اختبار سياسي واسع
تتجه الولايات المتحدة إلى انتخابات التجديد النصفية المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، وسط مؤشرات على تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب واتساع الضغوط على الحزب الجمهوري، في استحقاق قد يعيد رسم موازين القوى داخل الكونغرس، ويضع الولاية الثانية للرئيس أمام اختبار سياسي وتشريعي بالغ الأهمية.
ووفق تحليل نشرته صحيفة «ذا غارديان» البريطانية، حوّل ترامب الانتخابات إلى استفتاء على أدائه السياسي، بعدما دعا الجمهوريين خلال مؤتمر الحزب الصيف الماضي إلى خوضها كما لو أنه مرشح على بطاقتها الانتخابية. ويرى التقرير أن هذه الخطوة أتاحت للديمقراطيين ربط مرشحي الحزب الجمهوري مباشرة بسياسات الرئيس وقرارات إدارته، وجعلت نتائج السباقات المحلية مرتبطة إلى حد كبير بتقييم الناخبين لـ البيت الأبيض.
مؤشرات مقلقة للجمهوريين
وتشير استطلاعات الرأي الواردة في التقرير إلى تقدم الديمقراطيين بفارق 11 نقطة في التصويت العام للكونغرس، بنسبة 47 في المئة مقابل 36 في المئة للجمهوريين، وفق استطلاع حديث أجرته «رويترز/إيبسوس»، في حين بلغت نسبة تأييد ترامب 32 في المئة.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية إضافية في ظل ضيق الأغلبية الجمهورية داخل مجلس النواب، حيث يمتلك الحزب 218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيين، بينما يحتفظ الجمهوريون بـ53 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 47 للديمقراطيين.
وينقل التقرير عن الرئيس السابق للجنة الوطنية الجمهورية مايكل ستيل قوله إن ترامب جعل الانتخابات استفتاءً شخصياً عليه، بعدما طلب من مرشحي حزبه ربط حملاتهم به، معتبراً أن ذلك قد ينعكس سلباً على فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بمقاعدهم.
وتشير التجارب الانتخابية السابقة إلى أن الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس غالباً ما يواجه خسائر في انتخابات منتصف الولاية؛ إذ خسر الديمقراطيون بقيادة بيل كلينتون 54 مقعداً في مجلس النواب عام 1994، كما فقدوا 63 مقعداً خلال رئاسة باراك أوباما عام 2010، بينما خسر الجمهوريون 40 مقعداً في عهد ترامب عام 2018.
الاقتصاد يضغط على الناخبين
يعزو التقرير جانباً من تراجع شعبية ترامب إلى عدم الوفاء بوعوده المتعلقة بخفض الأسعار والتضخم، إلى جانب ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود، والرسوم الجمركية التي فرضتها إدارته، فضلاً عن تداعيات الحرب مع إيران، التي دخلت شهرها الثامن وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وأدت هذه الملفات، بحسب التحليل، إلى زيادة الأعباء على قطاعات الزراعة والنقل والشحن، مع انتقال آثار التوترات التجارية والعسكرية إلى تكاليف المعيشة وسلاسل الإمداد.
ويرى محللون نقلت الصحيفة آراءهم أن الناخبين باتوا يربطون بصورة مباشرة بين قرارات الإدارة الجمهورية والضغوط الاقتصادية التي يواجهونها، في تحول يضع القضايا المعيشية في صدارة اهتمامات قطاعات من الناخبين، على حساب الشعارات السياسية المرتبطة بحركة «ماغا».
كما أثارت قرارات الإدارة انتقادات تتعلق بالفساد وتضارب المصالح، وسط اتهامات لترامب باستخدام موقعه السياسي لتحقيق مكاسب مالية له ولأفراد عائلته، وهي اتهامات تشكل بدورها أحد محاور الجدل في الحملة الانتخابية.
تراجع الدعم اللاتيني
لا تقتصر التحديات التي تواجه الجمهوريين على الملف الاقتصادي، إذ يشير تحليل «ذا غارديان» إلى تراجع الدعم الذي حظي به ترامب بين الناخبين اللاتينيين، بعدما حقق تقدماً ملحوظاً في أوساطهم خلال انتخابات عام 2024.
ويربط خبراء نقل التقرير آراءهم هذا التحول بسياسات الترحيل الواسعة التي تبنتها الإدارة، وما رافقها من مداهمات نفذتها إدارة الهجرة والجمارك في المدن والمناطق الزراعية، الأمر الذي أثار مخاوف وانتقادات داخل شرائح من المجتمع اللاتيني.
