الاتفاق مع قسد: هل تتجه سوريا نحو وحدة الدولة؟

خاص لآسيا | دراسة سياسية

2026.01.31 - 15:15
Facebook Share
طباعة

 مقدمة: اتفاق جديد بعد تعثر مسار الدمج

دخل ملف العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية مرحلة جديدة خلال كانون الثاني/يناير 2026، بعدما أدت المواجهات العسكرية في شمال البلاد وشرقها إلى تغيير واسع في خريطة السيطرة، ودفعت الطرفين إلى التوصل إلى تفاهمات جديدة بشأن وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية في إطار الدولة السورية.

وجاءت هذه التطورات بعد نحو عشرة أشهر من الاتفاق الذي وقّعه الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في 10 آذار/مارس 2025، والذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة، بما يشمل المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز، إلى جانب تأكيد وحدة الأراضي السورية وضمان حقوق المواطنين الكرد.

لكن الاتفاق الأول لم يُنفذ ضمن الجدول الزمني المحدد، وبقيت خلافات جوهرية قائمة بشأن شكل الدمج العسكري، ومستقبل الإدارة الذاتية، وتوزيع الصلاحيات، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات المحلية والسلطة المركزية. ومع تعثر المفاوضات، انتقل الملف تدريجياً من المسار التفاوضي إلى المواجهة الميدانية، قبل الإعلان عن اتفاق جديد في 18 كانون الثاني/يناير 2026، أعقبته تفاهمات إضافية في 30 كانون الثاني.

ويطرح هذا المسار سؤالاً يتجاوز مصير قوات سوريا الديمقراطية وحدها: هل تمهد الاتفاقات الجديدة لإعادة توحيد المؤسسات السورية ضمن دولة واحدة، أم أن الخلافات المتعلقة بالسلطة والإدارة والحقوق قد تعرقل تنفيذها؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد قراءة بنود الاتفاقات. فنجاحها يرتبط بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية وإدارية قابلة للتطبيق، ومعالجة المخاوف المحلية، وتحديد مصير الموارد الاستراتيجية، وضمان مشاركة السكان في إدارة شؤونهم.

 

أولاً: اتفاق آذار 2025 وأسباب تعثر التنفيذ

شكّل اتفاق 10 آذار/مارس 2025 أول إطار سياسي معلن بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية لتنظيم العلاقة بين الطرفين بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.

ونص الاتفاق على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة، بما يشمل المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز، إلى جانب ضمان حقوق السوريين في المشاركة السياسية ومؤسسات الدولة، والاعتراف بالمجتمع الكردي جزءاً من الدولة السورية، والتأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض التقسيم.

كما تضمّن الاتفاق بنداً يتعلق بعودة النازحين إلى مدنهم وقراهم وتأمين حمايتهم، وتشكيل لجان تنفيذية تعمل على تطبيق بنوده قبل نهاية عام 2025. <Cite refs={["turn498825search0"]}/>

وكان من المفترض أن يشكل الاتفاق أساساً لتسوية تدريجية تجمع بين استعادة مؤسسات الدولة سلطتها في شمال شرقي البلاد، ومعالجة وضع القوى العسكرية والإدارية التي نشأت خلال سنوات الصراع.

لكن تنفيذ الاتفاق واجه خلافات تتعلق بتفسير بنوده وآليات تطبيقها. فقد تمسكت الحكومة السورية بضرورة توحيد القرار العسكري والإداري تحت سلطة الدولة، فيما سعت قيادة قوات سوريا الديمقراطية إلى ضمانات تتعلق بمستقبل قواتها، وشكل تمثيلها في المؤسسات الجديدة، واستمرار بعض الخصائص الإدارية المحلية.

ولم يكن الخلاف محصوراً في المسائل العسكرية، بل شمل أيضاً طبيعة الإدارة المدنية، وتوزيع الصلاحيات بين دمشق والمناطق، وحقوق المكون الكردي، وآليات إدارة الموارد الاقتصادية.

