لم يعد الدعم الأميركي لإسرائيل مجرد بند ثابت في موازنة السياسة الخارجية لواشنطن، بل بات سؤالاً سياسياً ومالياً وأخلاقياً يتسع داخل الولايات المتحدة نفسها: إلى أي مدى يمكن استمرار التمويل والتسليح، بينما تتواصل الحروب في المنطقة وتتزايد المخاوف من اتساعها، وتتراجع شعبية إسرائيل لدى شرائح من الأميركيين؟
على مدى عقود، تعاملت الإدارات الأميركية المتعاقبة مع أمن إسرائيل باعتباره ركناً أساسياً من سياستها في الشرق الأوسط. لكن استمرار هذا النهج خلال حرب غزة، ثم اتساع المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران منذ 28 شباط/فبراير 2026، وضع العلاقة أمام اختبار جديد. فالدعم لا يقتصر على التصريحات السياسية أو التنسيق الدبلوماسي، بل يشمل تمويلاً عسكرياً مباشراً، وصفقات أسلحة، ومخزونات ذخيرة، وبرامج دفاع مشترك، فضلاً عن الغطاء السياسي الذي توفره واشنطن لحليفتها.
المفارقة أن النقاش داخل الولايات المتحدة لم يعد محصوراً في حجم المساعدات أو نوعية الأسلحة، بل امتد إلى سؤال أوسع عن المصالح الأميركية نفسها: هل يساهم الدعم غير المشروط في حماية المصالح الأميركية، أم يجعل واشنطن أكثر ارتباطاً بقرارات عسكرية لا تتحكم وحدها في توقيتها ونتائجها؟
مليارات من المال العام
وفق تقرير نشرته قناة الجزيرة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بلغت الاعتمادات الأميركية المخصصة لإسرائيل ما لا يقل عن 25.5 مليار دولار منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتشمل هذه الحصيلة التمويل العسكري السنوي والاعتمادات الإضافية التي أقرها الكونغرس خلال الحرب. ويشير التقرير إلى أن المساعدات الأساسية استمرت وفق مذكرة تفاهم تمتد لعشر سنوات، وُقّعت عام 2016، وتحدد إطاراً للمساعدة العسكرية بقيمة 3.8 مليارات دولار سنوياً.
ولا تمثل هذه الأموال الصورة الكاملة للعلاقة العسكرية. فهناك برامج مشتركة للدفاع الصاروخي، ومخزونات أميركية من الأسلحة، وصفقات بيع وتسليم، ومساعدات مخصصة لإعادة تكوين الذخائر التي استُخدمت خلال العمليات. وتختلف طبيعة هذه البنود من حيث طريقة احتسابها ومصدر تمويلها، ولذلك لا يصح جمع كل إعلان عن صفقة سلاح مع المساعدات السنوية باعتبارها أموالاً إضافية دُفعت بالفعل؛ فبعض الصفقات معلن أو قيد الإجراءات، وبعضها ممول عبر آليات مختلفة.
لكن الصورة العامة واضحة: دافع الضرائب الأميركي يتحمل قسماً مهماً من كلفة الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة نفسها نقاشات حادة بشأن الإنفاق العام، وكلفة المعيشة، وأولويات الموازنة، وحجم الالتزامات الخارجية.
ويكشف هذا التمويل أيضاً عن طبيعة العلاقة الاقتصادية بين الطرفين. فجزء كبير من المساعدات العسكرية يُستخدم لشراء أسلحة ومعدات وخدمات من شركات أميركية، ما يعني أن الأموال لا تنتقل كلها إلى الاقتصاد الإسرائيلي بصورة نقدية مباشرة، بل تعود أجزاء منها إلى قطاع الصناعات الدفاعية الأميركية. غير أن هذه الدورة لا تلغي السؤال الأساسي: من يحدد الأولويات، ومن يتحمل المخاطر السياسية والمالية عندما تُستخدم الأسلحة في عمليات مثيرة للجدل؟
صفقة القنابل الثقيلة تعيد فتح السؤال
في 15 أيلول/سبتمبر، أفادت تقارير صحفية، بينها تقرير لرويترز، بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب تخطط لصفقة ذخائر مع إسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، تشمل عشرات الآلاف من القنابل الثقيلة، من بينها ذخائر تزن ألفي رطل. ووفق التفاصيل المنشورة، كان المقترح في مرحلة الإبلاغ غير الرسمي للجان المعنية في الكونغرس، ما يعني أن الإعلان عن الخطة لا يساوي بالضرورة اكتمال جميع إجراءاتها أو تسليم الأسلحة.
