مقدمة: تحركات ميدانية تتجاوز الحسابات الأمنية
لم تعد التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري مجرد إجراءات عسكرية مرتبطة بالتطورات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، بل تحولت إلى أحد أبرز الملفات التي ستحدد طبيعة العلاقة بين دمشق وتل أبيب، وحدود قدرة الدولة السورية على استعادة سيادتها على أراضيها، وشكل الترتيبات الأمنية التي يجري التفاوض بشأنها برعاية أميركية.
فمنذ سقوط النظام السابق، وسّعت إسرائيل انتشارها العسكري داخل المنطقة التي كانت خاضعة لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، ونفذت عمليات توغل ومداهمات، وأقامت نقاطاً عسكرية وحواجز، بالتوازي مع ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية سورية في مناطق مختلفة. وبررت إسرائيل هذه التحركات باعتبارات أمنية، وبالحاجة إلى منع تشكل تهديدات جديدة على حدودها، فيما اعتبرت دمشق أن استمرارها يمثل انتهاكاً للسيادة السورية وللترتيبات الدولية القائمة.
وتزامنت هذه التطورات مع استئناف الاتصالات الأمنية بين الجانبين بوساطة أميركية، ما كشف عن مسارين متوازيين: تحركات ميدانية تسعى إسرائيل من خلالها إلى فرض واقع أمني جديد، ومفاوضات تحاول دمشق توظيفها لاستعادة الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية، ووقف الضربات والتوغلات، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
وبحلول شباط/فبراير 2026، لم يكن أي من المسارين قد حسم النتيجة النهائية. فإسرائيل لم تعلن التزاماً واضحاً بالانسحاب الكامل إلى المواقع التي كانت تنتشر فيها قبل كانون الأول/ديسمبر 2024، فيما تمسكت دمشق بالانسحاب واحترام اتفاق 1974 بوصفهما أساساً لأي ترتيب أمني مستدام.
ومن هنا، لا يتمثل السؤال الأساسي في مدى قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بوجودها العسكري الحالي فحسب، بل في ما إذا كانت هذه التحركات ستبقى إجراءات ميدانية قابلة للتراجع، أم ستتحول إلى واقع طويل الأمد يفرض على سوريا التعامل مع قيود أمنية وجغرافية جديدة.
أولاً: اتفاق 1974 والمنطقة العازلة
لفهم التطورات الحالية، لا بد من العودة إلى اتفاق فض الاشتباك الموقع بين سوريا وإسرائيل في 31 أيار/مايو 1974، عقب حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973. فقد وضع الاتفاق ترتيبات لفصل القوات، وحدد منطقة عازلة بين الجانبين، إلى جانب مناطق تتضمن قيوداً على القوات والأسلحة، وأسند إلى الأمم المتحدة مهمة مراقبة تنفيذ التفاهمات عبر قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف».
لم يكن الاتفاق معاهدة سلام، بل إطاراً عسكرياً هدفه منع تجدد المواجهات وتنظيم الانتشار على جانبي خط وقف إطلاق النار. وعلى مدى عقود، شكّل هذا الإطار أساساً للاستقرار النسبي على الجبهة السورية الإسرائيلية، رغم استمرار احتلال إسرائيل للجولان السوري منذ عام 1967، وعدم تسوية النزاع السياسي بين الطرفين.
لكن سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 فتح مرحلة مختلفة. فقد أعلنت إسرائيل أن الترتيبات السابقة لم تعد كافية لضمان أمنها، وتقدمت قواتها إلى المنطقة العازلة ومواقع داخل الأراضي السورية، فيما تحدث مسؤولون إسرائيليون عن ضرورة استمرار الوجود العسكري في مواقع استراتيجية، بينها منطقة جبل الشيخ.
