سوريا بعد سقوط الأسد: معركة توحيد السلطة وبناء الدولة

خاص لآسيا | دراسة سياسية

2026.06.30 - 15:13
Facebook Share
طباعة

 مقدمة: الانتقال من تغيير السلطة إلى بناء الدولة

شكّل سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 نقطة تحول في التاريخ السياسي السوري، مع انتهاء أكثر من خمسة عقود من حكم حزب البعث، وبدء مرحلة جديدة تتداخل فيها عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة مع تحديات أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية معقدة.

ولم يقتصر التحول على تغيير القيادة في دمشق، بل امتد إلى بنية المؤسسات العسكرية والأمنية، والعلاقة بين المركز والمناطق، وموقع سوريا في التوازنات الإقليمية والدولية. ومع انتقال البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة، برزت أسئلة تتعلق بقدرة السلطات على توحيد المؤسسات، وضبط السلاح، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتوفير الظروف اللازمة للتعافي الاقتصادي.

وبحلول نهاية حزيران/يونيو 2026، كانت سوريا قد قطعت خطوات في إعادة تشكيل مؤسساتها السياسية والعسكرية، لكنها لم تكن قد أنهت عملية الانتقال. فقد استمر العمل على دمج القوى المسلحة والإدارات المحلية، فيما بقيت قضايا التمثيل السياسي والعدالة الانتقالية وتوزيع الصلاحيات وتوفير الخدمات من أبرز الملفات المطروحة.

وتبرز أهمية هذه المرحلة في أن استعادة مؤسسات الدولة لا تعني بالضرورة اكتمال بناء نظام سياسي مستقر. فالدولة تحتاج إلى أكثر من سلطة مركزية قادرة على إصدار القرارات؛ إذ يتطلب استقرارها مؤسسات تعمل وفق القانون، وقضاء مستقلاً، وأجهزة أمنية خاضعة للمساءلة، وآليات تسمح بمشاركة المواطنين في تحديد السياسات العامة.

وعليه، يسعى هذا البحث إلى تحليل أبرز التحديات التي تواجه سوريا في منتصف عام 2026، مع التركيز على إعادة بناء النظام السياسي، وتوحيد الجيش والأجهزة الأمنية، وإدارة العلاقة بين المركز والمناطق، ومعالجة آثار الصراع، وإعادة الإعمار، وحدود تأثير العلاقات الخارجية في القرار السوري.

 

أولاً: إعادة تشكيل النظام السياسي والإطار الدستوري

بدأت عملية إعادة تشكيل السلطة بعد سقوط النظام السابق بسلسلة من القرارات التي طالت المؤسسات السياسية والدستورية القائمة. ففي كانون الثاني/يناير 2025، أُعلن أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية، بالتزامن مع حل مجلس الشعب السابق وحزب البعث، وإنهاء العمل بدستور عام 2012، وحل الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق.

وفي 13 آذار/مارس 2025، صدر الإعلان الدستوري الذي وضع إطاراً قانونياً للمرحلة الانتقالية وحدد مدتها بخمس سنوات. وتضمن الإعلان أحكاماً تتعلق بصلاحيات السلطات العامة، وتنظيم عمل المؤسسات، والحقوق والحريات، وآليات إدارة المرحلة وصولاً إلى إقرار دستور دائم.

وقد وفّر الإعلان الدستوري أساساً لإعادة تشكيل المؤسسات بعد انهيار النظام السابق، لكنه فتح في الوقت نفسه نقاشاً حول توزيع الصلاحيات بين السلطات، ولا سيما الدور الواسع الممنوح لرئاسة الجمهورية في إدارة المرحلة الانتقالية.

وتكمن أهمية هذا النقاش في أن طبيعة النظام السياسي المقبل لن تتحدد فقط بالنصوص الدستورية، بل أيضاً بكيفية تطبيقها، ومدى استقلال المؤسسات، وقدرتها على ممارسة صلاحياتها من دون تدخل غير خاضع للرقابة.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى استكمال البناء التشريعي والمؤسساتي، وتحديد العلاقة بين السلطة التنفيذية والهيئات التشريعية والقضائية، ووضع قواعد واضحة للحياة الحزبية والانتخابات، وضمان حرية التعبير والتنظيم السياسي ضمن إطار قانوني يحمي الحقوق العامة.