وتبرز ولاية تكساس بوصفها إحدى ساحات اختبار هذا التحول، حيث يخوض الديمقراطي جيمس تالاريكو مواجهة مع المدعي العام الجمهوري كين باكستون على مقعد في مجلس الشيوخ، في سباق وصفه التقرير بأنه الأغلى في التاريخ.
وعلى الرغم من إنفاق جهات داعمة للجمهوريين نحو 300 مليون دولار، يتقدم تالاريكو بفارق ضئيل في معظم استطلاعات الرأي التي أشار إليها التقرير. ويرى خبراء أن نتائج هذه المنافسة قد تقدم مؤشرات بشأن مستقبل علاقة الحزب الجمهوري بالناخبين اللاتينيين، ومدى استمرار التحولات التي ظهرت في انتخابات 2024.
سباقات تتجاوز الولايات التقليدية
في مجلس النواب، يحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب صافية بأربعة مقاعد لاستعادة الأغلبية، وهو هدف يصفه التقرير بأنه قابل للتحقق في ضوء خريطة المنافسة الحالية. أما في مجلس الشيوخ، فتبدو معركة استعادة السيطرة أكثر تعقيداً، رغم اتساع نطاق السباقات التنافسية ليشمل ولايات صوّتت لترامب بفوارق كبيرة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
ومن أبرز المواجهات التي يتابعها التقرير محاولة السيناتور الديمقراطي السابق شيرود براون العودة إلى مجلس الشيوخ في ولاية أوهايو، حيث يواجه الجمهوري جون هستد، إلى جانب المنافسة في ميشيغان بين الجمهوري مايك روجرز والديمقراطي عبد السيد، الذي يسعى إلى أن يصبح أول سيناتور مسلم في الولايات المتحدة.
كما تخوض السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز مواجهة في ولاية مين أمام الديمقراطي تروي جاكسون، فيما تنافس الديمقراطية ماري بيلتولا الجمهوري دان سوليفان في ألاسكا، وسط نزاع قانوني مرتبط بالعملية الانتخابية.
وتعكس هذه السباقات اتساع رقعة المنافسة، وعدم اقتصارها على الولايات التي اعتادت أن تشهد مواجهات متقاربة بين الحزبين، في ظل الضغوط التي تواجه الجمهوريين بسبب الاقتصاد والسياسات الداخلية والخارجية للإدارة.
مخاوف من نزاعات انتخابية
يحذر التقرير من احتمال تصاعد الخلافات بشأن نزاهة العملية الانتخابية، في ظل تكرار ترامب ادعاءاته حول وقوع تزوير في الانتخابات، واستعداد الديمقراطيين ومنظمات معنية بحقوق التصويت لتشكيل فرق قانونية ومراقبة أي تدخل محتمل.
وفي المقابل، تؤكد الإدارة الأميركية أن مراقبي الانتخابات الفدراليين سيلتزمون القوانين، وتنفي وجود خطط لإرسال قوات أو عناصر من إدارة الهجرة إلى مراكز الاقتراع.
ويضع هذا الجدل العملية الانتخابية أمام تحديات قانونية وسياسية محتملة، خصوصاً إذا جاءت النتائج متقاربة في عدد من الولايات، وظهرت اعتراضات على إجراءات التصويت أو فرز الأصوات.
ما بعد الانتخابات
وفي حال تمكن الديمقراطيون من استعادة السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، أو كليهما، فإن ذلك سيحد من قدرة ترامب على تمرير أجندته التشريعية، ويمنح المعارضة أدوات أوسع لمراقبة أداء الإدارة وفتح تحقيقات في قراراتها.
وبحسب التقرير، قد تشمل التحقيقات المحتملة ملفات تتعلق بإدارة الحرب مع إيران، إلى جانب الشبهات المرتبطة بالمكاسب المالية لترامب وعائلته، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس.
وفي المقابل، قد تؤدي خسارة الجمهوريين جزءاً من نفوذهم البرلماني إلى تسريع النقاش داخل الحزب بشأن مرحلة ما بعد ترامب، مع تداول أسماء نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والسيناتور تيد كروز ضمن الأسماء المطروحة في النقاش حول مستقبل القيادة الجمهورية.
أما داخل الحزب الديمقراطي، فقد تعيد نتائج الانتخابات فتح النقاش بشأن اتجاه الحزب والقيادة التي ستخوض السباق الرئاسي لعام 2028، مع بروز أسماء حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، والسيناتور جون أوسوف، والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، ونائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس.