هل يستطيع الخليج بناء منظومة أمنية بعيداً عن واشنطن؟

2026.10.27 - 17:03
Facebook Share
طباعة

لم تعد الأسئلة المتعلقة بأمن الخليج محصورة في حجم الترسانة العسكرية أو عدد القواعد الأجنبية المنتشرة في المنطقة، بل باتت ترتبط بقدرة دوله على حماية منشآتها الحيوية، وتأمين ممراتها البحرية، وإدارة الأزمات الإقليمية في ظل تغير حسابات القوى الكبرى. فقد أعادت الحرب مع إيران، إلى جانب التصريحات الأمريكية بشأن مستقبل الالتزامات الدفاعية، فتح النقاش حول مدى قدرة الترتيبات الأمنية القائمة على مواجهة المخاطر المتصاعدة، والخيارات المتاحة أمام دول مجلس التعاون لتقليل اعتمادها على الحماية الخارجية.

 

وفي سياق متصل، أعادت تصريحات السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الأمريكي توم باراك، خلال منتدى الأمن العالمي في الدوحة، طرح تساؤلات بشأن مستقبل الدور الأمريكي في الخليج، وحجم المسؤولية التي ينبغي أن تتحملها دول المنطقة عن أمنها. كما أثارت نقاشاً أوسع حول طبيعة العلاقة مع واشنطن، وما إذا كانت المرحلة المقبلة تتطلب إعادة توزيع الأدوار أم بناء منظومة دفاعية إقليمية قادرة على العمل باستقلالية أكبر.

 

وتفرض التطورات قراءة واقعية للمشهد، بعيداً عن افتراض استمرار الترتيبات الحالية إلى أجل غير محدد، أو التعجل في البحث عن بدائل لا تزال قدرتها على توفير الحماية المطلوبة غير واضحة. فالأمن الخليجي يرتبط بعوامل عسكرية وسياسية واقتصادية متداخلة، ولا يمكن ضمان استقراره من خلال الاعتماد على طرف واحد، مهما بلغت إمكاناته.

 

واشنطن تعيد تعريف التزاماتها

 

شبّه باراك انتقال دول الخليج إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها بمرحلة انتقال الطفل إلى المراهقة، في إشارة إلى ضرورة تطوير القدرات الدفاعية الذاتية وتقليص الاعتماد على الحماية الأمريكية. ويعكس الطرح توجهاً أمريكياً أوسع نحو مطالبة الحلفاء بتحمل أعباء أكبر في الدفاع عن أنفسهم، بدلاً من استمرار اعتمادهم على واشنطن بوصفها الضامن الأساسي لأمنهم.

 

ولم يظهر التوجه حديثاً، بل برز بوضوح خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، بالتزامن مع مراجعة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وتزايد الاهتمام بالمنافسة الإستراتيجية مع الصين، إلى جانب الرغبة في تقليل الانخراط المباشر في بعض أزمات الشرق الأوسط.

 

ومع اختلاف الإدارات الأمريكية، استمر النقاش بشأن حدود الالتزامات العسكرية تجاه الحلفاء، ومدى استعداد واشنطن لتحمل كلفة التدخل في نزاعات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع أولوياتها الإستراتيجية. ويشير ذلك إلى أن دول الخليج لا تستطيع بناء خططها الدفاعية على افتراض ثبات المواقف الأمريكية، بل تحتاج إلى مراعاة احتمال تغيرها تبعاً للظروف السياسية والعسكرية.

 

لكن الدعوة إلى تقاسم الأعباء لا تعني بالضرورة انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، إذ لا تزال واشنطن تمتلك مصالح إستراتيجية واقتصادية وعسكرية مهمة في الخليج. وقد يكون الاتجاه المطروح أقرب إلى إعادة صياغة الالتزامات، بما يحافظ على النفوذ والمصالح الأمريكية، مع مطالبة الشركاء بتطوير قدراتهم وتحمل مسؤوليات أكبر في مواجهة التهديدات.

 

وتبرز ضرورة التمييز بين تقليص الاعتماد على الحماية الأمريكية والاستغناء الكامل عنها. فالأول هدف يمكن تحقيقه تدريجياً عبر الاستثمار في القدرات الوطنية والتنسيق الإقليمي، أما الثاني فيتطلب إمكانات عسكرية وتقنية ومؤسسية يصعب توفيرها في وقت قصير.

