احتجاجات فرنسا تتسع والحكومة تواجه انتقادات حقوقية

2026.10.31 - 15:59
Facebook Share
طباعة

تستعد مدن فرنسية لاستقبال موجة جديدة من الاحتجاجات، مع خروج مظاهرات للأسبوع الثالث على التوالي بدعوة من تنسيقية «السترات الصفراء» ونقابات عمالية ومنظمات طلابية، في حراك اتسع نطاقه من المؤسسات التعليمية إلى شرائح اجتماعية مختلفة، احتجاجاً على تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، والمطالبة بتحسين الأجور والخدمات العامة.

 

وتتزامن التحركات المرتقبة مع تصاعد الجدل بشأن الإجراءات الأمنية التي تتخذها الحكومة الفرنسية للتعامل مع الاحتجاجات، بعدما فرضت السلطات قيوداً على التجمعات، وغيرت مسارات بعض المسيرات، ووسعت نطاق الانتشار الأمني في عدد من المدن. وأثارت هذه التدابير انتقادات من نقابات ومنظمات حقوقية، اعتبرت أن التعامل الأمني قد يتجاوز حماية النظام العام إلى تقييد الحق في التظاهر والتجمع.

 

حظر تجول جزئي وقيود على التظاهر في باريس

 

أعلنت السلطات الفرنسية فرض حظر تجول جزئي في العاصمة باريس، اعتباراً من السبت وحتى الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، على أن يسري يومياً من الحادية عشرة ليلاً حتى السادسة صباحاً في منطقتي ساحة الجمهورية وهال.

وبررت مديرية شرطة باريس القرار بمخاوف من وقوع أعمال عنف ونهب خلال الاحتجاجات، كما منعت تنظيم المسيرة التي كان مقرراً أن تنطلق بين ساحتي الباستيل والكونكورد، واقترحت مساراً بديلاً بين بوابتي بانيوليه وشارنتون، من الظهر حتى السادسة مساءً.

 

ورفض ممثلو النقابات العمالية والطلابية تغيير مسار المظاهرة، معتبرين أن إبعاد المحتجين عن وسط العاصمة يحد من قدرتهم على إيصال مطالبهم إلى المؤسسات الرسمية والرأي العام. كما فرضت الشرطة حظراً على التجمعات غير المرخصة في مناطق واسعة من باريس، وأعادت تطبيق قيود ليلية على حركة القاصرين غير المصحوبين بأولياء أمورهم في بعض المناطق.

 

استنفار أمني واسع لمواجهة الاحتجاجات

 

رفعت وزارة الداخلية الفرنسية مستوى الاستعداد الأمني، معلنة نشر نحو 70 ألف شرطي ودركي في مختلف أنحاء البلاد، مع الاستعانة بوحدات التدخل الخاصة والعربات المدرعة والمروحيات والطائرات المسيّرة.

وأكد وزير الداخلية لوران نونيز أن السلطات ستتعامل بحزم مع أي أعمال عنف أو تخريب، مشيراً إلى أن المحافظين سيعملون على السماح بتنظيم المظاهرات في مواقع تقع على أطراف المدن، بعيداً عن المراكز التي تخشى السلطات تعرضها للاضطرابات.

 

توقعت وزارة الداخلية أن يقترب عدد المشاركين من الحصيلة المسجلة في احتجاجات السبت السابق، والتي قدرتها بنحو 410 آلاف متظاهر، مقابل 800 ألف وفق أرقام النقابات. ويسعى منظمو الحراك إلى حشد مشاركة واسعة تمهيداً للإضراب الذي دعت إليه النقابات في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني، بهدف زيادة الضغط على الحكومة بشأن الأجور والخدمات وتكاليف المعيشة.

 

في المقابل، حذرت السلطات من دعوات للتجمع مساء السبت بالتزامن مع احتفالات عيد الهالوين، متهمة مجموعات من أقصى اليسار وبعض التيارات المتشددة داخل حركة السترات الصفراء بالدعوة إلى أعمال نهب وتخريب. وأكدت أنها ستمنع التجمعات التي تعتبرها غير قانونية، مع إمكانية تفريق المشاركين وتوقيف المتورطين في أعمال مخالفة.

اتهامات بتقييد الحريات وإبعاد الاحتجاجات عن المدن

 

أثارت الإجراءات الأمنية انتقادات من منظمات حقوقية ونقابات، خصوصاً ما يتعلق بتغيير مسارات المظاهرات وإبعادها عن مراكز المدن. وترى جهات حقوقية أن نقل الاحتجاجات إلى الأطراف قد يقلل من ظهورها وتأثيرها السياسي، ويحد من وصول مطالب المشاركين إلى المؤسسات ومراكز صنع القرار.

وترافقت هذه الانتقادات مع تحذيرات من استخدام القيود الأمنية بصورة تؤثر في حرية التعبير والتجمع، لا سيما مع ارتفاع أعداد الموقوفين والمصابين خلال الأسابيع الماضية.

 

كما برزت مخاوف إضافية بعد الكشف عن مراسلات حكومية طلبت من شركات الاتصالات الاستعداد لاحتمال حجب منصات التواصل الاجتماعي في حال تجدد أعمال العنف. وأقر الرئيس إيمانويل ماكرون بأن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أجرى مناقشات بشأن الموضوع، من دون تأكيد تنفيذ قرار بالحجب.