أعادت الصفقة إلى الواجهة الجدل حول طبيعة الذخائر التي تحصل عليها إسرائيل، ومخاطر استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان. فالقنابل الثقيلة قادرة على إحداث دمار واسع، وتثير طريقة استخدامها أسئلة متصلة بحماية المدنيين والتناسب والتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.
ولا يقتصر الجدل هنا على قرار بيع السلاح، بل يتصل أيضاً بمسؤولية الدولة المورّدة عن مراجعة سياق الاستخدام، ومدى توافر الضمانات التي تمنع توظيفه في انتهاكات للقانون الدولي. وتؤكد الإدارات الأميركية عادة أن مبيعات الأسلحة تمر عبر الإجراءات المعتمدة، لكن الانتقادات تتصاعد عندما يستمر تدفق الذخائر من دون تغيير جوهري في السياسة، رغم اتساع الخسائر البشرية والدمار.
وتكمن المفارقة في أن واشنطن تستطيع التأثير في القدرات العسكرية الإسرائيلية من خلال إمدادات الذخائر والصيانة وقطع الغيار والدعم التقني، لكنها لا تستخدم هذه الأوراق دائماً لفرض تغييرات ملموسة على السلوك العسكري. وبذلك يتحول الدعم من أداة نفوذ محتملة إلى التزام يصعب تعديله، حتى عندما تتعارض نتائج العمليات مع المصالح السياسية التي تعلنها الولايات المتحدة.
الرأي العام الأميركي يتحرك
تظهر استطلاعات الرأي أن العلاقة مع إسرائيل لم تعد تحظى بالإجماع السياسي والاجتماعي الذي تمتعت به في مراحل سابقة. ففي استطلاع أجرته كلية الحقوق في جامعة ماركيت بين 22 و29 تموز/يوليو 2026، قال 52 في المئة من البالغين الأميركيين إن بلادهم تقدم مساعدات عسكرية أكثر مما ينبغي لإسرائيل، مقابل 32 في المئة رأوا أن المستوى مناسب، و16 في المئة اعتبروا أن المساعدات أقل من المطلوب.
وفي تقرير نشره مجلس شيكاغو للشؤون العالمية في 5 تشرين الأول/أكتوبر، أشار الباحثون إلى أن النظرة الأميركية إلى إسرائيل تراجعت إلى أدنى مستوى في استطلاعات المجلس منذ بدء القياس عام 1978. وربط التقرير هذا التحول بتداعيات حرب غزة، وبمشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب على إيران، فضلاً عن اتساع الخلافات السياسية بشأن المساعدات العسكرية.
هذه الأرقام لا تعني أن الأميركيين تبنوا موقفاً واحداً، ولا أن السياسة الأميركية ستتغير تلقائياً. فما زالت الانقسامات الحزبية عميقة، كما أن مواقف الناخبين تختلف باختلاف العمر والانتماء السياسي وتقييمهم للأمن القومي. لكنها تشير إلى أن استمرار الدعم لم يعد محصناً بالكامل من النقاش الداخلي، وأن كلفته السياسية يمكن أن تظهر في الانتخابات وفي الخلافات داخل الكونغرس.
وتبرز أهمية هذا التحول في أن السياسة الخارجية الأميركية لطالما استفادت من وجود توافق واسع بشأن إسرائيل. ومع تراجع هذا التوافق، تصبح كل حزمة تمويل أو صفقة ذخائر موضوعاً أكثر حساسية، خصوصاً إذا تزامنت مع صور الدمار في غزة أو مع ارتفاع كلفة المواجهة مع إيران.