في المقابل، تمسكت دمشق باستمرار العمل باتفاق 1974، ورفضت أن يؤدي تغير السلطة في سوريا إلى إلغاء التفاهمات التي تنظم الوضع العسكري في الجنوب. كما أن وجود قوة أممية لمراقبة فض الاشتباك لا يمنح إسرائيل حقاً مفتوحاً في إعادة رسم خطوط انتشارها، بل إن مهمة القوة ترتبط بمراقبة الفصل بين القوات والالتزام بالقيود العسكرية المتفق عليها.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن الخلاف لا يتعلق فقط بمساحة الأرض التي دخلتها القوات الإسرائيلية، بل أيضاً بالقاعدة التي ستُدار على أساسها الحدود مستقبلاً: هل تبقى خاضعة لترتيبات دولية معروفة، أم تتحول إلى منطقة تفرض إسرائيل فيها قواعد جديدة من طرف واحد؟
ثانياً: القنيطرة والجولان… الجغرافيا في قلب الحسابات
تحتل محافظة القنيطرة موقعاً أساسياً في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، بسبب قربها من الجولان المحتل، وامتدادها على مناطق مرتفعة وممرات تسمح بمراقبة التحركات على جانبي خط الفصل. كما أن بعض بلداتها وقراها تقع بالقرب من المنطقة العازلة، ما يجعل أي تغيير في الانتشار العسكري ذا انعكاسات مباشرة على حياة السكان وعلى قدرة المؤسسات السورية على أداء مهامها.
ولم يقتصر النشاط الإسرائيلي على تثبيت وجود عسكري داخل المنطقة العازلة، بل شمل توغلات في مناطق من ريف القنيطرة ودرعا، وإقامة حواجز مؤقتة، وتفتيش منازل أو مركبات، واحتجاز أشخاص خلال عمليات ميدانية، بحسب تقارير إخبارية سورية ودولية.
وفي 29 كانون الثاني/يناير 2026، أفادت تقارير بأن القوات الإسرائيلية قصفت مناطق زراعية في ريفي درعا الغربي والقنيطرة الشمالي، من دون الإبلاغ عن وقوع إصابات. وجاء ذلك بعد أسابيع من الإعلان عن تفاهم أمني برعاية الولايات المتحدة، ما أظهر أن استئناف الاتصالات لم يؤدِّ تلقائياً إلى وقف العمليات الميدانية.
وتكتسب هذه التحركات أبعاداً تتجاوز السيطرة على نقاط محددة. فوجود القوات على المرتفعات والممرات الحساسة يتيح مراقبة الحركة في مناطق واسعة، ويمنحها قدرة على التدخل السريع، فيما تؤدي الحواجز والتوغلات المتكررة إلى خلق حالة من عدم اليقين لدى السكان المحليين.
كذلك، فإن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي قرب القرى والأراضي الزراعية يطرح تحديات تتصل بحرية الحركة والعمل الزراعي، ويثير مخاوف من أن تتحول الإجراءات التي توصف بأنها أمنية ومؤقتة إلى ترتيبات دائمة بفعل مرور الوقت وتغير الوقائع على الأرض.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الوجود العسكري داخل المنطقة العازلة، والتوغلات في مناطق أخرى من الجنوب، وبين السيطرة على الجولان المحتل منذ عام 1967. فهذه ملفات مترابطة، لكنها ليست متطابقة من الناحية القانونية أو العسكرية، ولا يصح التعامل معها على أنها وضع واحد.
ثالثاً: ما الأهداف الإسرائيلية المعلنة؟
تقدم إسرائيل تحركاتها في الجنوب السوري باعتبارها إجراءات لحماية أمنها ومنع تهديدات محتملة من الأراضي السورية. وتشمل مبرراتها المعلنة منع تمركز جماعات مسلحة تعتبرها خطراً، والحفاظ على منطقة تفصل بين القوات، ومراقبة التطورات داخل سوريا، إضافة إلى تصريحات تتعلق بحماية الدروز في الجنوب.