كما أن الاتفاق لم يتضمن تفاصيل تنفيذية كافية لحسم جميع هذه المسائل، الأمر الذي جعل تطبيقه يعتمد على المفاوضات اللاحقة. ومع اقتراب نهاية عام 2025 من دون إنجاز عملية الدمج، بقيت المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية تعمل إلى حد كبير ضمن هياكلها القائمة، واستمر وجود قوات سوريا الديمقراطية باعتبارها قوة عسكرية مستقلة تنظيمياً عن وزارة الدفاع السورية.

وأدى تعثر التنفيذ إلى زيادة التوتر، خصوصاً مع استمرار الخلاف بشأن مستقبل المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ومطالب دمشق بإعادة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية.

وبذلك، تحوّل الاتفاق من إطار عام لتسوية سياسية إلى اختبار لقدرة الطرفين على التوافق حول تفاصيل توزيع السلطة والنفوذ، وهي مسائل لا يمكن حسمها بمجرد إعلان الالتزام بوحدة البلاد.

 

ثانياً: كانون الثاني 2026 وتغيير موازين السيطرة

شهدت الأسابيع الأولى من كانون الثاني/يناير 2026 تصعيداً عسكرياً بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، بدأ مع اندلاع مواجهات في حلب في 6 كانون الثاني، قبل أن يتوسع إلى مناطق أخرى في شمال البلاد وشرقها.

وأدت المواجهات إلى تقدم القوات التابعة للحكومة السورية في مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بما فيها مواقع استراتيجية وحقول نفط ومنشآت حيوية. كما فقدت القوات الكردية السيطرة على مساحات واسعة، واضطرت إلى الانسحاب من مناطق في محافظتي الرقة ودير الزور.

وفي 18 كانون الثاني، أعلن الرئيس أحمد الشرع توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار والدمج الكامل، تضمّن تسليم محافظتي الرقة ودير الزور إلى الحكومة السورية، ودمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة، وتسليم المعابر وحقول النفط والغاز إلى السلطات المركزية، ودمج عناصر قوات سوريا الديمقراطية في وزارتي الدفاع والداخلية على أساس فردي وبعد إجراء التدقيق الأمني اللازم. 

وتضمنت بنود الاتفاق أيضاً تعيين مرشح تقدمه قوات سوريا الديمقراطية لمنصب محافظ الحسكة، وقبول أسماء مرشحين لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية رفيعة في مؤسسات الدولة، إلى جانب ترتيبات تتعلق بمدينة عين العرب، وحقوق المواطنين الكرد، وملف السجون والمخيمات التي تضم معتقلي تنظيم داعش وأفراد عائلاتهم.

لكن الاتفاق لم ينهِ الخلافات بصورة فورية. فقد استمرت المخاوف بشأن آليات التنفيذ، كما تبادل الطرفان الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار، وسط دعوات أميركية إلى الالتزام بالتهدئة واستكمال المفاوضات.

وفي 20 كانون الثاني، أُعلن عن تفاهم يتعلق بمستقبل محافظة الحسكة، منح قوات سوريا الديمقراطية مهلة لإعداد خطة تفصيلية لدمج المناطق والمؤسسات، مع تأجيل دخول القوات السورية إلى مراكز الحسكة والقامشلي خلال فترة المشاورات وفق ما أعلنته الرئاسة السورية آنذاك. 

وأظهرت هذه التطورات أن الاتفاق السياسي كان يواجه صعوبة في التحول إلى ترتيبات ميدانية مستقرة، خصوصاً في ظل استمرار انعدام الثقة بين الطرفين، وتباين تصورهما لشكل الاندماج النهائي.

كما أثرت التغيرات الميدانية في موقع قوات سوريا الديمقراطية التفاوضي، بعدما خسرت مناطق كانت تشكل جزءاً أساسياً من نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري.

ومع ذلك، فإن تغير خريطة السيطرة لا يحسم وحده مستقبل العلاقة بين دمشق والمناطق الكردية، لأن استقرار الترتيبات الجديدة يتطلب معالجة المسائل الإدارية والأمنية والحقوقية التي بقيت عالقة.

 

ثالثاً: اتفاق 30 كانون الثاني وآليات الدمج الجديدة

في 30 كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار وتحديد آليات أكثر تفصيلاً لدمج المؤسسات العسكرية والمدنية في شمال شرقي البلاد.

وجاء الاتفاق بعد أسابيع من المواجهات، بهدف تثبيت التهدئة وتحديد خطوات عملية لإعادة تنظيم العلاقة بين الطرفين. وتضمنت بنوده انسحاب القوات من خطوط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، مع استمرار الشرطة المحلية الكردية في أداء مهامها وفق الترتيبات المعلنة.

كما نص الاتفاق على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات سوريا الديمقراطية في محافظة الحسكة، إلى جانب تشكيل لواء من قوات عين العرب ضمن فرقة تتبع لمحافظة حلب. وتقرر أن يجري دمج عناصر قوات سوريا الديمقراطية ضمن الألوية على أساس فردي وبعد التدقيق الأمني، فيما تتولى الدولة السيطرة على المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر. 

وتضمن الاتفاق دمج المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع الاحتفاظ بالموظفين المدنيين، إضافة إلى ترتيبات تتعلق بالحقوق المدنية والتعليمية للكرد وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.

ويعكس الاتفاق محاولة للجمع بين مطلب الحكومة السورية بإنهاء البنى العسكرية والإدارية المستقلة، ومطلب قوات سوريا الديمقراطية بالحصول على ضمانات تتعلق بمشاركة كوادرها واستمرار دور المؤسسات المحلية.

لكن تفاصيل التنفيذ ظلت بحاجة إلى استكمال. فالاتفاق لم يحسم بصورة نهائية جميع المسائل المتعلقة بالقيادة العسكرية، ووضع الوحدات النسائية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، وآليات دمج الأجهزة الأمنية المحلية، وتوزيع المسؤوليات بين الوزارات المركزية والإدارات المحلية.

كما أن الإعلان عن تشكيل ألوية عسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء عملية إعادة التنظيم. فالاندماج الفعلي يتطلب تحديد القيادات، وتنظيم الرواتب والتدريب والتسليح، وتوحيد سلاسل إصدار الأوامر، وإخضاع الوحدات لقواعد الانضباط والمحاسبة المعمول بها في الجيش السوري.

ومن جهة أخرى، يتطلب دمج المؤسسات المدنية تحديد أوضاع الموظفين، والمرجعيات الإدارية، والميزانيات، والأنظمة القانونية التي ستنظم عمل المدارس والبلديات والدوائر الخدمية.

وتكمن أهمية الاتفاق الجديد في أنه انتقل من المبادئ العامة التي تضمنها اتفاق آذار 2025 إلى طرح ترتيبات أكثر تحديداً بشأن القوات والمؤسسات. لكن نجاحه سيبقى مرتبطاً بمدى التزام الطرفين بتنفيذ هذه الترتيبات، وقدرتهما على حل الخلافات التي قد تظهر خلال التطبيق.

 

رابعاً: الجيش السوري وقسد بين وحدة القيادة والضمانات المحلية

يمثل مستقبل قوات سوريا الديمقراطية أحد أكثر الملفات حساسية في المفاوضات، لأن الخلاف لا يتعلق فقط بعدد المقاتلين الذين سينضمون إلى الجيش السوري، بل أيضاً بطريقة إدماجهم وطبيعة علاقتهم بالقيادة العسكرية المركزية.

تؤكد الحكومة السورية ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء وجود تشكيلات مسلحة مستقلة عن وزارة الدفاع. ويستند هذا الموقف إلى اعتبار أن احتكار الدولة لاستخدام القوة يمثل شرطاً أساسياً لقيام مؤسسات وطنية موحدة، ومنع ظهور مراكز قرار عسكرية موازية.

في المقابل، تسعى قيادة قوات سوريا الديمقراطية إلى ضمان عدم تهميش عناصرها بعد الدمج، وإلى الحفاظ على تمثيلها في المؤسسات العسكرية والأمنية، مع مراعاة الخصوصية المحلية للمناطق التي عملت فيها خلال سنوات الحرب.

ويبرز هنا الفرق بين دمج الأفراد ضمن الجيش ودمج التشكيلات بوصفها وحدات قائمة بذاتها. فالحكومة السورية أعلنت أن الدمج العسكري والأمني سيجري على أساس فردي بعد التدقيق الأمني، بينما نص اتفاق 30 كانون الثاني على تشكيل ألوية تضم عناصر من قوات سوريا الديمقراطية.