المصالح الأمريكية لا تضمن تدخلاً عسكرياً

 

أدى ارتفاع إنتاج النفط الأمريكي وتطور تقنيات استخراج النفط الصخري إلى تغيير بعض جوانب العلاقة بين واشنطن والخليج، لكنه لم ينهِ الأهمية الإستراتيجية للمنطقة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فاستقرار إمدادات الطاقة وأسعار النفط يظل مرتبطاً بسلامة الإنتاج والنقل والتجارة، كما أن أي اضطراب في الممرات البحرية قد ينعكس على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي.

 

ولا تقتصر المصالح المشتركة على الطاقة، إذ توسعت العلاقات لتشمل الاستثمارات والأسواق والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية. كما تحتفظ منطقة الخليج بأهمية جيوسياسية بسبب موقعها بين آسيا وأوروبا، وقربها من ممرات بحرية رئيسية تمر عبرها تجارة دولية واسعة.

 

غير أن تداخل المصالح الاقتصادية لا يعني أن واشنطن ستتدخل عسكرياً في كل أزمة، فقرارات استخدام القوة تخضع لحسابات تتعلق بطبيعة التهديد، وحجم المخاطر، والكلفة السياسية والعسكرية، ومدى ارتباط الأزمة بالمصالح الأمريكية المباشرة.

ومن هنا، فإن التعويل على المصالح الاقتصادية وحدها لضمان الاستجابة الأمريكية قد لا يكون كافياً. فالعلاقات الإستراتيجية تمنح الأطراف دوافع للتعاون، لكنها لا تلغي احتمالات الاختلاف في تقدير المخاطر أو تحديد طبيعة الرد المناسب.

 

وتحتاج دول الخليج، بناءً على ذلك، إلى تقييم واقعي لحدود المظلة الأمريكية، وتحديد المجالات التي يمكنها الاعتماد فيها على الشراكة الخارجية، وتلك التي ينبغي أن تطور فيها قدراتها الذاتية. كما يتطلب الأمر صياغة تفاهمات أكثر وضوحاً بشأن آليات التنسيق والاستجابة عند تعرض المنشآت الحيوية أو خطوط الملاحة لتهديدات مباشرة.

 

الحرب مع إيران تكشف حدود الحماية التقليدية

 

أظهرت التطورات العسكرية في المنطقة أن امتلاك أنظمة دفاعية متقدمة ووجود قوات أجنبية لا يوفران حصانة مطلقة ضد الهجمات. فالصواريخ والطائرات المسيّرة باتت تمثل تحدياً متزايداً بسبب تنوع أساليب استخدامها، وقدرتها على استهداف منشآت حيوية ومسارات النقل والبنية التحتية.

 

وتفرض التهديدات إعادة النظر في مفهوم الحماية، بحيث لا يقتصر على شراء منظومات تسليح متطورة، بل يشمل القدرة على اكتشاف الهجمات مبكراً، وتحليل المعلومات، وتبادل البيانات بين الدول، وتنسيق عمليات الاعتراض، وضمان استمرار الخدمات الأساسية في حال وقوع أضرار.

كما أن اتساع نطاق المخاطر يفرض على دول الخليج تطوير خطط لحماية المطارات والموانئ ومحطات الطاقة ومنشآت تحلية المياه وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات. فتعطل أي من المرافق قد يؤدي إلى آثار تتجاوز حدود الموقع المستهدف، وتمتد إلى الاقتصاد وحركة السكان وسلاسل الإمداد.

 

ولا يمكن التعامل مع المخاطر بصورة منفصلة، لأن الهجمات قد تستهدف أكثر من قطاع في وقت واحد، أو تجمع بين الوسائل العسكرية والهجمات السيبرانية والتضليل المعلوماتي. ولهذا، تصبح القدرة على تنسيق الاستجابة بين المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية جزءاً أساسياً من بناء منظومة دفاع فعالة.

 

كذلك، تحتاج دول المنطقة إلى تطوير قدراتها في مجال تقييم المخاطر والاستعداد للطوارئ، بما يشمل خطط الإخلاء واستمرارية الخدمات، وتوفير بدائل تشغيلية للمنشآت المتضررة، وتعزيز حماية شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات. فنجاح الدفاع لا يقاس فقط بقدرة الأنظمة على اعتراض الهجمات، بل أيضاً بقدرة الدولة على الحد من آثارها واستعادة الخدمات بسرعة.