لكن الإشكالية تكمن في اتساع مفهوم الأمن الذي تستند إليه إسرائيل، وفي عدم وضوح الحدود الزمنية والجغرافية لوجودها العسكري. فالإجراء الأمني المحدود يفترض أن يرتبط بتهديد محدد، وأن يكون متناسباً معه، وأن يخضع لمراجعة واضحة. أما استمرار الانتشار العسكري، وإقامة مواقع ثابتة، وتكرار عمليات التوغل، فيطرح أسئلة بشأن ما إذا كانت الغاية تقتصر على منع تهديدات مباشرة، أم تتضمن السعي إلى فرض ترتيبات جديدة على سوريا.
وفي هذا السياق، أثارت التصريحات الإسرائيلية المتعلقة بنزع السلاح من أجزاء واسعة من جنوب سوريا خلافاً جوهرياً مع دمشق. فإسرائيل لا تكتفي بالمطالبة بإبعاد تهديدات محددة عن حدودها، بل طرحت شروطاً تتعلق بطبيعة الوجود العسكري السوري في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء.
وبالنسبة إلى دمشق، فإن قبول قيود واسعة ودائمة على انتشار الجيش السوري في أراضي الدولة قد يفتح الباب أمام تكريس نطاق أمني مفروض من الخارج، ويحد من قدرة المؤسسات السورية على استعادة سلطتها. أما من وجهة النظر الإسرائيلية، فتُقدَّم هذه المطالب باعتبارها ضمانات لمنع نشوء تهديدات مستقبلية.
وهنا يظهر جوهر الخلاف: هل يجري التفاوض على ترتيبات متبادلة ومحددة لضبط الحدود، أم على صيغة تمنح أحد الطرفين قدرة مستمرة على تحديد طبيعة الانتشار العسكري للطرف الآخر؟
ولا يمكن الجزم بأن جميع التحركات الإسرائيلية تنطلق من هدف واحد، لكن استمرار الوجود العسكري من دون جدول زمني واضح للانسحاب يترك الباب مفتوحاً أمام تثبيت وقائع جديدة، بصرف النظر عن النوايا المعلنة.
رابعاً: التفاوض الأمني… فرصة لخفض التصعيد أم إدارة للواقع القائم؟
في 5 كانون الثاني/يناير 2026، أُعلن عن استئناف المحادثات الأمنية بين سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية، بعد توقف استمر أشهراً. وركزت المحادثات على إحياء ترتيبات اتفاق 1974، ومناقشة انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق، إلى جانب مطالب سورية بوقف الضربات والتوغلات وضمان احترام السيادة السورية.
وأفادت تقارير بأن دمشق شددت على أن الانسحاب من الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد كانون الأول/ديسمبر 2024 يمثل مطلباً أساسياً، بينما تمسكت إسرائيل بضمانات أمنية، شملت مطالب تتعلق بنزع السلاح من مناطق في الجنوب وحماية بعض المكونات المحلية. ولم يظهر في تلك المرحلة اتفاق معلن يحسم الخلاف بشأن الانسحاب الكامل أو يحدد جدولاً زمنياً ملزماً لتنفيذه.
وفي 6 كانون الثاني/يناير، اتفقت سوريا وإسرائيل، خلال محادثات برعاية أميركية في باريس، على إنشاء آلية اتصال مشتركة بإشراف الولايات المتحدة، لتسهيل تبادل المعلومات والتنسيق بشأن خفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي، إلى جانب بحث فرص تعاون تجاري. وقدمت واشنطن الآلية باعتبارها وسيلة لإدارة التوتر وتجنب سوء التقدير بين الطرفين.
لكن إنشاء قناة اتصال لا يعني التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الأرض أو الانتشار العسكري. فهذه الآلية قد تساعد في معالجة الحوادث الطارئة، وتحديد قنوات التواصل، ومنع تحول احتكاك محدود إلى مواجهة أوسع، لكنها لا تحسم وحدها مسألة الانسحاب أو حدود المنطقة العازلة أو القيود المفروضة على القوات السورية.
