ابنة بوتين تراهن على الجينات لتأجيل الشيخوخة وربما تجاوزها

2026.10.25 - 19:48
Facebook Share
طباعة

 تسعى روسيا إلى توسيع حدود العمر البشري عبر استثمارات حكومية في أبحاث مكافحة الشيخوخة والعلاج الجيني وزراعة الأعضاء، في مشروع تتقاطع فيه الطموحات الطبية مع المصالح السياسية والاقتصادية، وسط مفارقة استمرار الحرب في أوكرانيا وما تفرضه من خسائر بشرية.

وفي قلب هذا المسار، تبرز طبيبة الغدد الصماء ماريا فورونتسوفا، الابنة الكبرى للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي تدير معهد البحث والتعليم الطبي في جامعة موسكو الحكومية وتشرف على برامج حكومية مرتبطة بمكافحة الشيخوخة، وفق ما أوردته صحيفتا «تايمز» البريطانية و«لوموند» الفرنسية.

وتشير الصحيفتان إلى أن فورونتسوفا باتت شخصية محورية في مساعي روسيا لتطوير تقنيات تساعد على إطالة الحياة، مستفيدة من موقعها الأكاديمي ومن صلتها العائلية بالرئيس. غير أن المشروع لا يقتصر على تحسين الصحة العامة، بل يمتد إلى طموحات علمية أكثر تعقيدًا، لا تزال نتائجها بعيدة عن إثبات إمكانية تحقيقها.

 

مرحلتان لتوسيع حدود العمر

يقوم التصور الذي تطرحه فورونتسوفا على مسارين أساسيين. يتمثل الأول في رفع متوسط العمر المتوقع إلى ما بين 85 و90 عامًا، من خلال تحسين التغذية وزيادة النشاط البدني وإجراء الفحوص الطبية المنتظمة.

أما المسار الثاني، فيتجاوز تحسين أنماط الحياة إلى محاولة إبطاء الشيخوخة أو الحد من آثارها البيولوجية، باستخدام تقنيات متقدمة تشمل العلاج الجيني وزراعة الأعضاء وتصنيع الأنسجة.

لكن هذا الطموح لا يزال في مراحله البحثية، إذ أقرت فورونتسوفا بأن النتائج المحققة حتى الآن محدودة، وأن الوصول إلى تقدم ملموس قد يستغرق ما بين عشرة أعوام وعشرين عامًا.

وتراهن الطبيبة على أن الخوف الإنساني من الموت سيواصل دفع الأبحاث الطبية نحو تطوير وسائل جديدة لإطالة الحياة، من بينها أدوية تستهدف الوقاية من مظاهر الشيخوخة أو إبطاء تطورها.

وتتقاطع هذه الرؤية مع توجه حكومي أوسع؛ إذ أعلن بوتين عام 2024 مشروعًا وطنيًا للتقنيات الصحية تبلغ قيمته 26 مليار دولار، ويهدف إلى توظيف الابتكار الطبي لتحسين الصحة وإطالة العمر.

ويشارك في هذا المسار علماء وشخصيات مقربة من دوائر السلطة، من بينهم ميخائيل كوفالتشوك، الذي يشرف على برنامج اتحادي لتطوير علم الوراثة بالتعاون مع فورونتسوفا. ويرتبط جانب من هذه الأبحاث بتطوير العلاج الجيني وزراعة الأعضاء وتصنيع الأنسجة، ضمن مساعٍ لتعزيز القدرات الروسية في التكنولوجيا الحيوية.

 

إطالة العمر وحدود السلطة

لا تنفصل أهمية المشروع عن السياق السياسي الروسي، إذ تحدث بوتين في سبتمبر/أيلول 2025 مع الرئيس الصيني شي جين بينغ عن إمكان إطالة الحياة، بل والوصول إلى الخلود، بفضل التطور في مجال التكنولوجيا الحيوية.

ويبلغ بوتين 74 عامًا، وتتيح له التعديلات الدستورية البقاء في السلطة حتى عام 2036، حين يكون قد بلغ 83 عامًا. ويمنح هذا السياق اهتمامه بأبحاث إطالة العمر دلالات سياسية، وإن لم تثبت تقارير الصحيفتين أن البرامج العلمية صُممت خصيصًا لضمان بقائه في الحكم.