هل تحمي المساعدات المصالح الأميركية؟
تستند الحجج المؤيدة للدعم إلى اعتبارات استراتيجية، منها التعاون الاستخباراتي، والتنسيق العسكري، والدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل التكنولوجيا، وقدرة إسرائيل على العمل بوصفها شريكاً عسكرياً متقدماً في المنطقة. كما ترى مؤسسات أميركية أن جزءاً من التمويل يعزز الصناعات الدفاعية المحلية ويضمن استمرار الطلب على المعدات والخدمات الأميركية.
لكن هذه الحجج لا تحسم وحدها مسألة الكلفة والنتائج. فالشراكة التي تمنح واشنطن نفوذاً عسكرياً واستخباراتياً قد تضعها أيضاً أمام مخاطر الانجرار إلى أزمات لا ترغب في توسيعها. وعندما تتداخل العمليات الإسرائيلية مع مواجهات إقليمية أوسع، يصبح على الإدارة الأميركية أن توازن بين حماية حليفتها وتجنب حرب طويلة ومكلفة، وبين طمأنة شركائها الإقليميين والحفاظ على أمن القوات والمصالح الأميركية.
كما أن الدعم العسكري قد يضعف صدقية الخطاب الأميركي بشأن القانون الدولي وحماية المدنيين، إذا بدت المعايير المعلنة أقل صرامة عند التعامل مع إسرائيل مقارنة بدول أخرى. وهذه ليست مسألة صورة إعلامية فقط؛ إذ يمكن أن تؤثر في قدرة واشنطن على بناء تحالفات، وإقناع دول أخرى بالالتزام بالعقوبات أو القيود على التسلح، وتسويق مواقفها في المؤسسات الدولية.
من هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل حليفاً مهماً للولايات المتحدة، بل بما إذا كانت صيغة الدعم الحالية تحقق الأهداف المعلنة بأقل كلفة ممكنة، أم أنها توسع الفجوة بين الالتزامات العسكرية والنتائج السياسية.
النفوذ الذي لا يُستخدم يفقد قيمته
تملك واشنطن أدوات ضغط متعددة، من توقيت تسليم الأسلحة وشروط استخدامها، إلى مراجعة المساعدات، والتأثير في القرارات الدبلوماسية، وربط بعض أشكال التعاون بتعهدات واضحة. لكن استخدام هذه الأدوات يبقى مرتبطاً بحسابات الإدارة والكونغرس وموازين القوى الداخلية، فضلاً عن تأثير جماعات الضغط ومصالح الصناعات الدفاعية والاعتبارات الانتخابية.
ولا يعني ذلك أن وقف المساعدات بصورة شاملة هو الخيار الوحيد، أو أن كل أشكال التعاون العسكري متطابقة في طبيعتها. فهناك فرق بين دعم منظومات دفاعية لحماية المدنيين، وتوفير ذخائر هجومية ثقيلة، وبين تمويل سنوي ثابت وصفقات إضافية مرتبطة بعمليات عسكرية محددة. إلا أن التعامل مع جميع هذه الملفات باعتبارها جزءاً من علاقة استراتيجية لا تحتاج إلى مراجعة يحد من قدرة واشنطن على التأثير في سلوك حليفتها.
ويشير تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في حزيران/يونيو 2026 إلى أن مذكرة التفاهم ليست معاهدة ملزمة بذاتها، وأن الاعتمادات النهائية تبقى خاضعة لسلطة الكونغرس. كما تناول التقرير نقاشات حول صيغة المساعدات المستقبلية، بما في ذلك دعوات إسرائيلية إلى تعديل شكلها باتجاه استثمارات دفاعية مشتركة بدلاً من بعض أشكال التمويل التقليدي. وهذا يعني أن العلاقة ليست جامدة قانونياً، حتى إن بقي تغييرها سياسياً معقداً.
من يدفع الثمن خارج الولايات المتحدة؟
لا تنتهي كلفة الدعم عند الموازنة الأميركية. فالأسلحة والذخائر جزء من معادلة عسكرية أوسع تؤثر في حياة المدنيين، وفي فرص التوصل إلى تسويات، وفي مستويات التوتر الإقليمي. وكلما طال أمد العمليات من دون مسار سياسي مستقر، ازدادت المخاطر على السكان والبنية التحتية، وارتفعت احتمالات توسع المواجهة إلى ساحات جديدة.
