تتجه التحركات البرلمانية الفرنسية بشأن جماعة الإخوان المسلمين نحو توسيع نطاق الرقابة على التمويل الأوروبي للجمعيات والكيانات التي تُثار شبهات بشأن ارتباطها بشبكات الجماعة، مع التركيز على مصادر الأموال، والجهات المستفيدة من المنح، والعلاقات المؤسسية العابرة للحدود.
وتأتي هذه التحركات عقب إحالة مشروع قرار إلى لجنة الشؤون الأوروبية في الجمعية الوطنية الفرنسية، في إطار مساعٍ لدفع باريس إلى تبني مقاربة أوروبية أكثر تنسيقاً في التعامل مع ما تصفه الجهات الداعمة للمقترح بنفوذ شبكات الإخوان داخل المؤسسات المدنية والتعليمية والشبابية.
وكانت النائبة الفرنسية كونستانس لو غريب قد قدمت مشروع القرار رقم 3355، الذي يدعو إلى وضع استراتيجية أوروبية لمواجهة نفوذ هذه الشبكات. ويستند المقترح، بحسب النص المتداول، إلى قرار أقره البرلمان الأوروبي في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، بأغلبية 381 صوتاً مقابل 167 صوتاً معارضاً، فيما امتنع 15 عضواً عن التصويت.
مصادر التمويل تحت المجهر
تركز المناقشات الأولية داخل الأوساط البرلمانية الفرنسية على تعزيز الشفافية المالية للجمعيات التي تثار حولها شبهات ارتباط بشبكات الإخوان، وتحديد الجهات التي تحصل فعلياً على المنح الأوروبية، ولا سيما الكيانات التي تعمل من خلال شراكات ومشروعات مشتركة في أكثر من دولة.
وتشمل المقترحات المطروحة مطالبة المفوضية الأوروبية بتوفير بيانات أكثر تفصيلاً عن الجهات المانحة والوسطاء الماليين والشركاء المتعاقدين والمستفيدين النهائيين من الأموال، إلى جانب توضيح الآليات القانونية التي تتيح تعليق التمويل أو استرداده عند ثبوت مخالفة شروط المنح.
كما تتجه المطالبات إلى مراجعة برامج الدعم المخصصة للأنشطة الشبابية والثقافية والتعليمية، والتحقق من أوجه إنفاق الأموال ومدى توافقها مع الأهداف المعلنة للمشروعات الممولة. ويهدف هذا التوجه، وفق أصحاب المبادرة، إلى الحد من استغلال قنوات الدعم المؤسسي في أنشطة لا تتفق مع القواعد الأوروبية.
منظمات وشراكات عابرة للحدود
تحظى منظمة «منتدى المنظمات الأوروبية للشباب والطلاب المسلمين» (FEMYSO) باهتمام في النقاشات الفرنسية، بعدما أثيرت تساؤلات برلمانية بشأن التمويل الأوروبي لمشروعات تشارك فيها المنظمة، في ضوء تقارير تتناول صلات محتملة بينها وبين شبكات الإخوان.
وتشمل الأفكار المطروحة طلب كشف تفصيلي عن التمويلات الأوروبية التي حصلت عليها المنظمة وشركاؤها خلال السنوات الماضية، ومراجعة مشاركتها في البرامج والفعاليات التي تمولها مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بما يسمح بتقييم طبيعة الأنشطة المدعومة والجهات المستفيدة منها.
ويمتد النقاش إلى العلاقات المالية والتنظيمية العابرة للحدود، بما في ذلك التحقق من أي صلات محتملة بين جهات خارجية، بينها مؤسسات في تركيا، وكيانات تنشط داخل أوروبا. ويستند هذا المسار إلى مراجعة الوثائق المالية والعقود والشراكات المسجلة، بدلاً من الاكتفاء بالاستنتاجات العامة أو الروابط غير المثبتة.
ولا تعني إثارة هذه التساؤلات ثبوت ارتكاب مخالفات من جانب المنظمات المعنية، إذ يتطلب اتخاذ إجراءات بحقها توافر أدلة موثقة، وتحديد المسؤوليات وفق التشريعات النافذة.
