دراسة ترصد تزايد استنزاف المياه الجوفية في المناطق الحدودية

2026.10.29 - 16:31
Facebook Share
طباعة

تتزايد أهمية إدارة المياه الجوفية المشتركة مع تصاعد الضغوط على الموارد المائية وتوسع الزراعة المعتمدة على الري، خصوصاً في المناطق الحدودية التي تتقاسم فيها دولتان أو أكثر الخزان الجوفي نفسه. وتكشف دراسة علمية حديثة أن تأثير سحب المياه لا يتوزع بالتساوي داخل هذه الخزانات، بل يتركز بصورة أكبر في المناطق القريبة من الحدود، حيث يمكن أن يمتد أثر الضخ إلى موارد المياه المتاحة في الدولة المجاورة.

 

وتعيد النتائج فتح ملف التعاون المائي بين الدول، بما فيها دول عربية تتشارك خزانات جوفية، في ظل محدودية الاتفاقات المنظمة لاستخدام هذه الموارد، والحاجة إلى سياسات تأخذ في الاعتبار المواقع الأكثر عرضة للتأثر بدلاً من التعامل مع الخزان بأكمله باعتباره وحدة واحدة.


دراسة تشمل 426 خزاناً جوفياً

 


حللت الدراسة، المنشورة في 19 أكتوبر/تشرين الأول في دورية «PNAS»، جميع الخزانات الجوفية العابرة للحدود المعروفة عالمياً، وعددها 426 خزاناً، بالاعتماد على بيانات نحو 116 ألف بئر مراقبة، إلى جانب خرائط للأراضي الزراعية المروية ومصادر مياه الري.

وأظهرت النتائج أن هذه الخزانات تقع تحت نحو 35% من الأراضي الزراعية التي تعتمد عالمياً على المياه الجوفية في الري، بينما لا يزال التعاون الرسمي بشأنها محدوداً. فوفق الدراسة، توجد ترتيبات تعاون فعالة بين نحو 11% فقط من أزواج الدول التي تتشارك خزانات جوفية، في حين تقل نسبة الحالات التي تنظمها معاهدات رسمية عن 5%.

 

وتشير هذه الأرقام إلى فجوة بين الأهمية الاقتصادية والزراعية للمياه الجوفية المشتركة ومستوى التنسيق بين الدول المعنية بإدارتها، خصوصاً في المناطق التي تعتمد فيها الزراعة على الضخ المستمر من الخزانات.

 

القرب من الحدود يزيد احتمالات التأثير المتبادل

 

بحسب الباحثين، لم تظهر النتائج أن الخزانات العابرة للحدود تُستنزف، في المتوسط، بمعدلات أعلى من الخزانات الواقعة بالكامل داخل دولة واحدة. لكن تحليل مواقع الاستنزاف أظهر أن انخفاض المياه كان أكثر وضوحاً قرب الحدود الدولية، مع تراجع متوسط الاستنزاف بوضوح على مسافات تتجاوز نحو 100 كيلومتر منها.

ويوضح مارك مولر، أستاذ الهندسة المدنية والأمن المائي في المعهد الفيدرالي السويسري لعلوم وتكنولوجيا المياه والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن المشكلة لا تكمن في اشتراك الدول بالخزان وحده، بل في مواقع الآبار والأنشطة الزراعية بالنسبة إلى الحدود.

 

فقد يظل تأثير الضخ الواقع على مسافة بعيدة عن الحدود محلياً في كثير من الحالات، بينما ترتفع إمكانية انتقال آثاره إلى الدولة المجاورة عندما تتركز الآبار بالقرب من الخط الحدودي.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الدول تتنافس على استنزاف المياه قبل جيرانها؛ إذ يشير الباحثون إلى أن الحدود الدولية كثيراً ما تمر بمحاذاة أنهار وسهول خصبة ومناطق تشهد نشاطاً زراعياً، ما قد يفسر تركز الآبار في تلك المناطق لأسباب جغرافية واقتصادية.

 

ورغم أن وجود الأنهار يفسر جانباً من تركز الري قرب الحدود، فإن الدراسة وجدت أن الاعتماد على المياه الجوفية ظل واضحاً في هذه المناطق حتى بعد أخذ أثر الأنهار في الحسبان.