أما اقتصادياً، فتؤثر الحروب في أسواق الطاقة والتأمين والنقل البحري، وتنعكس الاضطرابات على الدول المستوردة للنفط والغاز وعلى الاقتصادات التي تعتمد على التجارة عبر الممرات البحرية. وفي حال توسعت المواجهة مع إيران أو تعطل الملاحة في مضيق هرمز، فإن التداعيات لن تبقى محصورة بالولايات المتحدة وإسرائيل، بل ستطال المستهلكين والشركات والدول التي لا تشارك في الحرب.
وتنشأ هنا حلقة مترابطة: تمويل عسكري يتيح استمرار العمليات، وعمليات تزيد التوتر، وتوتر يرفع المخاطر الاقتصادية والعسكرية، ثم ترتفع الحاجة إلى مزيد من الإنفاق لحماية القوات والملاحة وتعويض المخزونات. ولا يعني هذا أن كل إنفاق عسكري يؤدي حتماً إلى تصعيد، لكنه يوضح لماذا ينبغي تقييم المساعدات وفق نتائجها الاستراتيجية والإنسانية، لا وفق حجمها وحده.
مراجعة العلاقة لا تعني إنهاءها
المراجعة الجدية للسياسة الأميركية تجاه إسرائيل لا تقتصر على شعار وقف المساعدات أو استمرارها، بل تبدأ بتحديد الأهداف والشروط. هل يرتبط تسليم الأسلحة بضمانات قابلة للتحقق بشأن حماية المدنيين؟ هل تخضع الصفقات الهجومية لمراجعة أكثر صرامة؟ هل تُنشر معلومات كافية تسمح للكونغرس والرأي العام بتقييم الاستخدام والنتائج؟ وهل توجد عواقب واضحة عندما لا تُحترم الشروط المعلنة؟
تلك الأسئلة تكتسب أهمية أكبر مع تراجع التأييد الشعبي غير المشروط، وارتفاع كلفة الحروب، واتساع الشكوك بشأن قدرة القوة العسكرية وحدها على إنتاج استقرار سياسي. فالتحالفات لا تُقاس بعدد الطائرات والقنابل التي تنتقل بين الدول فحسب، بل بقدرتها على منع الحروب الطويلة وتقليل مخاطرها، وبمدى انسجامها مع المصالح التي تقول إنها تحميها.
وفي النهاية، لا تكمن المعضلة الأميركية في حجم المساعدات وحده، بل في غياب توافق واضح حول حدودها وشروطها والنتائج التي يفترض أن تحققها. وبينما تواصل واشنطن تمويل القدرات العسكرية الإسرائيلية، يتسع السؤال داخل الولايات المتحدة وخارجها: إذا كانت هذه السياسة مكلفة مالياً وسياسياً، وإذا كانت لا تضمن إنهاء الحروب أو منع اتساعها، فما الذي يمنع إعادة النظر فيها؟
المصادر والروابط
الجزيرة، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، «استمرار المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل بعد ثلاثة أعوام على حرب غزة»: https://www.aljazeera.com/news/2026/10/7/how-us-military-aid-to-israel-continues-three-years-into-gaza-genocide
استطلاع كلية الحقوق في جامعة ماركيت، 5 آب/أغسطس 2026: https://law.marquette.edu/poll/2026/08/05/new-marquette-law-school-poll-national-survey-finds-inflation-and-cost-of-living-the-most-important-issue-economy-next-most-important/
مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026: https://globalaffairs.org/index.php/research/public-opinion-survey/american-favorability-israel-drops-record-low
رويترز، 15 أيلول/سبتمبر 2026، تقرير صفقة الذخائر الأميركية المقترحة: https://www.investing.com/news/world-news/trump-administration-plans-28-billion-munitions-sale-to-israel-sources-say-4902378
خدمة أبحاث الكونغرس، 4 حزيران/يونيو 2026، «اعتبارات بشأن تغييرات محتملة في المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل»: https://www.everycrsreport.com/reports/IN12695.html