الليرة تتراجع والأسعار تلاحقها.. هل تنقذ "الدولرة" القدرة الشرائية للسوريين؟

2026.10.27 - 15:33
Facebook Share
طباعة

الليرة تحت الضغط
تعود تقلبات سعر الصرف إلى واجهة المشهد الاقتصادي في سوريا، مع تراجع قيمة الليرة أمام الدولار خلال الأسابيع الأخيرة، وسط مخاوف من انعكاس هذا المسار على أسعار السلع وتكاليف الإنتاج والقدرة الشرائية للأسر. وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية، يبرز مقترح اعتماد الدولار مرجعاً لتسعير السلع والأجور بوصفه أحد الخيارات المطروحة للحد من التعديلات المتكررة في الأسعار، لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشاً أوسع حول جدواه ومخاطره في اقتصاد يعاني اختلالات نقدية وإنتاجية متراكمة.
وسجل سعر الدولار في السوق الموازية، الثلاثاء، نحو 143.75 ليرة للشراء و144.50 ليرة للمبيع، مقارنة بنحو 137.65 ليرة للشراء و138.40 ليرة للمبيع في مطلع الشهر. ووفق هذه الأرقام، فقدت الليرة أكثر من 4% من قيمتها مقابل الدولار على أساس سعر الشراء خلال الفترة المذكورة، ما يعيد تسليط الضوء على سرعة انتقال تقلبات سوق الصرف إلى تكاليف المعيشة.


مقترح الدولرة
يقوم مقترح دولرة الأسعار على تحديد قيمة السلع بالدولار، مع إتاحة الدفع بالدولار أو بالليرة وفق سعر الصرف المعتمد وقت الشراء. ويرى مؤيدو هذا التوجه أن اعتماد وحدة تسعير أكثر استقراراً قد يساعد المنشآت التجارية والإنتاجية على احتساب تكاليفها وإيراداتها بوضوح أكبر، بدلاً من تعديل الأسعار بالليرة مع كل تغير في سعر الصرف.
ويمتد الطرح إلى الأجور أيضاً، إذ يرى مؤيدوه أن ربط الرواتب بالدولار قد يحد من تآكل قيمتها الحقيقية عندما تتراجع العملة المحلية، ويساعد في الحفاظ على قدرة المستهلكين على شراء السلع والخدمات.
لكن خبراء اقتصاد يشيرون إلى أن تثبيت الأسعار بالدولار لا يعني بالضرورة تثبيت تكاليف المعيشة، خصوصاً إذا كانت دخول الأسر تُدفع بالليرة أو إذا لم ترتفع الأجور بما يتناسب مع تكاليف الإنفاق. فالحماية الفعلية للقدرة الشرائية لا تتوقف على العملة المستخدمة في التسعير، بل ترتبط أيضاً بمستوى الدخل واستقرار الأسعار وتوافر السلع.


التضخم متعدد الأسباب
لا يمكن تفسير ارتفاع الأسعار في سوريا بتراجع سعر الصرف وحده؛ إذ تتداخل معه تكاليف استيراد الغذاء والوقود، وأجور النقل والخدمات، وأسعار الطاقة، ومدى توافر المواد الأولية، فضلاً عن حجم الإنتاج المحلي ومستوى المنافسة في الأسواق.
وفي هذا السياق، أشار تقرير لصندوق النقد الدولي صدر في 3 آب/أغسطس 2026 إلى تجدد الضغوط التضخمية خلال العام، مدفوعة بعوامل من بينها ارتفاع أسعار الواردات، ولا سيما الوقود والغذاء، إلى جانب زيادة الطلب المحلي وتكاليف الخدمات والسكن.
وتوضح هذه العوامل أن تغيير آلية التسعير وحدها لا يعالج جذور التضخم، إذ قد تبقى الأسعار مرتفعة حتى لو استقرت قيمتها بالدولار، إذا ظلت تكاليف الإنتاج والاستيراد مرتفعة أو استمر نقص المعروض في الأسواق.


