أدخلت المواجهة الروسية الأميركية داخل مجلس الأمن ملف الصحراء الغربية مرحلة جديدة من الغموض الدبلوماسي، بعدما استخدمت موسكو حق النقض ضد مشروع قرار أميركي لتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، في حين لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الأصوات اللازمة لاعتماده، ما وضع مستقبل البعثة أمام حالة من عدم اليقين مع اقتراب موعد انتهاء ولايتها.
ووفقاً لما نشره الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة، حصل مشروع القرار الأميركي على تأييد 11 عضواً في مجلس الأمن، مقابل معارضة روسيا واستخدامها الفيتو، فيما امتنعت الصين وباكستان والصومال عن التصويت. وكان المشروع يقترح تمديد ولاية البعثة عاماً إضافياً حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2027، إلى جانب تغيير اسمها اعتباراً من الأول من نوفمبر/تشرين الثاني إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية».
في المقابل، أخفق المشروع الروسي الذي قدمته موسكو بديلاً للنص الأميركي في الحصول على التأييد المطلوب، لتنتهي جلسة المجلس دون اعتماد أي من المقترحين، وهو ما كشف حجم التباين بين القوى الكبرى بشأن الإطار السياسي والمؤسساتي الذي ينبغي أن يحكم التعامل مع النزاع.
المواجهة الروسية الأميركية وموازين النفوذ
لم تقتصر تداعيات التصويت على تعطيل مشروع القرار الأميركي، بل كشفت عن خلاف أعمق يتعلق بقدرة واشنطن وموسكو على تحديد مسار التسوية وشروطها داخل مجلس الأمن. فروسيا منعت تمرير الصيغة الأميركية، لكنها لم تتمكن في المقابل من فرض مشروعها البديل، بينما أخفقت الولايات المتحدة في تحويل التأييد الذي حصل عليه مشروعها إلى قرار أممي نافذ.
وتبرز هذه النتيجة مفارقة دبلوماسية، إذ لم تتمكن أي من القوتين من فرض تصورها الكامل بشأن مستقبل البعثة، الأمر الذي ترك الملف أمام وضع مؤسساتي غير محسوم، وفتح المجال أمام الأطراف المعنية لإعادة تقييم خياراتها السياسية.
وبالنسبة إلى المغرب، يرى مراقبون أن حصول المشروع الأميركي على تأييد 11 عضواً يمثل مؤشراً على حجم الدعم الذي يحظى به التوجه نحو جعل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية محوراً للتسوية، رغم أن الفيتو الروسي منع اعتماد القرار. وفي المقابل، لم ينجح المسار الذي يدافع عن استمرار الآلية السابقة في الحصول على قرار جديد يضمن تجديد ولاية البعثة.
المغرب يبحث عن مرحلة جديدة
أعادت نتيجة التصويت النقاش داخل المغرب بشأن مستقبل دور بعثة «المينورسو» والإطار الأممي الذي أدار النزاع على مدى نحو 35 عاماً. وبرز توجه يدعو إلى تجاوز آليات التدبير التقليدية والانتقال إلى مسار سياسي جديد، يستند إلى توسيع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق، طُرحت قراءة تعتبر أن تعثر مجلس الأمن في اعتماد أي من المشروعين يتيح للمغرب هامشاً أوسع للتحرك الدبلوماسي، بدلاً من الاكتفاء بانتظار قرارات دورية بشأن تمديد ولاية البعثة.
لكن هذا التوجه يواجه ضرورة التمييز بين المواقف السياسية والإجراءات القانونية للأمم المتحدة، إذ إن عدم اعتماد قرار جديد لا يعني تلقائياً حذف قضية الصحراء الغربية من جدول أعمال مجلس الأمن، كما لا يؤدي بذاته إلى إلغاء القرارات الأممية السابقة أو إنهاء الإطار القانوني القائم للنزاع.
الجزائر والبوليساريو أمام حسابات جديدة
في المقابل، أبقى سقوط المشروع الأميركي الباب مفتوحاً أمام الاعتراض على المرجعية السياسية التي تضمنها، فيما أدى فشل المشروع الروسي إلى حرمان الأطراف المدافعة عن استمرار الآلية السابقة من قرار جديد يمدد ولاية البعثة.
وتكشف المعادلة عن صعوبة فرض أي تصور أحادي للحل، في ظل استمرار الخلافات الدولية وتباين مواقف الأطراف المعنية. كما تضع الجزائر وجبهة البوليساريو أمام واقع دبلوماسي جديد، يتطلب التعامل مع التحولات داخل مجلس الأمن، خصوصاً مع تعثر المسارين الأميركي والروسي.
مستقبل المينورسو بين القانون والسياسة
يبقى مستقبل بعثة الأمم المتحدة من أبرز الملفات المطروحة بعد فشل التصويت، خصوصاً أن استمرار عملها يرتبط بالإطار القانوني والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن. ويثير غياب قرار جديد تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، والخيارات المتاحة أمام المنظمة الدولية للتعامل مع انتهاء الولاية.
ولا يعني تعثر المجلس بالضرورة انتهاء النزاع أو توقف المسار السياسي، إذ تظل القضية مرتبطة بمواقف الأطراف المعنية والقرارات الأممية السابقة، فضلاً عن دور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة والجهود الرامية إلى إيجاد تسوية مقبولة.
من المستفيد من الانسداد الدبلوماسي؟
تكشف نتائج الجلسة أن المواجهة لم تمنح واشنطن أو موسكو انتصاراً كاملاً، بعدما عجزت كل منهما عن تمرير تصورها. غير أن المغرب قد يجد في انقسام القوى الكبرى فرصة لإعادة ترتيب تحركه الدبلوماسي وتوسيع هامش المناورة، شريطة تحويل التأييد السياسي الذي يحظى به مقترح الحكم الذاتي إلى خطوات مؤسساتية وقانونية ملموسة.
في المقابل، يظل النزاع مفتوحاً على احتمالات متعددة، خصوصاً أن غياب التوافق داخل مجلس الأمن لا يقدم حلاً نهائياً، بل ينقل الخلاف إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع التنافس الدولي.
وبين تمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي، واعتراض الجزائر والبوليساريو على الطرح الأميركي، واستمرار الخلاف الروسي الأميركي، تبدو التسوية السياسية مرهونة بقدرة الأطراف على تجاوز الحسابات المتعارضة والتوصل إلى صيغة تحظى بقبول دولي، بعيداً عن تحويل الصحراء الغربية إلى ساحة إضافية للصراع بين القوى الكبرى.