وتقدم «تايمز» قراءة تربط الاهتمام بإطالة العمر بطبيعة السلطة الروسية وصورة الرئيس الذي يحرص على إظهار الحيوية والقدرة البدنية. وترى أن هذا النوع من المشاريع قد يفتح كذلك أبوابًا لتمويل ضخم وفرص مهنية واسعة، في وقت لا تزال فيه النتائج العلمية الفعلية غير محسومة.

لكن الاستثمار في هذه الأبحاث يثير أسئلة حول ترتيب الأولويات الصحية في البلاد، خصوصًا في ظل الاحتياجات المتزايدة التي تفرضها الحرب في أوكرانيا، وما يرافقها من خسائر بشرية وضغوط على الموارد.

 

مفارقة الحرب وأبحاث الحياة الطويلة

تركز «لوموند» على التناقض بين الإنفاق على أبحاث إطالة العمر واستمرار الحرب الروسية في أوكرانيا. وتشير إلى أن متوسط العمر المتوقع للرجال في روسيا يبلغ نحو 67 عامًا، مقابل 78 عامًا للنساء، في ظل ارتفاع الوفيات التي تفاقمت آثارها خلال جائحة كوفيد-19 والحرب.

وتنقل الصحيفة عن الاقتصادي فلاديسلاف إينوزيمتسيف وصفه منظومة التجنيد والتعويضات العسكرية بأنها «اقتصاد الموت»، في إشارة إلى نظام قد تحصل بموجبه أسرة الجندي القتيل على مبالغ تتجاوز ما كان يمكن أن يكسبه خلال حياته من العمل المدني.

ويضع هذا الواقع أبحاث إطالة العمر في مواجهة سؤال يتعلق بالأولويات: كيف يمكن توسيع الاستثمار في التقنيات التي قد تطيل الحياة مستقبلًا، بينما تواجه البلاد خسائر بشرية مستمرة واحتياجات صحية قائمة؟

 

علاجات جينية وتصنيع الأعضاء

وتعرض «تايمز» تفاصيل إضافية عن أبحاث تستهدف إبطاء الشيخوخة على المستوى الخلوي، من بينها تطوير علاج جيني يركز على آلية مرتبطة بالتغيرات التي تصاحب التقدم في السن، إلى جانب أبحاث تصنيع الأنسجة والأعضاء باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.

كما تسلط الصحيفة الضوء على اقتراح فورونتسوفا تصنيف الشيخوخة مرضًا، وهو ما قد يتيح تسريع تطوير علاجات مخصصة لمكافحتها واعتمادها. غير أن هذا التوجه أثار انتقادات من باحثين يرون أن منح هذه البرامج أولوية كبيرة قد لا يتناسب مع الاحتياجات الصحية الملحة التي تواجهها روسيا في ظل الحرب.

في المقابل، تشير «لوموند» إلى افتتاح مختبر جديد مخصص لأبحاث طول العمر في مركز سكولكوفو للتكنولوجيا قرب موسكو، في 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

وتلفت الصحيفة إلى التباين بين هذا المشروع والخطاب الرسمي الروسي الذي يشدد على القيم التقليدية والمسيحية، في مقابل حديث فورونتسوفا عن ضرورة «خداع الرب أو الطبيعة» عبر إطالة الحياة.

ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى الخلود خارج نطاق الإمكانات العلمية المتاحة، فيما يقدّر بعض العلماء الحد الأقصى للعمر البشري بنحو 125 عامًا، وهو تقدير لا يعني أن بلوغ هذا العمر ممكن للجميع أو أن الطب بات قادرًا على تحقيقه بصورة موثوقة.

وتكشف تجربة فورونتسوفا عن مشروع تتداخل فيه الأبحاث الطبية مع التمويل الحكومي والنفوذ السياسي والرهانات الاقتصادية. وبينما قد تفتح التكنولوجيا الحيوية آفاقًا لتحسين الصحة وإطالة العمر، تظل النتائج النهائية غير مؤكدة، كما يبقى السؤال بشأن المستفيدين من هذه التطورات مطروحًا، خصوصًا في دولة تواجه في الوقت نفسه كلفة بشرية مرتفعة بسبب الحرب.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 7