وهذا يطرح أسئلة عملية بشأن العلاقة بين الألوية الجديدة والقيادة المركزية، وحدود الاحتفاظ بهياكل تنظيمية سابقة، وطبيعة التعيينات القيادية، ومدى خضوع القوات لآليات موحدة للتدريب والمحاسبة.

كما أن نجاح الدمج يتطلب معالجة أوضاع المقاتلين بصورة واضحة، بما يشمل الرتب والرواتب والحقوق الوظيفية، وآليات التدقيق الأمني، والضمانات القانونية التي تحكم الخدمة العسكرية.

ولا يقل ملف الأمن الداخلي أهمية عن الملف العسكري. فوجود قوات محلية في الحسكة والقامشلي وعين العرب يرتبط بالحاجة إلى ضمان الاستقرار، ومعرفة هذه القوات بالبيئة الاجتماعية والمناطقية، لكنه يطرح في الوقت نفسه مسألة تحديد علاقتها بوزارة الداخلية وسلطات المحافظات.

ومن شأن عدم وضوح الصلاحيات أن يؤدي إلى ازدواجية في القرار الأمني، فيما قد يثير فرض ترتيبات من دون توافق محلي مخاوف بشأن التمثيل والثقة.

لذلك، فإن التحدي لا يتمثل فقط في دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري، بل في بناء منظومة أمنية وطنية تضمن وحدة القيادة، وتحافظ على حقوق الأفراد، وتخضع للقانون، وتمنع تكرار الانتهاكات.

 

خامساً: الإدارة الذاتية ومستقبل الصلاحيات المحلية

لا يقتصر الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية على الجانب العسكري، بل يشمل أيضاً مستقبل الإدارة المدنية التي نشأت في شمال شرقي سوريا خلال سنوات الصراع.

فقد طورت الإدارة الذاتية مؤسسات محلية لإدارة الخدمات والتعليم والبلديات والموارد، وأقامت هياكل إدارية وأمنية خاصة بها. ومع تقدم مسار الدمج، بات السؤال يتعلق بكيفية انتقال هذه المؤسسات إلى إطار الدولة، وما إذا كانت ستحتفظ ببعض صلاحياتها المحلية ضمن نظام إداري موحد.

وتؤكد الحكومة السورية أن المؤسسات المدنية يجب أن تخضع لسلطة الدولة، فيما تسعى أطراف كردية إلى ضمان مشاركة كوادرها في الإدارة، والحفاظ على دور المجالس المحلية، وعدم إلغاء المكتسبات الإدارية التي نشأت خلال السنوات الماضية.

ويتيح الاتفاق الجديد دمج المؤسسات المحلية ضمن مؤسسات الدولة مع الاحتفاظ بالموظفين المدنيين، لكن هذا البند لا يحسم وحده طبيعة الهيكل الإداري المستقبلي.

فمن الضروري تحديد المؤسسات التي ستنتقل إلى الوزارات المركزية، والصلاحيات التي ستبقى للمحافظات والبلديات، وآليات التعيين والمساءلة، وكيفية إدارة الميزانيات والموارد.

كما أن توحيد الأنظمة الإدارية يتطلب معالجة الفروق بين التشريعات والإجراءات التي كانت مطبقة في مناطق الإدارة الذاتية وتلك المعمول بها في بقية مؤسسات الدولة.

ويشمل ذلك قطاعات التعليم والصحة والسجل المدني والبلديات، إضافة إلى الاعتراف بالشهادات الدراسية وتنظيم أوضاع الموظفين والوثائق الرسمية.

وإذا لم تُعالج هذه التفاصيل بصورة واضحة، فقد يؤدي الدمج إلى اضطرابات إدارية تؤثر في الخدمات اليومية للسكان، أو إلى استمرار المؤسسات الموازية رغم الإعلان عن توحيدها.

أما إذا جرى التنفيذ وفق جدول زمني واضح، مع تحديد الصلاحيات وضمان استمرارية الخدمات، فقد يساهم ذلك في إعادة ربط المنطقة بالمؤسسات الوطنية وتخفيف الانقسام الإداري الذي نشأ خلال الحرب.