الدفاع الخليجي يبدأ من مجلس التعاون

 

تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 في بيئة إقليمية دفعت الاعتبارات الأمنية إلى مقدمة أولوياته، إلى جانب التعاون الاقتصادي والاجتماعي. ومع مرور العقود، تطورت العلاقات بين دوله، لكن بناء منظومة دفاع جماعي متكاملة ظل يواجه تحديات تتعلق باختلاف التقديرات السياسية، وتباين الأولويات، وآليات اتخاذ القرار.

وقد كشفت الأزمات الإقليمية أن التوافق على المبادئ العامة لا يكفي لضمان استجابة مشتركة، ما لم تصاحبه خطط تنفيذية واضحة وتحديد للمسؤوليات. فعندما تتعرض دولة لتهديد مباشر، تصبح سرعة تبادل المعلومات، وتحديد طبيعة الخطر، والاتفاق على إجراءات الاستجابة، عوامل حاسمة في تقليل الخسائر.

 

وتحتاج المرحلة المقبلة إلى مراجعة آليات العمل الدفاعي الخليجي، بما يضمن تكامل الأنظمة العسكرية، وتطوير مراكز مشتركة لتبادل المعلومات، وتوحيد المعايير الفنية للإنذار المبكر، وتعزيز التدريبات التي تختبر قدرة القوات على العمل في ظروف متغيرة.

كما ينبغي تحديد الإجراءات التي يمكن تنفيذها فور وقوع هجوم، والجهات المسؤولة عن اتخاذ القرارات الميدانية، وآليات التنسيق السياسي بين العواصم. فالغموض في توزيع المسؤوليات قد يؤخر الاستجابة، حتى عندما تكون القدرات العسكرية متاحة.

 

ولا يعني تطوير الدفاع المشترك التخلي عن سيادة الدول أو صلاحياتها الوطنية، بل يمكن أن يقوم على اتفاقات واضحة تحدد مجالات التعاون وحدوده، وتتيح التحرك السريع عند مواجهة تهديدات مشتركة. وتبقى المرونة في اتخاذ القرار ضرورية، خصوصاً في الأزمات التي لا تسمح بانتظار توافق سياسي طويل.

 

كذلك، يتطلب بناء منظومة دفاعية متكاملة تحديد الفجوات في القدرات الحالية، وتوزيع الاستثمارات وفق احتياجات فعلية، بدلاً من تكرار شراء الأنظمة ذاتها من دون ضمان قدرتها على العمل ضمن شبكة موحدة. فالاستثمار الأكثر فاعلية هو الذي يربط المعدات والتدريب والمعلومات والخطط التشغيلية ضمن إطار مشترك.

 

تطوير القدرات الوطنية وتقليل الاعتماد الخارجي

 

لا يمكن تحقيق استقلال أمني أكبر من خلال زيادة الإنفاق العسكري وحدها، إذ ترتبط الفاعلية بقدرة الدول على تشغيل أنظمتها وصيانتها وتطويرها، وتدريب كوادرها، وإنتاج جزء من احتياجاتها الدفاعية محلياً. كما أن امتلاك المعرفة التقنية يمنح الدول قدرة أكبر على تحديث أنظمتها وتقليل تأثرها بقيود التوريد أو تغير المواقف السياسية للدول المصدرة.

 

ويشمل المسار دعم الصناعات الدفاعية الوطنية، وتطوير أنظمة الاستشعار والاتصالات، وتعزيز قدرات الأمن السيبراني، والاستثمار في البحث والتطوير. كما يمكن توسيع التعاون بين المؤسسات العسكرية والجامعات والشركات التقنية لبناء خبرات محلية في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وأنظمة القيادة والسيطرة.

 

لكن بناء قاعدة دفاعية وطنية يحتاج إلى وقت واستثمارات طويلة الأجل، ولا يمكن أن يحل سريعاً محل جميع القدرات الخارجية. ولذلك، ينبغي تحديد الأولويات وفق طبيعة التهديدات وحجم الإمكانات المتاحة، مع التركيز على المجالات التي يمكن تطويرها محلياً بصورة عملية ومستدامة.