أما على مستوى التمثيل السياسي، فلم يكن مجلس الشعب الانتقالي قد عقد جلسته الأولى حتى 30 حزيران/يونيو 2026. وكان مسار تشكيله قد بدأ من خلال اختيار أعضاء عبر هيئات انتخابية محلية، وفق الآلية المعتمدة للمرحلة الانتقالية، مع استمرار استكمال الإجراءات المتعلقة ببقية الأعضاء.

ويثير هذا المسار أسئلة حول مدى تمثيل المجلس لمختلف المناطق والمكونات الاجتماعية، وقدرته المستقبلية على ممارسة دور تشريعي ورقابي فعلي. كما أن غياب الانتخابات العامة المباشرة في هذه المرحلة يرتبط بتحديات أمنية وإدارية، بينها استمرار النزوح، وصعوبة تنظيم عملية انتخابية شاملة في جميع المناطق.

ولا يعني ذلك أن تشكيل المؤسسات الانتقالية يفتقر بالضرورة إلى أي دور سياسي، لكنه يجعل تقييم شرعيتها التمثيلية مرتبطاً بمدى شمول العملية، وشفافية الإجراءات، وقدرتها على التمهيد لنظام دستوري أكثر استقراراً.

وتحتاج المرحلة المقبلة إلى مسار واضح لإعداد دستور دائم، وتحديد قواعد الانتخابات، وتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز استقلال القضاء. كما يتطلب بناء المؤسسات توفير ضمانات تمنع تركّز الصلاحيات بصورة دائمة في جهة واحدة، وتتيح الرقابة على أداء المسؤولين ومحاسبتهم وفق القانون.

 

ثانياً: توحيد الجيش والأجهزة الأمنية

يمثل الملف العسكري والأمني أحد أكثر التحديات تعقيداً في مرحلة ما بعد سقوط الأسد. فقد أفرزت سنوات الصراع تشكيلات مسلحة متعددة، تختلف في بنيتها القيادية وارتباطاتها السياسية ومناطق انتشارها، فضلاً عن وجود إدارات محلية أنشأت أجهزة أمنية خاصة بها.

ومع حل الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، واجهت السلطات الجديدة مهمة إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، في وقت كانت فيه البلاد تحتاج إلى منع الفراغ الأمني وحماية المنشآت الحيوية وضبط الحدود.

ومنذ عام 2025، بدأت السلطات العمل على دمج الفصائل المسلحة في وزارة الدفاع، وإعادة تنظيم الوحدات العسكرية، وتطوير مؤسسات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية. لكن توحيد هذه التشكيلات لا يتحقق بمجرد إدراجها إدارياً ضمن مؤسسات الدولة؛ إذ يتطلب توحيد القيادة وسلاسل إصدار الأوامر، وتنظيم التجنيد والتدريب والرواتب، ووضع قواعد واضحة للانضباط والمساءلة.

ويشمل التحدي أيضاً معالجة العلاقة بين القيادات العسكرية الجديدة ومؤسسات الدولة المدنية، وضمان عدم تحول الوحدات المسلحة إلى مراكز نفوذ مستقلة داخل البنية الرسمية. كما يتطلب بناء منظومة أمنية مستدامة تحديد الصلاحيات بين وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والأجهزة القضائية، بما يمنع تداخل الاختصاصات ويحد من التجاوزات.

وفي شمال شرقي سوريا، شكّل الاتفاق الموقّع بين السلطات السورية وقوات سوريا الديمقراطية في 10 آذار/مارس 2025 أساساً لمحاولة دمج المؤسسات العسكرية والمدنية في إطار الدولة. إلا أن تنفيذ الاتفاق تعثر نتيجة خلافات حول شكل الدمج، والقيادة العسكرية، وطبيعة الإدارة المحلية، والحقوق السياسية والثقافية للكرد.

ومع اندلاع المواجهات في كانون الثاني/يناير 2026، تغيرت موازين السيطرة الميدانية بصورة واسعة، قبل التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار والدمج المرحلي في 18 كانون الثاني، أعقبته تفاهمات إضافية في نهاية الشهر نفسه.

وتضمنت التفاهمات تسليم إدارة محافظتي الرقة ودير الزور إلى السلطات المركزية، ودمج المؤسسات المدنية في الحسكة، وإدخال قوات تابعة لوزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي، إلى جانب ترتيبات لدمج مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري.

