نتنياهو أم آيزنكوت؟ لماذا لا يضمن تبدّل القيادة نهاية التصعيد في لبنان؟

2026.10.29 - 09:08
Facebook Share
طباعة

انتخابات بلا ضمانات
تترقب الأوساط اللبنانية تداعيات الانتخابات الإسرائيلية على مستقبل المواجهة مع تل أبيب، وسط مخاوف من أن تؤدي نتائجها إلى توسيع العمليات العسكرية وترسيخ الوجود الإسرائيلي في أجزاء من جنوب لبنان، بدلاً من فتح الطريق أمام تسوية تضمن وقف الاعتداءات والانسحاب.
وبينما تتباين أساليب بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت في إدارة الصراع، تتركز التساؤلات في بيروت على ما إذا كان تبدّل القيادة المحتمل سيؤدي إلى مراجعة جوهرية للسياسة الإسرائيلية، أم سيقتصر على تغيير أدوات المواجهة وحدود التصعيد، مع استمرار الضغوط العسكرية والأمنية على لبنان.


سيناريوهات مفتوحة
قال مصدر دبلوماسي معني بمتابعة الملف اللبناني إن تأثير الانتخابات لن يتحدد بهوية الفائز وحدها، بل بطبيعة الخيارات التي ستتبناها القيادة الإسرائيلية المقبلة بشأن الوجود العسكري في الجنوب، ومستقبل المفاوضات، والضمانات اللازمة لمنع تجدد الحرب.
وأوضح المصدر أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في استمرار الضغط العسكري والأمني بالتوازي مع الدفع نحو ترتيبات سياسية وأمنية جديدة على الحدود. وقد يتغير أسلوب تنفيذ هذه السياسة تبعاً للقيادة المقبلة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الأهداف الأمنية الإسرائيلية المعلنة.
وأضاف أن الموقف الأمريكي سيكون عاملاً أساسياً في تحديد مسار المرحلة المقبلة، خصوصاً مدى استعداد واشنطن لممارسة ضغوط فعلية لوقف العمليات ودفع الطرفين نحو تفاهمات قابلة للتنفيذ.
وحذّر من أن غياب آليات واضحة للانسحاب ووقف الاعتداءات قد يُبقي لبنان أمام احتمالات متعددة، تبدأ باستمرار التصعيد ومحاولات احتوائه، ولا تنتهي باتساع نطاق العمليات إذا تعثرت المسارات السياسية.


اختلاف في الأسلوب
في قراءته للخيارات الإسرائيلية، يرى الباحث في الشؤون الدولية أحمد العناني أن تبدّل القيادة في تل أبيب لا يعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في السياسة تجاه لبنان، سواء استمر نتنياهو في الحكم أو تولى آيزنكوت المسؤولية.
وأشار العناني إلى أن جوهر المقاربة الإسرائيلية يرتبط بمواصلة الضغط العسكري والأمني على الدولة اللبنانية، لافتاً إلى أن آيزنكوت لا يمثل بالضرورة خياراً أقل تشدداً، إذ سبق أن طرح، قبل اندلاع الحرب، مقترحاً لتدمير الضاحية الجنوبية لبيروت.
وبحسب العناني، قد يظهر الاختلاف بين المرشحين في طريقة إدارة المواجهة وتحديد سقف التصعيد، أكثر من ظهوره في الأهداف الاستراتيجية. ولذلك، فإن التعويل على نتائج الانتخابات وحدها لإنهاء الصراع لا يستند إلى ضمانات كافية، في ظل استمرار الخلافات بشأن سلاح حزب الله والوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب.
وأضاف أن فوز نتنياهو قد يعني استمرار النهج الحالي، بما يتضمنه من عمليات عسكرية وضغوط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، في حين قد يدفع وصول آيزنكوت إلى إعادة تقييم بعض الحسابات المرتبطة بالمفاوضات ودور الولايات المتحدة فيها.
لكن أي تغيير محتمل، وفق هذه القراءة، سيظل مرتبطاً بموقف واشنطن واستعدادها لدعم مسار تفاوضي يفضي إلى ترتيبات واضحة، بدلاً من الاكتفاء بإدارة التصعيد من دون معالجة أسبابه الأساسية.


