فاتورة الحروب تطارد إسرائيل.. أزمات اقتصادية تنتظر الحكومة المقبلة

2026.10.27 - 16:47
Facebook Share
طباعة

تستعد الحكومة الإسرائيلية المقبلة لمواجهة اختلالات مالية ومعيشية متفاقمة، بعدما استنزفت الحروب في غزة ولبنان والمواجهة مع إيران موارد الدولة، وفرضت أعباء واسعة على الموازنة العامة. ومع تصاعد المديونية وتضخم النفقات العسكرية وتراجع ثقة المستثمرين، تتراكم استحقاقات تشمل الإسكان والضرائب والتعليم والرعاية الصحية والنقل، وسط تضاؤل هامش المناورة أمام صناع القرار.

 

وتكشف المؤشرات الاقتصادية عن تفاوت ملحوظ بين أداء الأسواق المالية والوضع المالي للدولة، إذ لم يحجب نشاط البورصة التداعيات التي خلفتها العمليات العسكرية على الخزينة والقطاعات الإنتاجية.

ووفق تقديرات نقلتها وكالة «رويترز»، تجاوزت كلفة الحرب 55 مليار دولار، فيما اقتربت نسبة الدين العام من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، بزيادة تقارب عشر نقاط مئوية مقارنة بعام 2022.

 

وقفزت المخصصات الدفاعية إلى نحو 8% من الناتج المحلي، بالتزامن مع اتساع الفجوة بين الإيرادات والمصروفات. وتشير توقعات بنك إسرائيل الصادرة في 21 تشرين الأول/أكتوبر إلى بلوغ عجز الموازنة 4.4% خلال عام 2026، قبل ارتفاعه إلى 4.6% في 2027، مع وصول المديونية إلى نحو 68% بنهاية العام الجاري.

 

وتضع هذه الأرقام السلطات المقبلة أمام معادلة معقدة، تجمع بين تمويل الاحتياجات الأمنية وإعادة الإعمار، واحتواء الالتزامات المتراكمة، والحفاظ على الموارد المخصصة للخدمات الأساسية.

 

التصنيف الائتماني والموازنة

 

تتصدر المصادقة على ميزانية 2027 قائمة الاستحقاقات العاجلة، خصوصاً مع احتمال استمرار العمل بترتيبات مالية مؤقتة خلال الأشهر الأولى من العام. وتحمل الوثيقة المرتقبة أهمية تتجاوز توزيع الاعتمادات، إذ ستشكل مؤشراً للأسواق العالمية ووكالات التصنيف بشأن قدرة إسرائيل على استعادة الانضباط المالي.

 

وتعرض الجدارة الائتمانية الإسرائيلية لخفض متكرر خلال سنوات القتال، ما رفع تكلفة الاقتراض وزاد الأعباء المرتبطة بخدمة القروض التي استخدمتها الدولة لتغطية عملياتها العسكرية.

ويتمثل أحد أبرز التحديات في رسم مسار تدريجي لتقليص نسبة المديونية، بعدما ارتفعت من نحو 59% عشية الحرب إلى مستويات تلامس 70%، مع احتمالات استمرار الضغوط خلال الفترة المقبلة.

 

وقد يؤدي غياب إجراءات تصحيحية إلى استنزاف جانب أكبر من الإيرادات في سداد الفوائد، على حساب الاستثمارات العامة والمشروعات التنموية.

أموال الائتلاف والإصلاح الضريبي

 

تطرح الحاجة إلى زيادة الموارد الحكومية خيارات تتعلق بإعادة هيكلة النظام الضريبي، بما يشمل مراجعة الامتيازات القائمة وفرض تعديلات على بعض الرسوم والضرائب.

وتتضمن المقترحات إلغاء إعفاءات مرتبطة بضريبة القيمة المضافة في إيلات، والخدمات السياحية، والفواكه والخضراوات، إلى جانب إعادة النظر في تسهيلات ممنوحة لفئات اقتصادية محددة.

 

غير أن تحميل المواطنين أعباء إضافية قد يثير اعتراضات واسعة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. ويزداد هذا الملف حساسية مع استمرار تخصيص مبالغ كبيرة للأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم.

وبحسب الأرقام التي أوردتها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، بلغت الأموال الائتلافية 22.5 مليار شيكل خلال السنوات الأربع الماضية، ما يفتح النقاش بشأن ضرورة إلغاء تلك المخصصات وتقليص عدد الوزارات قبل اللجوء إلى زيادات ضريبية.

 

وتتطلب معالجة الاختلالات القائمة إعادة ترتيب أولويات الصرف العام، بما يحقق توزيعاً أكثر توازناً للموارد ويحد من تنامي الالتزامات المستقبلية.

الميزانية العسكرية تستنزف الموارد

 

أحدثت العمليات الحربية تحولاً واسعاً في هيكل الإنفاق الإسرائيلي، بعدما ارتفعت مطالب المؤسسة الدفاعية إلى مستويات غير مسبوقة، مقارنة بالتقديرات التي سبقت اتساع المواجهات.

وتراجعت توصيات لجنة ناغل، التي درست احتياجات الجيش المالية، أمام مطالب بتخصيص اعتمادات سنوية تقترب من 200 مليار شيكل خلال الأعوام المقبلة، بعدما كانت التصورات السابقة تشير إلى مبالغ تقل عن 100 مليار.