وبحلول نهاية حزيران/يونيو، كانت هناك خطوات تنفيذية في عدد من الملفات، لكن العملية لم تكن قد انتهت. وظلت مسائل القيادة العسكرية، ووضع القوات المحلية، والاختصاصات الأمنية، وإدارة الموارد، ومستقبل بعض التشكيلات النسائية، من بين القضايا التي تحتاج إلى معالجة.

وتكمن أهمية هذا الملف في أن توحيد الجيش لا يقتصر على استعادة السيطرة على المناطق، بل يرتبط بقدرة الدولة على منع تجدد المواجهات، ومكافحة تنظيم داعش، وحماية المنشآت والحدود، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة لقيادة وطنية موحدة.

كما أن نجاح الدمج يتطلب ضمانات للمجتمعات المحلية، وآليات لمعالجة الخلافات، وإجراءات واضحة للتحقيق في الانتهاكات. فالمؤسسة العسكرية المستقرة لا تقوم على القوة وحدها، بل على الانضباط والاحتراف والالتزام بالقانون.

 

ثالثاً: وحدة الأراضي والعلاقة بين المركز والمناطق

تُعد العلاقة بين دمشق والمناطق السورية من الملفات التي ستحدد طبيعة الدولة في المرحلة المقبلة. فقد أدت سنوات الحرب إلى ظهور أنماط متعددة من الإدارة المحلية، تفاوتت في بنيتها السياسية والأمنية والاقتصادية، وارتبط بعضها بقوى محلية أو إقليمية.

وتسعى السلطات المركزية إلى استعادة إدارة الحدود والمعابر والموارد الاستراتيجية، وتوحيد المؤسسات العامة ضمن إطار وطني. في المقابل، تطرح قوى محلية مطالب تتعلق بالتمثيل السياسي، والحقوق الثقافية، والصلاحيات الإدارية، وضمان عدم عودة أنماط الحكم المركزي التي ارتبطت بالمرحلة السابقة.

ولا يتعارض مبدأ وحدة الدولة بالضرورة مع وجود إدارات محلية تتمتع بصلاحيات محددة. فالتوزيع الواضح للاختصاصات الإدارية والمالية قد يساعد على تحسين الخدمات والاستجابة للاحتياجات المحلية، شرط أن يجري ضمن إطار دستوري يحافظ على وحدة المؤسسات والسيادة الوطنية.

وفي الحالة السورية، يرتبط هذا النقاش بمستقبل الإدارة في شمال شرقي البلاد، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية للكرد، وإعادة تنظيم العلاقة بين المحافظات والوزارات المركزية، إضافة إلى أوضاع السويداء والمناطق التي شهدت توترات أمنية.

وقد نصت التفاهمات المعلنة مع قوات سوريا الديمقراطية على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في إطار الدولة، لكن الخلافات حول شكل الإدارة المحلية والتمثيل السياسي بقيت حاضرة. كما أن تنفيذ الاتفاقات يتطلب تحديد صلاحيات المسؤولين المحليين، وآليات إدارة الموارد، وطبيعة العلاقة بين الأجهزة الأمنية المحلية والمؤسسات المركزية.

وفي الجنوب، تبرز السويداء بوصفها مثالاً على صعوبة إعادة بناء العلاقة بين المركز والمجتمعات المحلية بعد أحداث العنف التي شهدتها المحافظة في تموز/يوليو 2025. فقد بقيت الخلافات حول استعادة مؤسسات الدولة، والتمثيل المحلي، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، من أبرز العقبات أمام تنفيذ خارطة الطريق المعلنة في أيلول/سبتمبر 2025.

وبحسب إحاطة أممية نقلتها رويترز في 22 حزيران/يونيو 2026، لم يتحقق تقدم ملموس في تنفيذ خارطة الطريق الخاصة بالسويداء، في ظل استمرار الخلافات الأمنية والسياسية، وتبادل الاتهامات بين السلطات وقوى محلية، وتعثر جهود الوساطة.

وتكشف هذه الحالة أن إعادة بسط سلطة الدولة لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى تسوية سياسية تضمن حماية المدنيين، ومعالجة المظالم، وتحديد المسؤوليات، وإعادة بناء الثقة.