ومن الضروري أيضاً تقييم كلفة الاعتماد على الموردين الخارجيين، بما يشمل الصيانة وقطع الغيار والتحديثات والذخائر والتدريب. فقد تمتلك الدولة منظومة متطورة، لكنها تظل مرتبطة بجهة خارجية لتشغيلها بكفاءة إذا لم تتوافر لديها الخبرات والبنية اللازمة.

 

ويتيح توطين بعض الصناعات الدفاعية تقليل المخاطر، فضلاً عن خلق فرص اقتصادية وتقنية جديدة. ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون التصنيع المحلي هدفاً شكلياً، بل يجب أن يستند إلى معايير الجودة والجدوى الاقتصادية والقدرة على تلبية الاحتياجات التشغيلية.

تركيا وباكستان وخيارات الشراكة الجديدة

 

في ظل النقاش حول مستقبل الدور الأمريكي، تبرز أهمية تنويع الشراكات الدفاعية والعلاقات الدولية. وقد أشار طرح نائب رئيس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع القطري، الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، إلى الحاجة لحوار إقليمي يضم دول مجلس التعاون وإيران، مع الاستفادة من دور تركيا وباكستان.

ويمكن أن يسهم التعاون مع أنقرة وإسلام آباد في توسيع الخيارات الخليجية في مجالات التدريب والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية وتبادل الخبرات. كما يتيح تنويع الشراكات تقليل الاعتماد على مورد واحد، ويوفر فرصاً لبناء علاقات تخدم الاحتياجات الأمنية والاقتصادية على المدى الطويل.

 

لكن التعامل مع تركيا وباكستان باعتبارهما بديلاً جاهزاً عن الولايات المتحدة سيكون تقديراً متسرعاً، إذ لكل منهما مصالحها وحساباتها السياسية والعسكرية، وقد تختلف أولوياتهما عن أولويات دول الخليج في بعض الملفات.

كما أن التعاون مع أي شريك خارجي لا يعفي دول المجلس من مسؤولية بناء قدراتها الذاتية، ولا يحل محل الحاجة إلى تنسيق خليجي فعال. فتنويع العلاقات ينبغي أن يوسع الخيارات المتاحة، لا أن ينقل الاعتماد من طرف إلى آخر من دون معالجة نقاط الضعف الأساسية.

 

ويقتضي ذلك تقييم كل شراكة وفق أهداف واضحة، تشمل نقل المعرفة، وتوفير التدريب، وتطوير القدرات المحلية، وضمان استمرارية الإمدادات، مع مراعاة الالتزامات السياسية التي قد تترتب على التعاون الدفاعي طويل الأجل.

الحوار مع إيران ضرورة لتقليل مخاطر التصعيد

 

تفرض الجغرافيا التعامل مع إيران باعتبارها دولة مجاورة ذات تأثير مباشر في أمن الخليج واقتصاده وممراته البحرية. ولا يمكن بناء بيئة إقليمية مستقرة من دون معالجة مصادر التوتر بين الجانبين، خصوصاً القضايا المتعلقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والتدخلات الإقليمية وأمن الملاحة.

 

ولا يعني فتح قنوات الحوار تجاهل المخاوف الخليجية، بل يهدف إلى إيجاد مسار يمكن من خلاله طرحها ومناقشتها ضمن تفاهمات واضحة. فالحوار الفعال يحتاج إلى احترام سيادة الدول، والامتناع عن استهداف أراضيها ومنشآتها، وضمان حرية الملاحة، والاتفاق على إجراءات تحد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد.

كما ينبغي أن تستند أي تفاهمات إلى التزامات قابلة للتحقق، وآليات متابعة تسمح بتقييم مدى تنفيذها، بدلاً من الاكتفاء بإعلانات سياسية لا تضمن تغيير السلوك على الأرض.

 

وتزداد أهمية المسارات الدبلوماسية في ظل الترابط الاقتصادي والجغرافي بين دول المنطقة، إذ إن أي تصعيد عسكري قد يؤثر في حركة التجارة وأسواق الطاقة والاستثمارات، فضلاً عن المخاطر المباشرة التي يتعرض لها السكان والمنشآت المدنية.