شبح الاحتلال المفتوح
في موازاة الترقب السياسي، تتواصل العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، بما يشمل الغارات والتفجيرات وشق الطرقات، وسط مخاوف من أن تتحول التحركات العسكرية إلى واقع طويل الأمد، لا مجرد إجراءات مرتبطة بمرحلة المواجهة الحالية.
وحذّر تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية من احتمال اتجاه إسرائيل إلى تكريس وجود عسكري طويل الأمد في أجزاء من الجنوب، معتبراً أن نتائج الانتخابات قد تفتح الباب أمام توسيع العمليات بدلاً من إنهائها، خصوصاً في ظل تعثر المفاوضات وعدم كفاية الضغوط الأمريكية، بحسب تقدير كاتب التحليل ألكسندر لانجلوا.
ووصف التحليل هذا الاحتمال بأنه «احتلال مفتوح»، في إشارة إلى وجود عسكري قد يستمر من دون جدول زمني واضح للانسحاب، بما يعيد إلى الأذهان تجربة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، وإن كانت الظروف الإقليمية الحالية أكثر تعقيداً.
ويرى التحليل أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي قد يعزز تمسك حزب الله بسلاحه، ويجعل مسألة نزعه أكثر تعقيداً، في ظل ارتباط الملف الأمني بمطلب الانسحاب وضمانات عدم تكرار العمليات العسكرية.


واشنطن أمام الاختبار
على المستوى الأمريكي، يشير التحليل إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تمتلك أدوات ضغط على الحكومة الإسرائيلية عندما تتعارض سياساتها مع المصالح الأمريكية، لكن استخدام هذه الأدوات لدفع إسرائيل إلى تغيير نهجها في لبنان ليس أمراً مضموناً.
ويضع ذلك مستقبل التسوية أمام اختبار عملي: هل ستكتفي واشنطن بتشجيع المفاوضات، أم ستضغط لضمان تنفيذ أي اتفاق، بما يشمل وقف الاعتداءات، وتحديد ترتيبات أمنية واضحة على الحدود، والانسحاب الإسرائيلي؟
ويحذر المصدر الدبلوماسي من أن غياب ضمانات قابلة للتطبيق قد يقوض فرص التوصل إلى تسوية مستقرة، ويجعل أي اتفاق عرضة للانهيار عند أول خلاف بشأن تنفيذ بنوده. وفي هذه الحالة، قد يستمر التصعيد حتى بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي.


الميدان يسبق السياسة
ميدانياً، تزامن التصعيد في جنوب لبنان مع انطلاق الانتخابات الإسرائيلية، إذ استمر القصف المدفعي على منطقة الصوان عند أطراف بلدة ميفدون، إلى جانب استهداف بلدة المنصوري في قضاء صور، وسط استمرار الغارات والتفجيرات في مناطق جنوبية أخرى.
وتعكس هذه التطورات اتساع الفجوة بين الترقب السياسي والوقائع الميدانية؛ فبينما تنتظر بيروت ما قد تسفر عنه الانتخابات من تحولات في القيادة الإسرائيلية، تواصل العمليات العسكرية تغيير الظروف الأمنية على الأرض، بما يعزز المخاوف من فرض ترتيبات أحادية يصعب التراجع عنها لاحقاً.


الانتخابات لا تكفي لإنهاء المواجهة
لا يبدو أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بمفردها، كافية لضمان تغيير مسار المواجهة في جنوب لبنان. فالمسار المقبل سيتوقف على طبيعة السياسة التي ستتبناها القيادة الجديدة، ومدى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام نفوذها، ووجود ضمانات واضحة للانسحاب ووقف الاعتداءات.
وفي غياب هذه الشروط، يبقى الجنوب أمام احتمالات مفتوحة، من استمرار التصعيد وإدارة الصراع إلى ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد. وبينما تتبدل الحسابات السياسية في تل أبيب وواشنطن، تظل كلفة الانتظار واقعة على المناطق اللبنانية التي تواجه تداعيات العمليات العسكرية ومخاطر تحول الوجود الإسرائيلي إلى أمر واقع. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 9

اقرأ أيضاً