 

وتواجه السلطة التنفيذية الجديدة مهمة مراجعة الإطار المالي الممتد لعشر سنوات، الذي أقره بنيامين نتنياهو، ويتضمن زيادات تلقائية تقارب 40 مليار شيكل سنوياً للمؤسسة العسكرية.

ويهدد استمرار هذا المسار بتقليص الحصة المتاحة للوزارات المدنية، خصوصاً أن قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية تعاني احتياجات متنامية يصعب تلبيتها مع اتساع الالتزامات الدفاعية.

 

وتبرز هنا ضرورة الموازنة بين متطلبات الأمن واستدامة المالية العامة، تفادياً لتحويل النفقات الحربية إلى عبء طويل الأمد على النشاط الاقتصادي والخدمات الاجتماعية.

الإسكان تحت وطأة الأسعار ونقص العمالة

 

يشكل سوق العقارات أحد أكثر الملفات المعيشية تعقيداً، مع استمرار ارتفاع أسعار المنازل والحاجة إلى تطوير منظومة إيجارات مستقرة توفر خيارات مناسبة للأسر.

وتبرز ضرورة تسريع إجراءات تخطيط الأراضي وتسويقها، وتوسيع المشروعات السكنية، إلى جانب معالجة النقص الحاد في الأيدي العاملة بقطاع البناء، الذي تأثر بتراجع أعداد العمال المحليين والأجانب.

 

كما يتطلب تحسين أوضاع هذا السوق تطوير البنية التحتية للمناطق الجديدة، وإزالة العقبات التنظيمية التي تؤخر تنفيذ المشروعات، بما يساعد على زيادة المعروض والحد من الضغوط السعرية.

ولا تنحصر انعكاسات أزمة السكن في أسعار العقارات، بل تمتد إلى مستويات الادخار والاستهلاك، وتؤثر في قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأخرى.

 

الازدحام المروري وخسائر الإنتاجية

 

يستنزف الاختناق المروري مليارات الشواكل سنوياً نتيجة الوقت المهدور في التنقل، وارتفاع استهلاك الوقود، والتلوث الناجم عن كثافة المركبات.

وتؤدي الاختناقات اليومية إلى خسائر في ساعات العمل، وزيادة تكاليف نقل البضائع والخدمات، ما ينعكس على كفاءة النشاط التجاري والإنتاجي.

 

وتتطلب مواجهة هذه الظاهرة توسيع شبكات المواصلات العامة، وتحديث الطرق، وتسريع مشروعات النقل الجماعي، إلى جانب تحسين الربط بين المناطق السكنية ومراكز العمل.

كما تبرز أهمية تطوير التخطيط الحضري للحد من الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة، وتوفير بدائل أكثر كفاءة واستدامة.

 

تراجع التعليم وضغوط الرعاية الصحية

 

يعاني النظام التعليمي الإسرائيلي تراجعاً في مستويات التحصيل، ظهر في نتائج الاختبارات الوطنية، بالتزامن مع استمرار الفوارق بين المدارس في المناطق المركزية والأطراف.

وتستدعي هذه الأوضاع تحديث المناهج وأساليب التدريس، وتحسين تأهيل المعلمين، ومراجعة سياسات الأجور والحوافز المهنية، فضلاً عن توجيه موارد إضافية إلى المؤسسات الأقل حظاً.

 

وتتجاوز تداعيات التفاوت التعليمي حدود المدارس، إذ تؤثر على فرص الالتحاق بسوق العمل ومستويات الإنتاجية المستقبلية، ما يجعل إصلاح المنظومة جزءاً من متطلبات النمو الاقتصادي.

وفي القطاع الطبي، تتزايد الضائقة المالية لدى المستشفيات ومؤسسات الرعاية، بالتوازي مع انتقال أطباء وكوادر متخصصة للعمل خارج البلاد.

 

ويثير استمرار هذه الظاهرة مخاوف بشأن تراجع جودة الخدمات وإطالة فترات الانتظار، خصوصاً في المناطق التي تعاني نقصاً في التجهيزات والموارد البشرية.

وتحتاج المؤسسات العلاجية إلى مصادر تمويل مستقرة، وتحسين ظروف العمل، وتوفير حوافز تحد من هجرة الكفاءات، لضمان استمرارية الخدمات وتلبية الطلب المتزايد عليها.

استحقاقات ثقيلة بعد الانتخابات

 

تجد الحكومة الإسرائيلية المقبلة نفسها أمام مجموعة من الملفات المترابطة، تتطلب قرارات تتجاوز المعالجات قصيرة الأجل، في ظل استمرار آثار الحروب على الخزينة العامة ومستويات المعيشة.

وتتمثل الأولويات في إقرار موازنة قابلة للتنفيذ، واحتواء ارتفاع المديونية، وإعادة النظر في المخصصات الدفاعية والائتلافية، بالتوازي مع توفير التمويل اللازم للمرافق الحيوية.

 

وتبقى قدرة السلطات على تجاوز هذه المرحلة مرتبطة بإصلاحات مالية وإدارية، وتحسين بيئة الاستثمار، واستعادة ثقة الأسواق، مع تجنب تحميل القطاعات المدنية كامل تبعات الإنفاق العسكري.

وبين متطلبات الأمن والحاجات الاجتماعية، تتحدد ملامح المرحلة الاقتصادية المقبلة، وسط تساؤلات بشأن قدرة أي ائتلاف حاكم على معالجة الاختلالات المتراكمة، ومنع تحول الأعباء الحالية إلى أزمة مالية ممتدة.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7

اقرأ أيضاً