ومع ذلك، لا يمكن للحوار وحده أن يوفر ضمانات أمنية كاملة، بل ينبغي أن يترافق مع جاهزية دفاعية كافية وقدرة على التعامل مع المخاطر في حال فشل التفاهمات. فالدبلوماسية والدفاع ليسا مسارين متعارضين بالضرورة، بل يمكن أن يكمل أحدهما الآخر ضمن سياسة تهدف إلى تقليل فرص المواجهة وحماية المصالح الوطنية.

 

دروس التجربة الأوروبية في بناء الأمن الجماعي

 

تقدم التجربة الأوروبية نموذجاً يمكن الاستفادة من بعض جوانبه، إذ دفعت الحروب الكبرى دولاً متنافسة إلى بناء مؤسسات مشتركة وتوسيع التعاون في ملفات تتجاوز قدرة الدولة المنفردة على معالجتها. ورغم الاختلافات السياسية والتاريخية بين أوروبا والخليج، فإن الفكرة الأساسية تستحق الدراسة: يمكن للتنسيق المؤسسي أن يعزز قدرة الدول على حماية مصالحها، من دون أن يلغي بالضرورة استقلال قراراتها الوطنية.

 

ولا يمكن نقل التجربة الأوروبية إلى الخليج بحذافيرها، نظراً إلى اختلاف طبيعة التهديدات وتركيبة العلاقات السياسية ومستوى التكامل المؤسسي. لكن يمكن الاستفادة من أهمية وضع قواعد واضحة للتعاون، وبناء مؤسسات قادرة على تنفيذ الاتفاقات، وإيجاد آليات لحل الخلافات قبل أن تتحول إلى عوائق أمام الاستجابة للأزمات.

 

ويتطلب ذلك الانتقال من التنسيق الظرفي إلى التعاون المنظم، عبر خطط مشتركة وتدريبات دورية وتبادل منتظم للمعلومات وتحديد المسؤوليات. كما أن بناء الثقة بين الأطراف يحتاج إلى استمرارية في العمل، وليس إلى اجتماعات متقطعة تزداد وتيرتها عند تصاعد المخاطر ثم تتراجع مع هدوء الأوضاع.

 

ويظل التوازن بين سيادة الدول ومتطلبات الأمن الجماعي من أبرز القضايا التي ينبغي معالجتها. فنجاح أي منظومة مشتركة يعتمد على وضوح حدود الالتزامات، وقدرة الدول على الوفاء بها، ووجود آليات للتعامل مع الخلافات السياسية من دون تعطيل الإجراءات الأمنية الضرورية.


الأمن الاقتصادي والتكنولوجي جزء من الدفاع الخليجي

 

لم تعد التحديات الأمنية مقتصرة على المنشآت العسكرية أو حقول النفط والغاز، إذ تتجه اقتصادات الخليج بصورة متزايدة إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والخدمات الرقمية والبنية التكنولوجية. وتفرض التحولات إدماج الأمن السيبراني وحماية المعلومات والبنية الرقمية ضمن التخطيط الإستراتيجي.

 

فالهجمات الإلكترونية قد تستهدف قطاعات الطاقة والمصارف والاتصالات والخدمات الحكومية، وقد تؤدي إلى تعطيل أنظمة أساسية من دون الحاجة إلى هجوم عسكري مباشر. كما أن الاعتماد المتزايد على الشبكات الرقمية يرفع أهمية حماية البيانات وتأمين أنظمة التحكم الصناعية وضمان استمرار الخدمات في حالات الطوارئ.

 

ويحتاج المجال إلى تعاون يتجاوز المؤسسات العسكرية، ليشمل الجهات التنظيمية والشركات المشغلة والبنوك ومراكز الأبحاث. كما يتطلب وضع خطط للاستجابة للحوادث الرقمية، وتبادل المعلومات بشأن التهديدات، وتطوير كوادر متخصصة قادرة على اكتشاف الهجمات والتعامل معها.

ويمتد مفهوم الأمن الاقتصادي إلى حماية سلاسل الإمداد وممرات التجارة والاستثمارات الخارجية. فتعطل الملاحة أو ارتفاع كلفة التأمين والشحن قد يؤثر في قدرة الاقتصادات الخليجية على التصدير والاستيراد، حتى في غياب أضرار مباشرة داخل أراضيها.