كما أن استمرار تعدد مراكز القرار الأمني والمالي قد يضعف قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها، ويعقّد توزيع الموارد، ويترك المجال أمام نزاعات جديدة حول الاختصاصات والنفوذ.

لذلك، يتمثل التحدي في بناء نموذج يوازن بين وحدة السيادة وفاعلية الإدارة المحلية، ويضمن مشاركة السكان في إدارة شؤونهم، مع الحفاظ على وحدة القانون والمؤسسات العامة.

 

رابعاً: التماسك الاجتماعي والعدالة الانتقالية

لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون معالجة آثار الصراع، ولا سيما الانتهاكات التي طالت المدنيين، والاعتقالات والاختفاء القسري، والتهجير، والخسائر البشرية والمادية. فقد خلّفت سنوات الحرب انقسامات اجتماعية عميقة، لا يمكن تجاوزها بمجرد تغيير المؤسسات أو إعادة انتشار القوى الأمنية.

وشهدت المرحلة التالية لسقوط النظام السابق أحداثاً أمنية دامية، من بينها أعمال العنف التي طالت مناطق ساحلية في آذار/مارس 2025، والاشتباكات التي شهدتها السويداء في تموز/يوليو من العام نفسه. وأثارت هذه الأحداث تساؤلات حول قدرة المؤسسات الجديدة على ضبط القوى المسلحة، وحماية المدنيين، ومنع الانتهاكات على أساس الانتماء الطائفي أو المناطقي.

وتتطلب معالجة هذه الوقائع تحقيقات مستقلة وشفافة، تحدد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية وفق الأدلة، وتضمن حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة والوصول إلى العدالة. كما ينبغي أن تشمل المساءلة جميع الانتهاكات التي يثبت ارتكابها، بصرف النظر عن الجهة المسؤولة أو موقعها في موازين القوى.

وفي أيار/مايو 2025، أُعلن إنشاء هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، بهدف كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق، والعمل على المساءلة وجبر الضرر ومنع تكرار الانتهاكات.

ويشكل إنشاء الهيئة خطوة مؤسساتية، لكن فاعليتها ترتبط بقدرتها على العمل وفق معايير واضحة، واستقلال إجراءاتها، ومدى وصولها إلى الوثائق والشهود، وتعاون الجهات المعنية معها. كما أن معالجة الانتهاكات التي وقعت بعد سقوط النظام تتطلب آليات تحقق ومساءلة لا تقتصر على فترة زمنية أو جهة بعينها.

وتشمل العدالة الانتقالية أكثر من المحاكمات؛ فهي تتضمن توثيق مصير المفقودين، وحفظ الأدلة، وتعويض المتضررين، واستعادة الحقوق، وإصلاح المؤسسات التي ارتبطت بالانتهاكات. ومن الضروري أن تكون هذه المسارات متكاملة، لأن الاقتصار على جانب واحد قد يترك مظالم أخرى من دون معالجة.

كما أن المصالحة الوطنية لا تعني تجاوز المساءلة أو فرض النسيان على الضحايا. فالتسويات المستدامة تحتاج إلى الاعتراف بالانتهاكات، وضمان عدم تكرارها، وتوفير مسارات قانونية تتيح معالجة المظالم من دون تحويل المسؤولية الفردية إلى إدانة جماعية لمجتمعات بأكملها.

وتبرز هنا أهمية بناء مؤسسات قضائية قادرة على العمل وفق إجراءات عادلة، وضمان حق الدفاع، ورفض العقوبات الجماعية والاعتقال التعسفي. فالثقة بالقضاء والأجهزة الأمنية تمثل شرطاً أساسياً لاستقرار الدولة، خصوصاً في مجتمع خرج من صراع طويل وتعددت فيه مصادر الخوف وانعدام الثقة.

 

خامساً: إعادة الإعمار والاقتصاد بوصفهما اختباراً للدولة

لا يقتصر بناء الدولة على المؤسسات السياسية والعسكرية، بل يعتمد أيضاً على قدرة السلطات على توفير الخدمات الأساسية وإعادة تشغيل الاقتصاد وخلق فرص العمل. فالتعافي المعيشي يشكل أحد أهم العوامل التي تؤثر في نظرة المواطنين إلى المرحلة الجديدة.

