عندما تتجزأ السيادة في لبنان.. لماذا يختلف الموقف بين قضيتين؟

2026.10.26 - 09:33
Facebook Share
طباعة

السيادة تحت الاختبار
أعادت قضيتا متفجرات ضهر البيدر وخطف علي كيالي من منطقة المنصورية فتح النقاش في لبنان حول مفهوم السيادة وحدود التعامل السياسي مع الملفات الأمنية، في ظل تفاوت ملحوظ في ردود فعل القوى السياسية بين القضيتين، وفق ما يطرحه هذا الجدل.
ففي الوقت الذي تصاعدت فيه التحركات الحكومية والحزبية للمطالبة بإحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، لم يظهر مستوى مماثل من الاستنفار السياسي العلني بشأن قضية كيالي، الذي تحدثت تقارير عن نقله إلى سوريا في عملية نُسبت إلى أجهزة استخبارات سورية وتركية، وسط روايات متباينة حول ظروف توقيفه.
ويثير هذا التباين تساؤلات بشأن مدى ثبات مواقف القوى التي ترفع شعار السيادة، وما إذا كانت تتعامل بالمعايير نفسها مع القضايا التي تمس الأمن الداخلي، بصرف النظر عن الجهات التي يُشتبه بوقوفها وراءها.


استنفار في ضهر البيدر
في 22 تشرين الأول، تصدر ملف المتفجرات المشهد السياسي اللبناني، بعدما شهدت جلسة لمجلس الوزراء خلافاً بشأن إحالته إلى المجلس العدلي، وصل إلى حد انسحاب وزراء «القوات اللبنانية» احتجاجاً على عدم إقرار الإحالة بصورة فورية.
كما أعلن حزب الكتائب تأييده إحالة الملف إلى المجلس العدلي، في خطوة عكست حجم الاهتمام السياسي بالقضية، التي تُعامل باعتبارها ملفاً أمنياً يستدعي التحقيق والمحاسبة وتحديد المسؤوليات.
ولا يقل هذا الملف أهمية عن غيره من القضايا الأمنية، بالنظر إلى ما قد تنطوي عليه المتفجرات من مخاطر على سلامة المواطنين والاستقرار الداخلي. لكن الجدل لا يتعلق بأهمية القضية بحد ذاتها، بل بمدى اتساق المواقف السياسية عند التعامل مع ملفات أمنية أخرى تثير أسئلة تتصل بسيادة الدولة.


قضية المنصورية
في المقابل، أثارت قضية علي كيالي، الذي قيل إنه خُطف من منطقة المنصورية ونُقل إلى سوريا، تساؤلات بشأن احتمال تنفيذ عملية أمنية خارج الأطر القانونية داخل الأراضي اللبنانية.
ونقلت تقارير عن مصدر أمني لبناني اتهامات للاستخبارات السورية والتركية بالوقوف وراء العملية، في حين وردت روايات سورية مختلفة بشأن ظروف توقيف كيالي. كما أشار التقرير الذي تناول القضية إلى وجود إقرار بالتعاون السوري التركي وإشادة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالعملية.
وتبقى هذه التفاصيل بحاجة إلى التمييز بين ما أوردته التقارير وما يمكن إثباته عبر التحقيقات الرسمية، خصوصاً في ظل اختلاف الروايات المتعلقة بملابسات القضية والجهات التي تولت تنفيذها.
ومع ذلك، فإن احتمال تنفيذ عملية أمنية أجنبية داخل لبنان، إذا ثبت، يطرح مسألة تتجاوز هوية الشخص المستهدف أو طبيعة الاتهامات الموجهة إليه، لتصل إلى صلاحيات الدولة اللبنانية ومسؤوليتها عن حماية أراضيها وتطبيق قوانينها.


الملاحقة لا تبرر تجاوز القانون
لا تعني المطالبة بكشف ملابسات قضية كيالي تبرئته من الجرائم الخطيرة المنسوبة إليه، كما لا تقلل من أهمية التحقيق في ملف المتفجرات ومحاسبة المسؤولين عنه.
فملاحقة المطلوبين قانونياً مسألة، وتنفيذ عمليات أمنية داخل الأراضي اللبنانية خارج الأطر القانونية مسألة أخرى. وإذا ثبت وقوع عملية من هذا النوع من دون علم السلطات اللبنانية أو موافقتها القانونية، فإن ذلك يستدعي تحقيقاً واضحاً ومساءلة الجهات المسؤولة عنها.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن تتحول طبيعة الاتهامات الموجهة إلى أي شخص إلى مبرر لتجاوز الإجراءات القضائية أو الانتقاص من سلطة الدولة، كما لا يجوز أن يؤدي التركيز على ملف أمني إلى إهمال ملف آخر يحمل أبعاداً سيادية مماثلة.


أسئلة للقوى السياسية
يفتح التباين في ردود الفعل الباب أمام أسئلة تتعلق بمواقف الأحزاب التي تضع السيادة وحصرية سلطة الدولة في صلب خطابها السياسي: لماذا لم تحظَ قضية المنصورية، حتى الآن، بالمستوى نفسه من التحركات والمطالبات العلنية الذي رافق ملف ضهر البيدر؟ وهل يعود ذلك إلى اختلاف المعطيات القانونية والأمنية بين القضيتين، أم إلى حسابات سياسية تتباين باختلاف الأطراف المعنية؟
ولا يمكن الجزم بدوافع القوى السياسية من دون مواقف موثقة وتفسيرات مباشرة منها، إلا أن التفاوت في مستوى الاهتمام العلني يظل مدخلاً مشروعاً للمساءلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باحتمال المساس بسيادة الدولة.


التحقيق القضائي ومسؤولية الدولة
إن فتح القضاء اللبناني تحقيقاً في قضية كيالي يمثل خطوة أساسية لكشف الوقائع وتحديد المسؤوليات، لكنه لا يلغي دور الحكومة والمؤسسات المعنية في متابعة القضية، والحصول على توضيحات رسمية، واتخاذ الإجراءات اللازمة إذا أثبتت التحقيقات وقوع تجاوزات.
كما أن التعامل مع الملفين وفق معايير قانونية واضحة من شأنه تعزيز ثقة اللبنانيين بمؤسسات الدولة، بعيداً عن الانتقائية السياسية أو الأحكام المسبقة. فالمعيار الأساسي يجب أن يكون احترام القانون وحماية الأمن الوطني، لا هوية الأطراف المعنية أو موقعها في التجاذبات الداخلية والإقليمية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 1