وتواجه المفاوضات أيضاً مشكلة اختلاف الأولويات. فدمشق تسعى إلى تثبيت مبدأ الانسحاب واستعادة السيطرة على الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية، فيما تريد إسرائيل ترتيبات تمنحها هامشاً واسعاً لمراقبة الوضع الأمني في الجنوب. وقد تسمح هذه الفجوة بالتوصل إلى تفاهمات جزئية، لكنها تجعل الاتفاق الشامل أكثر تعقيداً.
وتكمن المخاطرة في أن تتحول المفاوضات، إذا طال أمدها من دون نتائج قابلة للتحقق، إلى غطاء لاستمرار الوضع الميداني القائم. فكلما طال بقاء القوات في مواقعها، ازدادت الحاجة إلى معالجة تفاصيل الانسحاب وإعادة الانتشار، وأصبح التراجع عن الوقائع الجديدة أكثر ارتباطاً بحسابات عسكرية وسياسية.
خامساً: الدور الأميركي وحدود الوساطة
تمتلك الولايات المتحدة أدوات تأثير مهمة في هذا الملف، بحكم علاقاتها الوثيقة بإسرائيل، ودورها في الاتصالات مع القيادة السورية الجديدة، وقدرتها على توفير إطار سياسي وأمني للمفاوضات. وقد أظهرت رعاية واشنطن للمحادثات في باريس وإنشاء آلية الاتصال المشتركة استعدادها للاضطلاع بدور مباشر في منع التصعيد.
لكن نجاح الوساطة لا يتوقف على جمع الطرفين إلى طاولة واحدة، بل على قدرتها على تحويل التفاهمات العامة إلى التزامات محددة. فالاتفاق القابل للتطبيق يحتاج إلى تعريف واضح للمناطق المعنية، وجدول زمني للانسحاب، وآليات مراقبة، وإجراءات للتعامل مع الخروقات، فضلاً عن ضمان عدم استخدام الترتيبات الأمنية ذريعة لتوسيع الوجود العسكري.
ويظهر هنا تباين بين هدفين أميركيين محتملين: منع اندلاع مواجهة جديدة على الحدود السورية الإسرائيلية، ودعم استقرار سوريا ومؤسساتها. وقد يتقاطع الهدفان إذا أدت الوساطة إلى إعادة العمل باتفاق 1974 وخفض التوتر. لكنهما قد يدخلان في تعارض إذا جرى التركيز على التهدئة وحدها، من دون معالجة مسألة الوجود العسكري داخل الأراضي السورية.
ومن المهم أيضاً عدم افتراض أن واشنطن قادرة وحدها على فرض تسوية نهائية. فالتأثير الأميركي يتوقف على استعداد الأطراف للاستجابة، وعلى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام نفوذها السياسي للضغط من أجل تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. وإذا بقيت الضمانات عامة وغير مرتبطة بآليات تحقق، فقد تظل نتائج الوساطة محدودة.
لذلك، فإن المعيار الحقيقي لفاعلية الدور الأميركي لا يتمثل في عدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة، بل في حدوث تغييرات ميدانية يمكن التحقق منها، وانخفاض التوغلات، ووقف الإجراءات التي تعيق الحياة اليومية للسكان، ووجود مسار واضح لمعالجة الخلافات.
سادساً: السيادة السورية والخيارات المتاحة أمام دمشق
تواجه الحكومة السورية معادلة صعبة. فمن جهة، تتمسك بحق الدولة في استعادة سيادتها على أراضيها ورفض فرض ترتيبات دائمة من خارج المؤسسات الوطنية. ومن جهة أخرى، تحتاج سوريا إلى تجنب مواجهة عسكرية واسعة في مرحلة تتطلب إعادة بناء المؤسسات وتحسين الوضع الاقتصادي واستعادة الاستقرار الداخلي.
