تقلّص حقول القمح في لبنان يهدد الأمن الغذائي ورغيف الخبز

2026.10.31 - 15:59
Facebook Share
طباعة

تتراجع زراعة القمح في لبنان بوتيرة متسارعة، وسط تداخل الضغوط الاقتصادية وتداعيات الحرب وضعف الدعم الحكومي للمزارعين، ما يثير مخاوف بشأن مستقبل الإنتاج المحلي وقدرة البلاد على مواجهة اضطرابات أسواق الحبوب العالمية.

وأظهرت دراسة أعدّها فريق من الباحثين في المركز الوطني للاستشعار عن بعد، بالتعاون مع مؤسسات بحثية فرنسية، انخفاض المساحات المزروعة بالقمح من 69,194 هكتاراً في موسم 2022-2023 إلى 37,642 هكتاراً في موسم 2024-2025، بخسارة بلغت نحو 31.5 ألف هكتار، أي ما يقارب 46 في المئة. واعتمدت الدراسة، المنشورة في مجلة علمية متخصصة بالزراعة المستدامة، على تحليل صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيرات في المساحات المزروعة بين عامي 2017 و2025.

 

تتضح خطورة هذا التراجع عند مقارنته بحجم احتياجات لبنان، الذي يستهلك سنوياً ما بين 450 و550 ألف طن من القمح، في حين تراوح إنتاجه المحلي في أفضل المواسم بين 125 و140 ألف طن تقريباً. ويعتمد البلد على الاستيراد لتأمين أكثر من 80 في المئة من احتياجاته، ما يجعل توفير الطحين مرتبطاً بتقلبات الأسواق العالمية وتكاليف الشحن والتوترات العسكرية في المنطقة.

 

معادلة الأسعار تضغط على المزارعين

 

تُعدّ الجدوى الاقتصادية أحد أبرز أسباب تراجع زراعة القمح، إذ يشكو مزارعون، بحسب ما نقلته صحيفة «لبنان24»، من صعوبة تصريف محاصيلهم إلا بأسعار تقل بنحو 20 في المئة عن سعر القمح المستورد، في سوق يسيطر عليها عدد محدود من التجار والمطاحن.

وتدفع هذه المعادلة المزارعين إلى الاتجاه نحو زراعات أخرى، مثل الخضار والمحاصيل المحمية، التي تحقق عوائد مالية أعلى خلال فترة أقصر. ويشير ممثلو القطاع إلى غياب شبه كامل للدعم الحكومي، سواء في توفير البذار والأسمدة بأسعار مناسبة، أو ضمان شراء المحاصيل المحلية بأسعار تغطي تكاليف الإنتاج وتحمي المزارعين من الخسائر.

 

الحرب وتكاليف الإنتاج توسّعان الخسائر

 

لم يقتصر تراجع المساحات المزروعة على العوامل الاقتصادية، إذ تزامن مع المواجهات العسكرية في الجنوب اللبناني واتساع نطاقها خلال المواسم الأخيرة، ما حرم مزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وأدى إلى احتراق حقول زراعية.

إلى جانب الأضرار المباشرة، أسهم ارتفاع تكاليف المحروقات والري وأجور العمال في زيادة الأعباء على أصحاب الأراضي، ودفع بعضهم إلى ترك مساحات زراعية بوراً أو تحويلها إلى محاصيل أخرى أقل كلفة وأكثر مردوداً.

 

الأمن الغذائي أمام اختبار جديد

 

يعيد انحسار زراعة القمح طرح تساؤلات حول أولويات الدولة في ملف الأمن الغذائي، خصوصاً أن لبنان واجه أزمات متكررة في تأمين الطحين، عقب انفجار مرفأ بيروت وتدمير الإهراءات، ثم مع تداعيات الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الحبوب عالمياً.

ورغم هذه التجارب، لا يزال الإنتاج المحلي يواجه تحديات تتعلق بالتسويق والأسعار والدعم، فيما يرى ممثلو القطاع أن ضمان سعر شراء عادل للمحصول قد يحد من الخسائر، ويحافظ على استمرارية الزراعة، ويخفف الاعتماد على الأسواق الخارجية عند وقوع الأزمات.

 

ولا يرتبط الحفاظ على زراعة القمح بتحقيق الاكتفاء الذاتي، وهو هدف بعيد المنال في ظل الفجوة بين الإنتاج المحلي وحجم الاستهلاك، وإنما بالإبقاء على حد أدنى من الإنتاج يشكل احتياطاً غذائياً عند تعطل سلاسل التوريد أو ارتفاع الأسعار.

يتطلب ذلك سياسة واضحة لشراء المحاصيل بأسعار تراعي تكاليف الإنتاج، إلى جانب توفير الدعم للمزارعين، خصوصاً في المناطق المتضررة من الحرب، ومعالجة اختلالات التسويق وضمان حقوق المنتجين. فاستمرار تقلّص المساحات المزروعة يهدد بتحويل القمح المحلي إلى قطاع هامشي، في بلد ارتبط اسمه تاريخياً بلقب «إهراءات روما».

 

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 2

اقرأ أيضاً