هل ترفع الدولرة الطلب على الدولار؟
يثير المقترح تساؤلات بشأن أثره في سوق الصرف، ولا سيما إذا توسع استخدام الدولار في المعاملات اليومية. ويذهب مؤيدو الفكرة إلى أن التسعير بالدولار لا يؤدي تلقائياً إلى ارتفاع سعره، معتبرين أن النتيجة تتوقف على كيفية تسوية المدفوعات واستخدام الإيرادات.
فعلى سبيل المثال، إذا بلغ سعر سلعة 144 ألف ليرة، بما يعادل عشرة دولارات وفق سعر الصرف المفترض، يمكن للمستهلك دفع قيمتها بأي من العملتين. لكن الأثر الفعلي في سوق الصرف يعتمد على ما إذا كان البائع سيحتفظ بالدولارات، أو يحول الليرات إلى الدولار لاحقاً لتمويل الاستيراد، وعلى حجم الطلب الإجمالي على العملات الأجنبية ومصادر عرضها.
وبالتالي، لا تكفي المقارنة الحسابية بين قيمة السلعة بالليرة وما يعادلها بالدولار للجزم بأن الدولرة لن تؤثر في سعر الصرف. فالتأثير يتحدد وفق سلوك المستهلكين والتجار، والسياسة النقدية، وحجم التدفقات الدولارية، ومدى اعتماد الاقتصاد على السلع المستوردة.


مخاطر اجتماعية وتنظيمية
قد يؤدي اعتماد الدولار وحدةً للتسعير إلى تسهيل المقارنة بين الأسعار وتكاليف الاستيراد، لكنه قد يطرح تحديات إضافية، خصوصاً للفئات التي تتقاضى أجورها بالليرة ولا تملك دخلاً مرتبطاً بالعملة الأميركية.
كما أن تقلب سعر الصرف بين لحظة الإعلان عن السعر ووقت الدفع قد يخلق إشكالات للمستهلكين، في حين أن اتساع التعامل بالدولار يتطلب قواعد واضحة تحدد سعر التحويل وآلية الإعلان عن الأسعار وحقوق المستهلكين، فضلاً عن الرقابة على الممارسات الاحتكارية والتلاعب بالأسعار.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين استخدام الدولار مرجعاً حسابياً للتسعير وبين اعتماده وسيلة دفع على نطاق واسع؛ فلكل خيار انعكاساته النقدية والتنظيمية، ولا يمكن تقييمهما باعتبارهما إجراءً واحداً.


ما الذي يضمن استقرار الأسعار؟
يرتبط نجاح أي سياسة تهدف إلى الحد من الغلاء بقدرتها على معالجة أسباب التضخم، وليس فقط تغيير العملة التي تُكتب بها الأسعار. ويتطلب ذلك تعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين توافر السلع الأساسية، وتخفيف اختناقات الاستيراد والنقل، واتباع سياسات نقدية أكثر قابلية للتوقع، إلى جانب إجراءات تساعد على تحسين الدخول وفرص العمل.
كذلك، يحتاج أي توجه نحو الدولرة إلى دراسة آثاره على توزيع الدخل، والسيولة المتاحة لدى الأسر والمنشآت، وقدرة السلطات على مراقبة الأسواق. فدون هذه الضوابط، قد تتحول الدولرة إلى آلية لتكيّف التجار مع تقلبات الليرة، من دون أن تحقق تحسناً ملموساً في مستوى معيشة المواطنين.


التسعير لا يكفي لإنقاذ الرواتب
تطرح دولرة الأسعار في سوريا خياراً مثيراً للجدل في مواجهة تقلبات سعر الصرف وتراجع القدرة الشرائية، لكنها لا تمثل حلاً تلقائياً للتضخم أو ضمانة لحماية الرواتب. فقد تساعد على تقليل التعديلات المتكررة في الأسعار بالليرة، إلا أن أثرها يبقى محدوداً إذا استمرت تكاليف الاستيراد والإنتاج في الارتفاع، وظلت الأجور بعيدة عن متطلبات المعيشة.
وفي المحصلة، لا يُقاس نجاح أي سياسة نقدية بالعملة التي تُعرض بها الأسعار، بل بقدرتها على تحقيق استقرار فعلي في الأسواق، وحماية الدخول، وتحسين توافر السلع. ومن دون معالجة الاختلالات النقدية والإنتاجية، قد تغيّر الدولرة طريقة عرض الأسعار، لكنها لن تنهي وحدها دوامة الغلاء وتآكل الرواتب. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 10

اقرأ أيضاً