ووفق تقدير للبنك الدولي نُشر في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بلغت كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا نحو 216 مليار دولار، استناداً إلى تقييم للأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمباني خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2024. ويشمل التقدير أضراراً مباشرة بنحو 108 مليارات دولار، فيما تتراوح الكلفة المحتملة لإعادة الإعمار بين 140 و345 مليار دولار.

ويعكس هذا الرقم حجم الاحتياجات، لكنه لا يمثل وحده تقديراً شاملاً لكل الكلف الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بسنوات الحرب. وتشمل الاحتياجات إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والنقل، وإصلاح المدارس والمستشفيات، وترميم المساكن، واستعادة الخدمات البلدية، وتطوير المؤسسات المالية والإدارية.

وتحتاج عملية إعادة الإعمار إلى بيئة قانونية واضحة تضمن حقوق الملكية، وتحد من الفساد، وتوفر آليات شفافة لمنح العقود وإدارة التمويل. كما تتطلب تمويلاً مستداماً وتنسيقاً بين المؤسسات العامة والقطاع الخاص والجهات الدولية المانحة.

وفي عام 2026، ركزت السلطات السورية على توسيع العلاقات التجارية والمالية، وتحسين الظروف اللازمة لجذب الاستثمارات، واستعادة النشاط في قطاعات الإنتاج والطاقة والزراعة. لكن التعافي بقي عرضة لمخاطر أمنية وإقليمية، إلى جانب التحديات المرتبطة بضعف البنية التحتية والقدرة الشرائية وتفاوت الخدمات بين المناطق.

ولا يعني تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية بالضرورة أن أثر التعافي وصل بالتساوي إلى جميع الفئات الاجتماعية. فقد تتزامن زيادة النشاط التجاري مع استمرار البطالة، وضعف الأجور الحقيقية، ونقص الخدمات، واتساع الفجوات بين المناطق.

ولذلك، ينبغي تقييم التعافي من خلال مؤشرات متعددة، تشمل فرص العمل، وانتظام الخدمات العامة، والقدرة على تحمل تكاليف السكن والطاقة والغذاء، وليس عبر معدلات النمو وحدها.

كما أن تخفيف العقوبات وتوسيع العلاقات المالية والتجارية يفتحان فرصاً أمام الاقتصاد السوري، لكنهما لا يضمنان تدفق الاستثمارات تلقائياً. فالمستثمرون يحتاجون إلى بيئة مستقرة، وقضاء يمكن اللجوء إليه، وقواعد واضحة لحماية الملكية وتسوية النزاعات، فضلاً عن بنية تحتية تسمح بتشغيل المشاريع.

ويشكل الاعتماد على التمويل الخارجي وحده خطراً على استدامة إعادة الإعمار، إذ قد يجعل العملية عرضة للتقلبات السياسية وتنافس الدول المانحة. ومن هنا، تبرز أهمية الجمع بين الاستثمارات الخارجية، وتنشيط الإنتاج المحلي، وإصلاح النظام المالي، وتعزيز قدرة المؤسسات العامة على إدارة الموارد بكفاءة.

وتتصل هذه الملفات مباشرة بمسألة عودة اللاجئين والنازحين. فالعودة المستدامة تحتاج إلى مساكن صالحة للسكن، وفرص عمل، ومدارس ومراكز صحية، وضمانات قانونية تتعلق بالملكية والوثائق المدنية. وبالتالي، فإن التقدم في ملف العودة يرتبط بقدرة الدولة على توفير شروط الحياة الكريمة، وليس بمجرد استعادة السيطرة على المناطق.

 

سادساً: العلاقات الخارجية وحدود القرار السوري

تجري عملية إعادة بناء الدولة السورية في بيئة إقليمية ودولية معقدة، تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية. وقد فتحت التحولات التي أعقبت سقوط النظام السابق المجال أمام إعادة تنظيم العلاقات مع دول عربية وغربية وإقليمية، بالتزامن مع تغيرات في السياسات المتعلقة بالعقوبات والتعاون الاقتصادي والأمني.

وتوفر إعادة الانفتاح الدبلوماسي فرصة لاستعادة العلاقات التجارية، والحصول على الدعم الفني والمالي، وإعادة دمج سوريا في بعض المؤسسات والآليات الدولية. كما يمكن للتعاون الخارجي أن يساعد في إعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير الإدارة العامة، وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية والقضائية.