 

نطاقات التأثير تساعد في تحديد مناطق الخطر

 

 

يقترح الباحثون الانتقال من إدارة الخزان الجوفي باعتباره وحدة متجانسة إلى تحديد المناطق التي يُحتمل أن ينتقل فيها أثر الضخ عبر الحدود.

 

واستخدمت الدراسة نطاقاً يصل إلى نحو 100 كيلومتر من الحدود بوصفه مساحة محتملة لحدوث تأثير عابر للحدود، فيما اعتبرت أول عشرة كيلومترات منطقة قد يكون فيها التأثير أكثر قوة. لكن هذه المسافات ليست حدوداً ثابتة تنطبق على جميع الخزانات، إذ تختلف حركة المياه الجوفية تبعاً لطبيعة الصخور وخصائص الخزان وقدرته على نقل المياه.

 

ويتيح هذا النهج توجيه القيود والإجراءات التنظيمية إلى المواقع الأكثر حساسية، بدلاً من فرض حدود موحدة على عمليات الضخ في كامل الخزان، بما قد لا يتناسب مع طبيعة الموارد والاحتياجات المائية في كل منطقة.

 

حوض الساق الديسي نموذجاً عربياً

 

 

تستشهد الدراسة بخزان الساق الديسي المشترك بين السعودية والأردن، حيث تعتمد الأنشطة الزراعية في الحوض على المياه الجوفية في مناطق تمتد باتجاه الحدود بين البلدين.

ويبرز المثال أهمية الإدارة القائمة على المكان، التي تركز على تنظيم استخراج المياه في المناطق القريبة من الحدود، حيث يُحتمل أن يكون للضخ تأثير مباشر في الدولة الأخرى، بدلاً من فرض سقف موحد للاستخراج على الخزان بأكمله.

 

ووفق الدراسة، يتيح هذا النوع من التنظيم استهداف المواقع التي قد ينتج فيها عن زيادة الضخ أكبر أثر عابر للحدود، مع مراعاة اختلاف الاحتياجات والظروف الهيدرولوجية داخل الخزان نفسه.

ويرى الباحثون أن هذا النهج قد يكون أكثر ملاءمة لبعض الخزانات المشتركة من التفاوض على حصة موحدة لكل دولة، لا سيما عندما تقع مناطق واسعة من الخزان بعيداً عن الحدود ولا تشهد طلباً مرتفعاً على المياه في المناطق المتاخمة للدولة الأخرى.

 

 

تحديات إدارة المياه الجوفية المشتركة عربياً

 

 

تكتسب نتائج الدراسة أهمية في المناطق العربية التي تعتمد على المياه الجوفية لتلبية احتياجات الزراعة والسكان، خصوصاً في البيئات الجافة وشبه الجافة التي تتسم بمحدودية الموارد المائية المتجددة.

 

فإدارة الخزانات المشتركة لا تتعلق بتحديد كميات الضخ الإجمالية فقط، بل تشمل أيضاً مواقع الآبار، وتوزيع الأنشطة الزراعية، ومعدلات تجدد المياه، ومدى اتصال الأجزاء المختلفة من الخزان ببعضها.

 

 

ومن شأن تجاهل هذه العوامل أن يؤدي إلى وضع قواعد عامة لا تعالج بالضرورة المناطق الأكثر عرضة لتأثير الضخ القادم من الجانب الآخر للحدود. في المقابل، يمكن أن يساعد تبادل البيانات بشأن مستويات المياه ومعدلات السحب، وتحديد المناطق الحساسة، ووضع ترتيبات مشتركة للمراقبة، في تحسين إدارة الموارد وتقليل احتمالات النزاع.

 

 

وتخلص الدراسة إلى أن فعالية التعاون المائي لا تعتمد فقط على وجود اتفاقيات بين الدول، بل أيضاً على مدى استنادها إلى الخصائص الجغرافية والهيدرولوجية للخزان. ويتيح التركيز على المناطق الحدودية الأكثر عرضة للتأثر توجيه السياسات نحو حماية الموارد المشتركة، مع مراعاة احتياجات الزراعة والسكان في كل جانب من الحدود.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 8

اقرأ أيضاً