ويجعل هذا الواقع الخيارات المتاحة أمام دمشق مرتبطة بقدرتها على الجمع بين التحرك الدبلوماسي، وتثبيت المرجعيات القانونية، وتعزيز مؤسسات الدولة، والحفاظ على قنوات التواصل التي تمنع التصعيد غير المقصود.
أول هذه الخيارات هو مواصلة التفاوض على أساس واضح يستند إلى اتفاق 1974، مع المطالبة بجدول زمني محدد للانسحاب، وربط أي ترتيبات إضافية بضمانات متبادلة ومحددة، لا بتنازلات مفتوحة بشأن طبيعة الوجود العسكري السوري في الجنوب.
والخيار الثاني هو توثيق الانتهاكات والحوادث الميدانية، والاستفادة من المؤسسات الدولية وآليات الأمم المتحدة لعرض الوقائع والمطالبة بتنفيذ الاتفاقات القائمة. فالتوثيق المنتظم للتوغلات والاعتقالات والأضرار التي تلحق بالممتلكات والأراضي الزراعية يمكن أن يوفر أساساً للمساءلة الدبلوماسية والقانونية، ويمنع بقاء النزاع محصوراً في روايات متعارضة.
أما الخيار الثالث، فيتعلق بتعزيز حضور مؤسسات الدولة المدنية والخدمية في الجنوب، بما يساعد على تقليل الفراغ الإداري والأمني، ويعزز ثقة السكان بقدرة الدولة على حماية حقوقهم ومصالحهم. ولا يعني ذلك أن المؤسسات المدنية تستطيع وحدها إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي، لكنها تشكل جزءاً أساسياً من استعادة السيادة بصورة مستدامة.
وفي المقابل، فإن الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة، في ظل اختلال موازين القوة، يحمل مخاطر كبيرة على السكان والبنية التحتية وعلى مسار إعادة بناء الدولة. ولا يعني تجنب التصعيد التخلي عن الحقوق السورية، بل يضع أولوية لمنع اتساع الخسائر، مع استمرار المطالبة بالانسحاب واستخدام الأدوات السياسية والقانونية المتاحة.
وتبقى قدرة دمشق على التحرك مرتبطة أيضاً بالوضع الداخلي، وبمدى توحيد القرار المؤسسي، وبوجود موقف سوري واضح من طبيعة الترتيبات المقبولة والمرفوضة. فالغموض في تحديد الأهداف النهائية قد يمنح الأطراف الأخرى مساحة أوسع لفرض شروطها خلال التفاوض.
سابعاً: الردع الإقليمي ومخاطر تثبيت منطقة نفوذ
لا يمكن فصل التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري عن البيئة الإقليمية الأوسع. فإسرائيل تنظر إلى التغيرات في سوريا من زاوية أمن الحدود وموازين القوى، فيما تسعى دمشق إلى منع تحول ضعف الدولة خلال المرحلة الانتقالية إلى مدخل لفرض قيود دائمة على سيادتها.
وفي هذا السياق، لا يقتصر مفهوم الردع على امتلاك القوة العسكرية، بل يشمل أيضاً وضوح الخطوط السياسية، ووجود مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات، وتماسك الموقف الداخلي، وتوفر قنوات اتصال تمنع سوء التقدير. كما يرتبط الردع بمدى اقتناع الطرف الآخر بأن استمرار التحركات الميدانية ستكون له كلفة سياسية ودبلوماسية، وأن التفاهمات لا تمنحه حرية التصرف من طرف واحد.
أما إذا بقيت الحدود بين الإجراءات المؤقتة والترتيبات الدائمة غير واضحة، فقد تنشأ منطقة نفوذ غير معلنة، تقوم على انتشار عسكري مستمر وقيود أمنية مفروضة على الجانب السوري، من دون اتفاق شامل يحدد حقوق كل طرف والتزاماته.
