد حساسية هذا الاستحقاق في ظل استمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية، وعدم اكتمال الانسحاب الإسرائيلي، بالتزامن مع مطالبة الجيش اللبناني بتوسيع انتشاره وتعزيز سلطة الدولة في المنطقة الحدودية.
وفي ظل هذه المعطيات، قد يؤدي انتهاء مهمة «اليونيفيل» قبل الاتفاق على ترتيبات بديلة إلى تغيير في الواقع الميداني، خصوصاً أن الانتقال إلى مرحلة جديدة يتطلب توفير ضمانات أمنية واضحة، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات بين الجيش اللبناني وأي جهة دولية أو أوروبية قد تتولى دعمه.


مسؤولية بيروت
وتواجه الحكومة اللبنانية اختباراً يتجاوز المطالبة بتمديد المهمة الدولية أو الترحيب بالمبادرات الأوروبية، إذ يتعين عليها بلورة تصور موحد لمستقبل الوجود الدولي في الجنوب، يحدد طبيعة الدعم المطلوب، والمهام التي يمكن للجيش تنفيذها، والضمانات اللازمة لمنع نشوء فراغ أمني.
كما أن التعويل على فرنسا وإيطاليا وحدهما لا يبدو كافياً لإنجاز تسوية، في وقت يحتاج فيه أي اتفاق إلى تفاهم أوسع يشمل القوى المؤثرة في مجلس الأمن، ولا سيما الولايات المتحدة، فضلاً عن معالجة التحفظات الإسرائيلية على الصيغ المطروحة.


اختبار ما بعد اليونيفيل
ومع اقتراب انتهاء ولاية «اليونيفيل»، لم يعد السؤال الأساسي متعلقاً باسم القوة التي ستخلفها، بل بقدرتها على توفير مظلة أمنية تضمن استقرار الجنوب، وتدعم الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة، وتحول دون فرض وقائع جديدة على الحدود.
ويبقى نجاح المساعي اللبنانية والأوروبية مرتبطاً بالتوصل إلى تفاهم دولي واضح قبل بدء الانسحاب، بما يمنع انتقال الجنوب إلى مرحلة من الغموض الأمني. وفي المقابل، فإن غياب هذا التفاهم قد يضع لبنان أمام استحقاق بالغ الحساسية، في وقت تتراكم فيه الأزمات السياسية والاقتصادية، وتواجه فيه الحكومة ضغوطاً متزايدة لإثبات قدرتها على فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، من الجنوب إلى الحدود الشرقية والشمالية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 3

اقرأ أيضاً