وتبقى اللامركزية أحد الملفات التي تحتاج إلى نقاش أوسع. فوجود صلاحيات إدارية محلية لا يعني بالضرورة تقسيم الدولة، كما أن توحيد المؤسسات لا يستلزم بالضرورة إدارة جميع التفاصيل اليومية من العاصمة. والمسألة الأساسية هي تحديد نموذج قانوني يضمن وحدة السيادة ويتيح إدارة فعالة لشؤون المناطق.

 

سادساً: النفط والغاز والمعابر والموارد الاقتصادية

تمثل الموارد الاقتصادية أحد أبرز جوانب الخلاف بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، نظراً إلى أهمية شمال شرقي البلاد في إنتاج النفط والغاز والزراعة، واحتوائه على معابر حدودية ومنشآت حيوية.

وقد نص اتفاق آذار 2025 على دمج المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز ضمن مؤسسات الدولة، فيما أكد اتفاق 18 كانون الثاني 2026 انتقال السيطرة على الموارد الاستراتيجية في الرقة ودير الزور وشمال شرقي البلاد إلى الحكومة السورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية اقتصادية ومالية، لأن السيطرة على الموارد تؤثر في قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة وإعادة الإعمار، كما تحدد طبيعة العلاقة بين المركز والمناطق المنتجة.

لكن تسليم المنشآت لا يمثل نهاية الملف الاقتصادي. إذ تحتاج إدارة النفط والغاز إلى ترتيبات تتعلق بالتشغيل والصيانة، والعائدات، وتوزيع الإيرادات، وتأمين المنشآت، وتحديد حصص المناطق المنتجة من الإنفاق العام.

كما أن إدارة المعابر تتطلب توحيد الإجراءات الجمركية، وتنظيم حركة التجارة والأفراد، وتحديد الجهات المسؤولة عن الأمن والتحصيل المالي، بما يمنع ازدواجية السلطات ويضمن انتظام حركة السلع.

وفي هذا السياق، يبرز معبر سيمالكا الحدودي مع إقليم كردستان العراق بوصفه أحد الملفات التي تحتاج إلى معالجة تفصيلية، نظراً إلى أهميته في حركة التجارة والتنقل والعلاقات بين المناطق الحدودية.

وقد أشار تقرير لوكالة رويترز في 30 كانون الثاني إلى أن الاتفاق الجديد لم يقدم تفصيلاً نهائياً لجميع المسائل المتعلقة بالمعابر، فيما أكد مسؤولون سوريون أن الدولة ستتولى إدارة المعابر الحدودية، مع استمرار الحاجة إلى مناقشة آليات التنفيذ. <Cite refs={["turn498825search2"]}/>

وتتصل إدارة الموارد أيضاً بمستقبل الموظفين العاملين في المؤسسات الاقتصادية، وبكيفية ضمان استمرار الإنتاج والخدمات خلال مرحلة الانتقال.

ومن المهم أن تُدار الإيرادات وفق قواعد شفافة، مع وجود رقابة مالية واضحة، لأن غياب الشفافية قد يفاقم التوترات المحلية ويثير خلافات حول توزيع العائدات.

وبذلك، فإن نجاح الدمج الاقتصادي لا يقاس فقط بانتقال السيطرة على المنشآت، بل بقدرة الدولة على تحويل الموارد إلى خدمات واستثمارات عامة، وبضمان استفادة السكان من النشاط الاقتصادي في مناطقهم.

 

سابعاً: الحقوق الكردية والتمثيل السياسي

يشكل ملف الحقوق الكردية أحد الأبعاد الأساسية للاتفاق، لأن العلاقة بين دمشق وشمال شرقي سوريا لا تتعلق فقط بالسلطة العسكرية والإدارية، بل أيضاً بموقع المكون الكردي في الدولة السورية.

وفي 16 كانون الثاني/يناير 2026، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 13 المتعلق بحقوق المواطنين الكرد، متناولاً مسائل الجنسية والحقوق الثقافية واللغوية والتعليمية، إلى جانب الاعتراف بنوروز عطلة رسمية. وجاء المرسوم في سياق المساعي الرامية إلى معالجة بعض القضايا التي ظلت موضع خلاف لعقود. <Cite refs=

ورحبت الإدارة الذاتية بهذه الخطوة، لكنها شددت على أهمية توفير ضمانات دستورية شاملة للحقوق، بما يضمن عدم ارتباطها بتدابير قابلة للتغيير وحدها.