ولا يعني ذلك أن هذا المسار حتمي، لكنه أحد الاحتمالات التي تثيرها الفجوة بين الخطاب الإسرائيلي الذي يركز على الأمن، والموقف السوري الذي يشدد على الانسحاب والسيادة. ويظل منع ترسيخ هذا الواقع مرتبطاً بوجود مرجعية واضحة للمفاوضات، وبآليات تنفيذ ومراقبة لا تكتفي بإدارة الحوادث بعد وقوعها.
كما أن أي تصعيد في الجنوب قد يتجاوز حدوده المحلية، خصوصاً إذا أدى إلى سقوط ضحايا أو توسع العمليات العسكرية أو تدخل أطراف إقليمية. ولهذا، فإن خفض التصعيد لا يمثل بديلاً عن معالجة الخلاف الأساسي، بل خطوة ضرورية لتوفير الظروف التي تسمح بالتفاوض من دون فرض نتائج بالقوة.
ثامناً: السكان المحليون بين الاعتبارات الأمنية والحقوق اليومية
غالباً ما تتركز النقاشات حول الجنوب السوري على خطوط الانتشار والمواقع العسكرية، فيما يتحمل السكان المحليون جانباً مباشراً من تبعات التوغلات والإجراءات الميدانية. فالحواجز والتفتيش والاعتقالات والقيود على الحركة، إلى جانب الأضرار التي قد تلحق بالأراضي الزراعية، تؤثر في الحياة اليومية وتزيد من حالة عدم اليقين.
وتزداد أهمية هذا الجانب في المناطق التي تعتمد على الزراعة أو ترتبط حركة سكانها بطرق محلية تمر بالقرب من المواقع العسكرية. كما أن استمرار العمليات من دون آليات واضحة لتلقي الشكاوى ومعالجة الأضرار قد يعمق شعور السكان بأن ترتيبات الأمن تُفرض عليهم من دون ضمانات كافية لحماية حقوقهم.
وتتصل هذه المسألة أيضاً بملف الدروز في السويداء، الذي استُخدم ضمن المبررات الإسرائيلية المعلنة لبعض التحركات. غير أن حماية حقوق أي مكون سوري ينبغي ألا تتحول إلى أساس لتكريس وجود عسكري خارجي أو التدخل الدائم في الشؤون الداخلية. فحقوق السكان وحمايتهم مسؤولية ترتبط بالقانون وبمؤسسات الدولة، ولا تُحسم بمجرد إعلان طرف خارجي أنه يتحرك نيابة عنهم.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الدولة السورية إلى معالجة المخاوف المحلية عبر ضمان الأمن والحقوق والمشاركة السياسية، ومنع التمييز أو الانتقام، وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات والمؤسسات. فوجود دولة قادرة على حماية مواطنيها يشكل عاملاً أساسياً في تقليص الذرائع التي يمكن استخدامها لتبرير تدخلات خارجية.
تاسعاً: سيناريوهات المرحلة المقبلة
حتى نهاية شباط/فبراير 2026، يمكن تحديد ثلاثة مسارات عامة من دون الجزم بأي منها.
يتمثل المسار الأول في التوصل إلى ترتيبات أمنية أكثر وضوحاً، تقوم على إعادة تفعيل اتفاق 1974، وتحديد خطوات للانسحاب، وتعزيز دور الأمم المتحدة، وتفعيل آلية الاتصال الأميركية السورية الإسرائيلية. ومن شأن ذلك أن يخفف التوتر ويعيد تنظيم الانتشار العسكري، لكنه يتطلب التزامات قابلة للتحقق، لا مجرد إعلان نيات.
أما المسار الثاني، فيتمثل في استمرار التفاوض بالتوازي مع بقاء القوات الإسرائيلية في مواقعها وتنفيذ توغلات متفرقة. وفي هذه الحالة، قد يستمر خفض التصعيد في بعض الفترات، من دون حل الخلاف الأساسي حول السيادة والانسحاب. ويظل هذا السيناريو محفوفاً بمخاطر تحول الوجود الذي يُقدَّم باعتباره مؤقتاً إلى واقع يصعب تغييره.