لكن العلاقات الخارجية قد تتحول أيضاً إلى مصدر ضغوط عندما ترتبط المساعدات أو الاستثمارات بشروط سياسية وأمنية. ولذلك، فإن قدرة دمشق على إدارة علاقاتها تتوقف على تنويع الشراكات، وتحديد الأولويات الوطنية، وتجنب الارتهان لطرف واحد في الملفات الاستراتيجية.

ويبرز الملف الإسرائيلي بوصفه أحد أبرز التحديات أمام السيادة السورية. فقد استمرت التحركات والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري بعد سقوط النظام السابق، بالتزامن مع نقاشات بشأن ترتيبات أمنية محتملة. وتؤثر هذه التطورات في حسابات الدولة المتعلقة بحماية الحدود، وتحديد أولوياتها العسكرية، وإدارة علاقاتها مع القوى الدولية المعنية بالملف السوري.

وفي الشمال والشمال الشرقي، تتداخل المصالح السورية مع الحسابات التركية والأميركية، خصوصاً في ما يتعلق بمستقبل قوات سوريا الديمقراطية، وترتيبات مكافحة تنظيم داعش، وإدارة الحدود والموارد. كما تؤثر العلاقات مع الدول العربية في فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وفي تقرير محدث في 11 حزيران/يونيو 2026، أشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي إلى أن السلطات السورية ركزت على استعادة السيطرة الأمنية، وتخفيف القيود الاقتصادية، وتوسيع العلاقات الدبلوماسية، وجذب الاستثمارات، وتهيئة الظروف للتعافي وعودة النازحين. وفي الوقت نفسه، بقيت قضايا الحوكمة والأمن والتأثيرات الخارجية وحقوق الأقليات ضمن أبرز الملفات التي تحيط بالمرحلة الانتقالية.

ولا يمكن فصل هذه الملفات عن حاجة سوريا إلى استعادة قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية، مع الحفاظ على قنوات التفاوض والتعاون التي تخدم مصالحها. فالتحدي لا يكمن في تجنب العلاقات الخارجية، بل في إدارتها ضمن استراتيجية واضحة تمنع تحول التنافس الدولي إلى عامل دائم في الانقسامات الداخلية.

 

سابعاً: ما الذي سيحدد نجاح المرحلة الانتقالية؟

يمكن تحديد مجموعة من المؤشرات التي تساعد على تقييم مسار بناء الدولة السورية خلال المرحلة المقبلة.

أولها، مدى تقدم توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، بما يشمل وحدة القيادة، وضبط السلاح، وإخضاع الأجهزة للقانون، وتطوير آليات المساءلة.

وثانيها، قدرة النظام السياسي على توسيع المشاركة وتحديد صلاحيات المؤسسات، مع استكمال تشكيل مجلس الشعب الانتقالي، والتقدم في إعداد الدستور الدائم، ووضع قواعد انتخابية واضحة، وتعزيز الرقابة التشريعية والقضائية.

وثالثها، معالجة التوترات المحلية عبر التسويات السياسية والقانونية، وضمان حقوق المكونات المختلفة، وتوفير آليات واضحة لتوزيع الصلاحيات والموارد بين المركز والمناطق.

ورابعها، إحراز تقدم ملموس في العدالة الانتقالية، يشمل كشف مصير المفقودين، والتحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين وفق الأدلة، وتعويض المتضررين.

أما المؤشر الخامس، فيتمثل في قدرة الاقتصاد على توفير تحسن فعلي في الظروف المعيشية، من خلال استعادة الخدمات، وتوسيع فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، وخلق بيئة استثمارية أكثر استقراراً وشفافية.

ويضاف إلى ذلك عامل الاستقرار الإقليمي، إذ يمكن للتوترات الخارجية والتدخلات العسكرية أن تعرقل إعادة الإعمار وتستنزف الموارد، حتى مع إحراز تقدم في بعض المؤسسات الداخلية.

ولا تعمل هذه المؤشرات بمعزل بعضها عن بعض. فضعف الأمن يؤثر في الاستثمار، وضعف الاقتصاد يزيد الضغوط الاجتماعية، وغياب المشاركة قد يفاقم التوترات المحلية، بينما تؤدي المساءلة غير المتوازنة إلى تعميق الانقسامات بدلاً من معالجتها.