ويعكس هذا الموقف الفرق بين الاعتراف بالحقوق عبر المراسيم والقرارات التنفيذية، وتثبيتها ضمن إطار دستوري وتشريعي دائم. فاستدامة الحقوق تتطلب قواعد قانونية واضحة، ومؤسسات قضائية قادرة على حمايتها، وآليات تتيح للمواطنين الاعتراض على القرارات التي تمسها.

كما أن التمثيل السياسي لا يقتصر على تعيين شخصيات كردية في مناصب حكومية، بل يشمل القدرة على المشاركة في صياغة السياسات العامة والتشريعات، وضمان تمثيل المناطق والمكونات في المؤسسات الوطنية.

وفي اتفاق 18 كانون الثاني، نصت البنود على تعيين مرشح لقوات سوريا الديمقراطية في منصب محافظ الحسكة، وتقديم مرشحين لشغل مواقع عسكرية وأمنية ومدنية رفيعة. أما اتفاق 30 كانون الثاني، فأكد ترتيبات الدمج والحقوق المدنية والتعليمية، من دون أن يحسم جميع التفاصيل المتعلقة بالتمثيل السياسي المستقبلي.

وتبقى قضايا التعليم باللغة الكردية، والاعتراف بالشهادات، وتسوية أوضاع الأشخاص الذين لا يحملون الجنسية أو يواجهون مشكلات في السجلات المدنية، من المسائل التي تتطلب إجراءات تنفيذية واضحة.

ويحتاج التعامل مع هذه الملفات إلى الفصل بين حقوق المواطنين بوصفها حقوقاً فردية وجماعية يكفلها القانون، وبين الخلافات السياسية المتعلقة بشكل الإدارة والصلاحيات المحلية.

فنجاح عملية الدمج لا يتوقف فقط على إنهاء البنية العسكرية المستقلة، بل أيضاً على ضمان أن يشعر سكان المنطقة بأنهم جزء من الدولة ومؤسساتها، وأن حقوقهم لا تتوقف على التوازنات السياسية أو الأمنية.

 

ثامناً: تركيا والولايات المتحدة والعوامل الخارجية

لا يمكن فهم مسار الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية بمعزل عن المصالح الإقليمية والدولية التي تحيط به.

فتركيا تنظر إلى قوات سوريا الديمقراطية من زاوية أمنية مرتبطة بعلاقتها بحزب العمال الكردستاني، وتعتبر أن وجود قوة مسلحة مرتبطة به قرب حدودها يمثل تهديداً لأمنها القومي. ولذلك، تدعم أنقرة دمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية وإنهاء استقلال بنيتها العسكرية.

في المقابل، ارتبطت العلاقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية خلال السنوات الماضية بالتعاون العسكري في مواجهة تنظيم داعش. لكن التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام السابق، وتغير أولويات واشنطن في التعامل مع دمشق، أثرت في حسابات الأطراف المعنية.

وقد شارك المبعوث الأميركي توم باراك في جهود الوساطة، ودعت واشنطن الطرفين إلى الالتزام بوقف إطلاق النار والتوصل إلى ترتيبات قابلة للتطبيق. كما رحبت الإدارة الأميركية باتفاق 30 كانون الثاني واعتبرته خطوة مهمة نحو التهدئة والوحدة السورية. <Cite refs=

أما فرنسا، فقد ارتبط دورها بالجهود الدبلوماسية المتعلقة بتثبيت الاتفاق، فيما بقيت تفاصيل الضمانات الخارجية وآليات مراقبة التنفيذ بحاجة إلى توضيح.

وتؤثر هذه المواقف في حسابات الطرفين، لكنها لا تلغي ضرورة التوصل إلى تفاهم داخلي بشأن مستقبل المؤسسات والحقوق والصلاحيات. فالاتفاق الذي يعتمد بصورة أساسية على الضغوط الخارجية قد يواجه صعوبة في الاستمرار إذا تغيرت أولويات الدول المعنية أو تراجعت مشاركتها.