ورغم عدم اتخاذ السلطات خطوة فعلية في هذا الاتجاه، أثار طرح المسألة اعتراضات حقوقية، باعتبار أن تقييد منصات التواصل قد يؤثر في حرية تداول المعلومات والتعبير، خصوصاً خلال الاحتجاجات التي تعتمد على هذه الوسائل في التنسيق ونقل الأحداث.

 

إصابات وشكاوى تلاحق تعامل الشرطة مع المتظاهرين

 

تزايدت الضغوط على الحكومة بعد تسجيل إصابات خطيرة في صفوف المحتجين خلال المظاهرات الأخيرة، شملت حالات بتر أطراف وفقدان البصر وإصابات في الشرايين، إلى جانب وفاة متظاهر يبلغ 59 عاماً قرب ساحة الجمهورية في باريس خلال احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول.

وتطالب عائلة المتوفى بالتحقيق في ملابسات وفاته، بعدما تعرض للغاز المسيل للدموع قبل أن تظهر عليه اضطرابات صحية ويفقد الوعي. وأعلنت النيابة العامة أن نتائج التشريح أظهرت قصوراً حاداً في وظائف القلب والتنفس مع وجود اعتلال قلبي، بينما طالبت الأسرة بتوضيح العلاقة المحتملة بين التعرض للغاز والوفاة، وتحديد المسؤوليات.

 

وتضاف القضية إلى عشرات الشكاوى المتعلقة باستخدام القوة خلال الاحتجاجات، والتي تحقق فيها المفتشية العامة للشرطة. وتشمل الملفات إصابات تعرض لها متظاهرون في باريس ومدن أخرى، بينها حالات أدت إلى إعاقات دائمة، ما أعاد النقاش بشأن ضوابط استخدام الأسلحة والمعدات الأمنية في فض التجمعات.

 

امتداد الانتقادات إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية

 

لم تعد الانتقادات مقتصرة على الأحزاب اليسارية والنقابات والجمعيات الفرنسية، بل امتدت إلى منظمات دولية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إضافة إلى أربعة مقررين خاصين للأمم المتحدة طالبوا السلطات بمراجعة أساليب حفظ النظام خلال المظاهرات.

وأعرب المقررون عن قلقهم من الإصابات الخطيرة التي طالت قاصرين ومتظاهرين، معتبرين أن بعض الأضرار التي خلفتها المواجهات لا يمكن تبريرها، وداعين إلى إجراء تحقيقات مستقلة وتوفير تعليمات واضحة لقوات الأمن بشأن استخدام القوة.

 

كما حذروا من أن ارتفاع أعداد الموقوفين والمحتجزين بصورة لا تتناسب مع طبيعة المخالفات قد يؤدي إلى تخويف المواطنين وثنيهم عن ممارسة حقهم في التظاهر. وفي الوقت نفسه، أدانوا الاعتداءات على عناصر الشرطة وأعمال التخريب التي طالت الممتلكات العامة والخاصة.

اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن العنف

 

تواصل الحكومة تحميل مجموعات من أقصى اليسار مسؤولية جانب من أعمال العنف التي شهدتها المدن الفرنسية، وسط اتهامات سياسية لحزب «فرنسا الأبية» بتشجيع الفوضى. لكن المدعية العامة في باريس أكدت أن المعلومات المتاحة لا تسمح بتأكيد انتماء الموقوفين إلى هذا التيار.

وزادت حدة الجدل بعد نشر مراسلات منسوبة إلى مسؤول في جهاز الاستخبارات الإقليمية، تحدث فيها عن ضغوط لربط الحراك بحزب «فرنسا الأبية»، وهو ما نفته وزارة الداخلية، مؤكدة عدم إصدار تعليمات من هذا النوع.

 

في المقابل، شهدت احتجاجات الأسبوع الماضي اعتداءات من مجموعات يمينية متطرفة على متظاهرين في عدد من المدن، وفق تسجيلات متداولة، وسط اتهامات للشرطة بالتساهل مع هذه المجموعات. ونفى وزير الداخلية وجود أي حماية أو تساهل أمني، مؤكداً اتخاذ إجراءات قضائية بشأن الاعتداءات المسجلة.

 

ماكرون يدعو إلى استئناف الدراسة والتهدئة

 

على المستوى السياسي، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون التلاميذ إلى العودة إلى المدارس واستئناف الدروس بعد عطلة الخريف، معتبراً أن مطالبهم وصلت إلى السلطات. كما دعا إلى التهدئة بين المتظاهرين وقوات الأمن، مشيراً إلى إصابة عناصر من الشرطة خلال المواجهات، ودافع عن نقل المظاهرات إلى أطراف المدن باعتباره إجراءً ساهم في حماية مراكزها من التخريب.

لكن استمرار الاحتجاجات واتساع دائرة الانتقادات الحقوقية يضع الحكومة أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في الحفاظ على الأمن العام من جهة، وضمان الحقوق والحريات الأساسية من جهة أخرى.

 

وتتجه الأنظار إلى حجم المشاركة في المظاهرات المقبلة، ومدى قدرة النقابات والحركات الطلابية والاجتماعية على توحيد مطالبها وتحويل الاحتجاجات إلى ضغط سياسي مستمر، في وقت لم تعد فيه الأزمة مرتبطة فقط بغلاء المعيشة والأجور، بل امتدت إلى أسئلة أوسع بشأن حدود السلطة الأمنية وحق المواطنين في التعبير والاحتجاج.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 4

اقرأ أيضاً