 

ثامناً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل الدولة السورية

في ضوء المعطيات المتاحة حتى نهاية حزيران/يونيو 2026، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية، من دون اعتبار أي منها نتيجة حتمية.

السيناريو الأول: ترسيخ المؤسسات الوطنية.

يتحقق هذا المسار إذا نجحت السلطات في استكمال دمج التشكيلات المسلحة، وتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز استقلال القضاء، وتحقيق تقدم في العدالة الانتقالية. وفي هذه الحالة، يمكن أن تسهم استعادة الثقة وتحسن البيئة الاقتصادية في تقوية مؤسسات الدولة وتوسيع قدرتها على تقديم الخدمات.

السيناريو الثاني: استقرار مؤسساتي محدود مع استمرار التوترات.

قد تتمكن الدولة من توسيع سيطرتها الإدارية والأمنية، وتحقيق تحسن اقتصادي جزئي، مع بقاء الخلافات بشأن التمثيل السياسي والصلاحيات المحلية والمساءلة. وفي هذا المسار، يستمر بناء المؤسسات، لكن من دون معالجة كاملة للعوامل التي تغذي انعدام الثقة.

السيناريو الثالث: تعثر الانتقال نتيجة تراكم الأزمات.

قد يؤدي استمرار التوترات الأمنية، أو ضعف الخدمات، أو تعثر التسويات المحلية، أو تصاعد الضغوط الإقليمية إلى إبطاء إعادة الإعمار وإضعاف قدرة المؤسسات على أداء وظائفها. ولا يعني ذلك بالضرورة عودة البلاد إلى نمط الصراع السابق، لكنه قد يوسع الفجوة بين مؤسسات الدولة وبعض المجتمعات المحلية.

وتتوقف هذه المسارات على قرارات سياسية ومؤسساتية قابلة للتغيير، وعلى تطورات داخلية وخارجية لا يمكن الجزم بنتائجها مسبقاً. لذلك، تبقى مراقبة التنفيذ الفعلي للاتفاقات، وأداء المؤسسات، ومؤشرات المعيشة، أهم من الاعتماد على التصريحات السياسية وحدها.

خاتمة: بناء الدولة يتجاوز استعادة السيطرة

تدخل سوريا مرحلة تتداخل فيها فرص إعادة بناء المؤسسات مع تحديات الأمن والسياسة والاقتصاد والتماسك الاجتماعي. وقد شهدت الفترة التي أعقبت سقوط النظام السابق خطوات مهمة في إعادة تشكيل السلطة، وإطلاق مسار دستوري انتقالي، وبدء ترتيبات لدمج المؤسسات العسكرية والإدارية، وتوسيع العلاقات الخارجية.

لكن هذه الخطوات لا تكفي وحدها للحكم على اكتمال بناء الدولة. فاستعادة السيطرة على الأراضي تختلف عن توحيد القرار، وتوحيد القرار يختلف عن بناء مؤسسات خاضعة للقانون، فيما تتطلب الشرعية السياسية مشاركة فعلية وضمانات للمساءلة وحماية الحقوق.

ويظل التحدي الأساسي أمام سوريا هو تحويل التحولات السياسية إلى نظام مؤسساتي قادر على إدارة الاختلافات، وضمان الأمن من دون انتهاكات، وتوفير الخدمات، واستعادة الثقة بين المواطنين والدولة. كما أن نجاح إعادة الإعمار يرتبط بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد بشفافية، وخلق فرص اقتصادية، وتوفير شروط العودة الآمنة والمستدامة للنازحين واللاجئين.

 

وفي المحصلة، لن يتحدد مستقبل الدولة السورية بمدى سرعة إعادة تشكيل مؤسساتها فحسب، بل بقدرتها على جعل هذه المؤسسات فعالة وقابلة للمساءلة، وعلى تحقيق توازن بين وحدة الدولة والمشاركة المحلية، وبين الاستقرار الأمني والحقوق السياسية، وبين الانفتاح الخارجي وحماية القرار الوطني.

وتبقى عملية بناء الدولة مساراً مفتوحاً، ستتضح نتائجه من خلال كيفية تطبيق الاتفاقات، وتطور المؤسسات الدستورية، ومدى التقدم في العدالة الانتقالية، وقدرة الاقتصاد على تحسين حياة السكان خلال السنوات المقبلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


بحث سوريا

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 3

اقرأ أيضاً