وفي الوقت نفسه، يمكن للوساطة الخارجية أن تؤدي دوراً مساعداً في خفض التوتر، وتسهيل التواصل، وتوفير ضمانات سياسية، شرط ألا تتحول إلى بديل عن الاتفاقات الوطنية وآليات تنفيذها.

وتبقى مصلحة سوريا في إدارة علاقاتها الخارجية بما يحفظ سيادتها، ويمنع استخدام الخلافات الداخلية لتوسيع النفوذ الإقليمي، ويتيح استمرار التعاون في مكافحة تنظيم داعش وحماية الحدود.

 

تاسعاً: التحديات التي قد تعرقل تنفيذ الاتفاق

على الرغم من أن اتفاق 30 كانون الثاني قدم إطاراً أكثر تفصيلاً من التفاهمات السابقة، فإن تنفيذه يواجه مجموعة من التحديات.

أولها، بناء الثقة بين الطرفين بعد أسابيع من المواجهات وتبادل الاتهامات. فوقف إطلاق النار يحتاج إلى آليات واضحة للتحقق من الخروقات، وقنوات اتصال تمنع تحول الحوادث الميدانية إلى مواجهات أوسع.

وثانيها، الخلاف حول طبيعة الدمج العسكري. فالتوافق على تشكيل ألوية لا يحسم وحده مسائل القيادة والانتشار والتدريب والرتب والتسليح، كما أن استمرار الولاءات التنظيمية السابقة قد يعقّد توحيد القرار.

وثالثها، دمج المؤسسات المدنية من دون تعطيل الخدمات. فانتقال الدوائر إلى الوزارات المركزية يتطلب تنظيم أوضاع الموظفين، وتوحيد السجلات والأنظمة المالية، وتحديد المسؤوليات الإدارية.

ورابعها، إدارة الموارد والمعابر. فالتوصل إلى اتفاق بشأن انتقال السيطرة يحتاج إلى ترتيبات عملية تتعلق بالعائدات والموظفين والتشغيل والأمن، إضافة إلى ضمان استمرار التجارة والإنتاج.

وخامسها، معالجة الحقوق السياسية والثقافية. إذ يتطلب تثبيت حقوق الكرد وسائر المكونات إطاراً قانونياً واضحاً، يتجاوز التصريحات والضمانات السياسية إلى قواعد قابلة للتطبيق والمراجعة القضائية.

أما التحدي السادس، فيتعلق بالنازحين والمهجرين. فعودة السكان إلى مناطقهم تتطلب توفير الأمن، وإزالة العوائق الإدارية، ومعالجة الأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات، وضمان عدم تعرض العائدين للملاحقة أو التمييز.

ويضاف إلى ذلك ملف معتقلي تنظيم داعش والمخيمات التي تضم أفراد عائلاتهم. فقد نصت الاتفاقات على انتقال المسؤولية عن هذه المنشآت إلى الدولة السورية، وهو ملف يحمل أبعاداً أمنية وقانونية وإنسانية، ويتطلب تنسيقاً بين المؤسسات السورية والجهات الدولية المعنية.

وفي حال تعثرت معالجة هذه الملفات، فقد يستمر وقف إطلاق النار من دون أن يتحول إلى تسوية سياسية وإدارية مستدامة. أما التقدم المتزامن في الأمن والإدارة والحقوق والاقتصاد، فيمكن أن يحد من فرص تجدد المواجهات.

 

عاشراً: هل تتجه سوريا نحو وحدة الدولة؟

حتى 31 كانون الثاني/يناير 2026، لا يمكن اعتبار الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية دليلاً على اكتمال توحيد الدولة السورية، لكنه يمثل إطاراً جديداً لمحاولة نقل العلاقة بين الطرفين من الصراع على السيطرة إلى التفاوض بشأن دمج المؤسسات.

وتظهر التطورات أن الحكومة السورية حققت تقدماً ميدانياً في استعادة السيطرة على مناطق ومنشآت استراتيجية، بينما قبلت قوات سوريا الديمقراطية الدخول في مسار دمج عسكري وإداري أوسع من التفاهمات السابقة. لكن هذا التحول لا يلغي الخلافات المتعلقة بالقيادة العسكرية، والتمثيل السياسي، والإدارة المحلية، والحقوق الثقافية، وتوزيع الموارد.

ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية خلال المرحلة المقبلة.

المسار الأول: تنفيذ تدريجي للاتفاق. ويتطلب تثبيت وقف إطلاق النار، وتوحيد القيادة العسكرية، ودمج المؤسسات المدنية، وتحديد الصلاحيات المحلية، وتطبيق الضمانات المتعلقة بالحقوق والتمثيل.

المسار الثاني: تنفيذ جزئي مع استمرار الخلافات. وقد يتحقق تقدم في تسليم المنشآت والمؤسسات، مع بقاء ملفات القيادة والصلاحيات والموارد والحقوق موضع تفاوض، ما يجعل العلاقة مستقرة نسبياً لكنها معرضة للتوتر.

المسار الثالث: تعثر التنفيذ وتجدد التصعيد. وقد يحدث إذا استمرت الخلافات حول شكل الدمج، أو تكررت الخروقات الأمنية، أو غابت الضمانات السياسية والقانونية، بما يهدد وقف إطلاق النار ويعيد فتح باب المواجهة.

ولا يمكن الجزم بأي من هذه المسارات، لأن النتائج تعتمد على القرارات التي سيتخذها الطرفان، ومدى التزامهما بالاتفاق، ودور الوسطاء، والظروف الأمنية والاقتصادية في المنطقة.

 

خاتمة: وحدة المؤسسات تحتاج إلى تسوية سياسية

يمثل الاتفاق المعلن في 30 كانون الثاني/يناير 2026 محطة جديدة في العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، بعد تعثر اتفاق آذار 2025 والتصعيد العسكري الذي شهدته البلاد خلال الشهر الأول من العام.

وقد حدد الاتفاق خطوات تتعلق بوقف إطلاق النار، وإعادة انتشار القوات، ودمج التشكيلات العسكرية والمؤسسات المدنية، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي، إلى جانب ترتيبات تتعلق بحقوق المواطنين الكرد وعودة النازحين.

لكن الاتفاق لا ينهي تلقائياً الخلافات التي أدت إلى تعثر المسار السابق. فبناء دولة موحدة يتطلب تحديداً واضحاً للصلاحيات، ودمجاً فعلياً للمؤسسات، وضمانات قانونية للحقوق، وآليات شفافة لإدارة الموارد، ومشاركة سياسية تتيح للسكان التأثير في القرارات التي تمس حياتهم.

كما أن استعادة الدولة سلطتها على المناطق والمنشآت لا تعني وحدها استعادة الثقة بين المؤسسات والمجتمعات المحلية. وهذه الثقة تحتاج إلى التزام بالقانون، ومحاسبة على الانتهاكات، واستمرار الخدمات، ومعالجة المطالب المدنية والسياسية ضمن إطار وطني.

وفي المحصلة، يبقى نجاح الاتفاق مرتبطاً بما سيجري على الأرض، لا بما ورد في نصوصه وحدها. فالتحدي أمام سوريا ليس فقط توحيد المؤسسات العسكرية والإدارية، بل تحويل هذا التوحيد إلى نظام مستقر يضمن وحدة البلاد، ويحمي حقوق مواطنيها، ويمنع عودة الانقسام والصراع.

 

 

المصادر المرجعية

وكالة سانا، نص اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، 10 آذار/مارس 2025.

وكالة سانا، نص اتفاق وقف إطلاق النار والدمج الكامل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، 18 كانون الثاني/يناير 2026.

وكالة رويترز، تقرير اتفاق وقف إطلاق النار والدمج المرحلي بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، 18 كانون الثاني/يناير 2026.

وكالة الأناضول، تقرير التفاهم بشأن مستقبل محافظة الحسكة، 20 كانون الثاني/يناير 2026.

وكالة أسوشيتد برس، تقرير الاتفاق الجديد لتثبيت وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات، 30 كانون الثاني/يناير 2026.

وكالة رويترز، تقرير الاتفاق السوري الكردي الجديد، 30 كانون الثاني/يناير 2026.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 8

اقرأ أيضاً