 

لذلك، ينبغي أن تشمل الخطط الأمنية تنويع مسارات الإمداد، وتعزيز الاحتياطيات الإستراتيجية، وتطوير بدائل تشغيلية للمرافق الحيوية، وتحسين التنسيق بين المؤسسات المعنية بالتجارة والطاقة والنقل. فحماية الاقتصاد تمثل جزءاً أساسياً من حماية الاستقرار الوطني، خصوصاً مع توسع الخطط الخليجية لتنويع مصادر الدخل.

 

ما المظلة الأمنية الأكثر فاعلية؟

 

 

لا توجد مظلة أمنية واحدة تستطيع معالجة جميع التهديدات التي تواجه دول الخليج، كما أن الاعتماد الكامل على قوة خارجية قد يترك فجوات عندما تتغير أولوياتها أو تتباين تقديراتها مع دول المنطقة. وفي المقابل، فإن السعي إلى الاستغناء السريع عن الشراكات الدولية قد يخلق فجوات دفاعية يصعب سدها في المدى القصير.

 

ويبدو المسار الأكثر واقعية قائماً على بناء منظومة متعددة المستويات: قدرات وطنية متطورة، وتنسيق دفاعي خليجي أكثر فاعلية، وشراكات دولية متنوعة، إلى جانب قنوات دبلوماسية إقليمية تقلل فرص التصعيد.

ويتطلب المسار تحديداً دقيقاً للقدرات التي تحتاج دول المجلس إلى تطويرها، والموارد المطلوبة لذلك، والمدة الزمنية اللازمة لتحقيق أهداف قابلة للقياس. كما يستدعي وضع أولويات واضحة للإنفاق الدفاعي، حتى لا تتحول زيادة الموازنات إلى مشتريات متفرقة لا تؤدي بالضرورة إلى تعزيز الأمن الجماعي.

 

 

كذلك، ينبغي أن تستند الشراكات الخارجية إلى اتفاقات تحدد مجالات التعاون وآليات الاستجابة، مع الحفاظ على قدرة دول الخليج على اتخاذ قراراتها السيادية. فالعلاقة مع الولايات المتحدة يمكن أن تستمر وتتطور، لكن من الأفضل أن تقوم على تقاسم أكثر وضوحاً للمسؤوليات، بدلاً من افتراض أن واشنطن ستتولى وحدها حماية المنطقة في جميع الظروف.

 

أما الحوار مع إيران ودول الجوار، فيمكن أن يخفف المخاطر إذا اقترن بالتزامات عملية تحترم السيادة وتضمن أمن الملاحة، فيما يظل تطوير القدرات الذاتية ضرورياً للتعامل مع التهديدات التي قد تستمر رغم الجهود الدبلوماسية.

 

إن التحولات في السياسة الأمريكية لا تعني بالضرورة نهاية المظلة الأمنية التقليدية، لكنها تكشف الحاجة إلى مراجعة أسسها وشروطها. فدول الخليج تمتلك موارد مالية وتقنية وخبرات عسكرية تسمح لها بتوسيع دورها الدفاعي، غير أن تحويل الإمكانات إلى قوة جماعية فعالة يتطلب عملاً مؤسسياً طويل الأجل وتوافقاً سياسياً على الأولويات وآليات التنفيذ.

 

 

وفي نهاية المطاف، لا يكمن الاختبار الحقيقي في اختيار واشنطن أو تركيا أو باكستان بديلاً أمنياً، بل في بناء منظومة خليجية قادرة على حماية المصالح الوطنية، والاستفادة من الشراكات الخارجية من دون الارتهان لها، وإدارة الخلافات الإقليمية بما يقلل احتمالات الحرب.


فإذا كانت الولايات المتحدة تعيد حساب دورها في المنطقة، فإن دول الخليج مطالبة بدورها بإعادة تقييم خياراتها، ليس عبر التخلي المتسرع عن التحالفات القائمة، بل من خلال تعزيز قدرتها على اتخاذ القرار، وتطوير دفاع مشترك قابل للتنفيذ، وتوسيع التعاون الإقليمي والدولي. بذلك يصبح الأمن الخليجي أقل ارتباطاً بتغير حسابات الآخرين، وأكثر استناداً إلى قدرات محلية وتفاهمات عملية تتيح مواجهة المخاطر المتزايدة بثقة وفاعلية.

 

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4

اقرأ أيضاً