عقبات قانونية وإدارية
تواجه مساعي تشديد الرقابة تحديات ترتبط بتعدد الأشكال القانونية للجمعيات، واختلاف طبيعة علاقاتها بالمؤسسات المحلية، وتباين قواعد التمويل والرقابة بين الدول الأوروبية. كما أن إثبات وجود ارتباط تنظيمي بين جمعية وشبكة محددة يحتاج إلى أدلة واضحة، لا إلى مجرد تشابه في التوجهات الفكرية أو النشاط السياسي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية فحص مسارات الأموال والشراكات المؤسسية والروابط التنظيمية لكل حالة على حدة، بما يساعد على تحديد المسؤوليات القانونية والإدارية، ويحد من احتمالات اتخاذ قرارات مبنية على الاشتباه وحده.
ويضع ذلك المؤسسات الأوروبية أمام معادلة تجمع بين تشديد الرقابة على الأموال العامة ومنع إساءة استخدامها، وضمان عدم تعميم الاتهامات على الجمعيات الإسلامية أو المؤسسات الطلابية بسبب هويتها الدينية أو خلفيتها الثقافية.
تنسيق أوروبي محتمل
لا تقتصر التحركات على باريس، إذ تتناول المناقشات إمكان التواصل مع برلمانيين في دول أوروبية أخرى، بينها النمسا وهولندا، لتبادل المعلومات بشأن قوانين الجمعيات والتمويل الخارجي، وبحث فرص تنسيق المطالب الموجهة إلى المفوضية الأوروبية.
وتشمل الأفكار المطروحة تطوير إجراءات التدقيق قبل الموافقة على المنح، وإجراء مراجعات دورية للتمويل المقدم إلى الكيانات التي تواجه شبهات موثقة، فضلاً عن بحث استخدام آليات الإنذار المبكر والاستبعاد من البرامج الأوروبية عندما تتوافر الشروط القانونية اللازمة.
وتسعى هذه التحركات إلى بلورة موقف فرنسي أكثر وضوحاً قبل طرح المطالب على الحكومة، تمهيداً لبحث إدراجها ضمن المشاورات الأوروبية. غير أن الانتقال إلى إجراءات مشتركة سيظل مرتبطاً بمدى استعداد الدول الأعضاء لتوحيد معايير الرقابة وتبادل المعلومات وتحديد الجهات المختصة باتخاذ القرارات.
من قوائم الإرهاب إلى الرقابة المالية
يمثل التركيز على التمويل والعلاقات المؤسسية امتداداً لنقاشات فرنسية سابقة بشأن التعامل الأوروبي مع جماعة الإخوان المسلمين. وكانت الجمعية الوطنية قد أقرت في يناير/كانون الثاني الماضي قراراً يدعو إلى التحرك على المستوى الأوروبي بشأن إدراج الجماعة على قوائم الإرهاب، بينما يطرح المقترح الجديد مساراً أوسع يتناول مصادر التمويل والشراكات والأنشطة العابرة للحدود.
ويعكس هذا التحول توجهاً نحو استخدام أدوات الرقابة المالية والإدارية إلى جانب المسارات السياسية والأمنية، مع محاولة تحديد الإجراءات التي يمكن تطبيقها على مستوى الاتحاد الأوروبي، والجهات المخولة بتعليق المنح أو استبعاد الكيانات المخالفة.
خاتمة: اختبار للشفافية الأوروبية
تضع التحركات البرلمانية الفرنسية ملف تمويل الجمعيات والعلاقات المؤسسية العابرة للحدود أمام اختبار أوروبي جديد، يتمثل في قدرة المؤسسات على تتبع الأموال وتحديد المستفيدين منها، والتحقق من المخالفات واتخاذ إجراءات متناسبة مع الأدلة المتاحة.
لكن نجاح أي استراتيجية مشتركة لن يتوقف على تشديد الرقابة فحسب، بل سيعتمد أيضاً على توحيد المعايير القانونية، وتحسين تبادل المعلومات بين الدول، وضمان حق الجهات المعنية في الرد والطعن. وبين المطالبة بتجفيف منابع التمويل غير المشروع وحماية الحريات المدنية، ستظل الأدلة الموثقة وسيادة القانون عاملين حاسمين في تحديد نطاق الإجراءات وفاعليتها.