ويتمثل المسار الثالث في اتساع المواجهة نتيجة حادث ميداني أو انهيار الاتصالات أو تصاعد الضغوط المتبادلة. وقد يؤدي ذلك إلى توسيع نطاق العمليات، ورفع مستوى المخاطر على المدنيين، وتعقيد جهود إعادة بناء المؤسسات السورية.
ولا تسمح المعلومات المتاحة حتى نهاية شباط بتحديد أي مسار بوصفه نتيجة مؤكدة. لكن الفارق بين هذه الاحتمالات يرتبط بمدى وضوح شروط التفاوض، ووجود آليات تنفيذ، واستعداد الأطراف للامتناع عن اتخاذ خطوات أحادية تغير الواقع الميداني.
خاتمة: اختبار السيادة لا يقتصر على خطوط الانتشار
تكشف التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري عن خلاف يتجاوز الإجراءات العسكرية اليومية إلى مستقبل الحدود والترتيبات الأمنية ومفهوم السيادة بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا. فإسرائيل تتمسك بمبررات أمنية وبمطالب تتعلق بطبيعة الوجود العسكري السوري، فيما تصر دمشق على الانسحاب واحترام اتفاق 1974 ورفض فرض قيود دائمة على أراضيها.
وقد أتاح استئناف المحادثات في كانون الثاني/يناير 2026 فرصة لفتح قناة اتصال وتجنب التصعيد، لكنه لم ينهِ التناقضات الأساسية بين الطرفين. فآلية الاتصال المشتركة، مهما كانت أهميتها، لا تعادل اتفاقاً على الانسحاب، ولا تشكل بحد ذاتها ضمانة لوقف التوغلات أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل كانون الأول/ديسمبر 2024.
ويظل الاختبار الأساسي في المرحلة المقبلة هو قدرة المسار الدبلوماسي على إنتاج خطوات ميدانية واضحة، تشمل احترام ترتيبات فض الاشتباك، ووقف التوغلات، وتحديد مستقبل المواقع العسكرية، وتوفير ضمانات للسكان المحليين. كما يتوقف الأمر على مدى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام دورها الوسيط لدعم تنفيذ تفاهمات متوازنة، لا الاكتفاء بمنع المواجهة المباشرة.
بالنسبة إلى دمشق، لا ينحصر التحدي في استعادة السيطرة على مواقع محددة، بل في منع تحول المرحلة الحالية إلى نموذج دائم تُفرض فيه حدود السيادة السورية وفق اعتبارات أمنية يحددها طرف خارجي. أما بالنسبة إلى سكان الجنوب، فإن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمجرد غياب المواجهات الواسعة، بل بوجود قواعد واضحة تحمي الأرض وحرية الحركة والحقوق اليومية.
وبين المفاوضات والتحركات الميدانية، يبقى مستقبل الجنوب السوري مرتبطاً بما إذا كانت التفاهمات ستقود إلى إعادة تثبيت قواعد فض الاشتباك، أم ستترك المجال مفتوحاً أمام استمرار واقع أمني غير محسوم على حساب سيادة الدولة السورية.
مصادر مرجعية للمراجعة:
رويترز، 5 كانون الثاني/يناير 2026: استئناف المحادثات الأمنية السورية الإسرائيلية برعاية أميركية.
https://www.reuters.com/world/middle-east/syria-israel-resume-us-mediated-security-talks-2026-01-05/
الأناضول، 29 كانون الثاني/يناير 2026: قصف إسرائيلي لمناطق في ريفي درعا والقنيطرة.
https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israeli-shelling-hits-rural-areas-of-daraa-quneitra-in-southern-syria/3814686
الأمم المتحدة، نص اتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل لعام 1974.
https://peacemaker.un.org/en/node/9424
خدمة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف»: مهام القوة الأممية في الجولان.
https://peacekeeping.un.org/ar/mission/undof