تجنيد الحريديم يشعل صراعاً على السلطة داخل إسرائيل

2026.10.25 - 18:43
Facebook Share
طباعة

 تحول تجنيد اليهود الحريديم في الجيش الإسرائيلي إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل إسرائيل، بعدما ظل إعفاؤهم من الخدمة لعقود جزءاً من تفاهمات داخلية تتيح لهم التفرغ لدراسة تعاليم التوراة وتطبيقها. لكن هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبه من حروب وخسائر عسكرية أعادا فتح الملف، ليصبح عبئاً سياسياً على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ومصدراً للتوتر بين المؤسسة العسكرية والأحزاب الدينية.

 

ومنذ عام 1948، قامت المعادلة التي أرسى أسسها أول رئيس وزراء إسرائيلي، ديفيد بن غوريون، على استثناء الحريديم، وهم جماعة يهودية متشددة دينياً، من الخدمة العسكرية مقابل تكريس حياتهم لدراسة التوراة. واستمر هذا الترتيب لعقود، رغم ما أثاره من خلافات داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن توزيع الأعباء والحقوق.

 

إلا أن تداعيات هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحروب التي تلته دفعت القضية إلى واجهة النقاش الداخلي، في وقت تواجه فيه إسرائيل استنزافاً عسكرياً متواصلاً، وتتعرض قواتها لخسائر بشرية، بينما أدى استدعاء جنود الاحتياط بصورة متكررة إلى انعكاسات اجتماعية واقتصادية على حياتهم وعائلاتهم وأعمالهم.

 

الجيش يحتاج إلى مزيد من الجنود

مع استمرار العمليات العسكرية وسقوط مئات الجنود الإسرائيليين وإصابة آلاف آخرين، تصاعدت المطالب بإعادة النظر في إعفاء الحريديم من التجنيد، وسط نقاش يتجاوز الحسابات العسكرية إلى مسألة المساواة في تحمل أعباء الحروب.

 

ويرى الباحث المتخصص في شؤون الحريديم أهارون رابينوفيتش أن القيادات العسكرية الإسرائيلية خلصت بعد هجوم أكتوبر إلى أن نموذج «الجيش الصغير والذكي» لم يعد كافياً، وأن الحاجة باتت ملحة إلى جيش أكبر وأكثر قدرة على مواصلة العمليات. ووفق تقديره، فإن استقطاب مجندين من المجتمع الحريدي يمثل أحد الخيارات المتاحة لتلبية هذه الحاجة.

 

ويشير رابينوفيتش إلى أن تقبل المجتمع الإسرائيلي استمرار إعفاء الحريديم من الخدمة تراجع بعد مقتل أكثر من ألف جندي وإصابة آلاف آخرين خلال الحرب، في ظل تزايد الضغوط على الجنود النظاميين وقوات الاحتياط.

 

في المقابل، يرفض قطاعات من الحريديم الالتحاق بالجيش، معتبرين أن الخدمة في مؤسسة عسكرية ذات طابع علماني قد تحول دون التزامهم بتعاليمهم الدينية ونمط حياتهم. ووصل رفض بعضهم إلى حد إعلان الاستعداد لمواجهة إجراءات حكومية قاسية بدلاً من التجنيد، إذ قال أحدهم إنه مستعد لأن تطلق الحكومة النار عليه، لكنه لن يخدم في الجيش.

 

نتنياهو بين التجنيد وبقاء الائتلاف

وجد نتنياهو نفسه أمام معادلة سياسية معقدة؛ فمن جهة، يسعى إلى تمرير قانون ينظم دمج الحريديم في الجيش والأجهزة الأمنية، ومن جهة أخرى، يتمسك بإبقاء إعفاءاتهم بما يضمن استمرار دعم الأحزاب الدينية لائتلافه الحاكم.

 

وتكتسب هذه الأحزاب أهمية حاسمة بالنسبة إلى نتنياهو، إذ يعتمد بقاء حكومته على دعم حزبي «شاس» و«يهدوت هتوراه». ومن دون مشاركتهما، تصبح قدرته على الحفاظ على الائتلاف مهددة، الأمر الذي يجعل أي تغيير جوهري في سياسة التجنيد محفوفاً بمخاطر سياسية.

 

ودافع نتنياهو عن مشروع قانون التجنيد، واصفاً إياه بأنه «بداية مسار تاريخي لدمج المجتمع الحريدي في الخدمة بالجيش والأجهزة الأمنية». كما قال إن عالم التوراة «حافظ على إسرائيل طوال 50 عاماً، وسيواصل الحفاظ عليها»، في إشارة إلى الدور الذي تنسبه الأوساط الدينية إلى دراسة التوراة في حماية المجتمع الإسرائيلي.

 

لكن المعارضة الإسرائيلية تنظر إلى مشروع القانون من زاوية مختلفة، وترى أنه قد يكرس استمرار إعفاء الحريديم بدلاً من إنهائه، فضلاً عن مواصلة تخصيص ميزانيات كبيرة للمعاهد الدينية ودعم من يتجنبون الخدمة العسكرية، على حساب الجنود الذين يؤدون الخدمة ويتحملون مخاطرها.

 

أصوات الحريديم في قلب الانتخابات

مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، لم يعد ملف التجنيد مقتصراً على النقاشات العسكرية أو الخلافات داخل الائتلاف، بل تحول إلى قضية انتخابية محورية. فقد جعلت الأحزاب الحريدية، التي تملك 18 مقعداً، موقفها من التجنيد شرطاً أساسياً في حساباتها السياسية، ما يضع مستقبل التحالفات الحكومية أمام احتمالات التغيير.

 

وتزداد أهمية هذه الأحزاب بسبب ارتفاع معدلات التصويت داخل المجتمع الحريدي. ويقدر عدد الحريديم الذين يشاركون في الانتخابات بنحو 1.5 مليون إسرائيلي، فيما تبلغ نسبة المشاركة بينهم قرابة 80%، وهي نسبة تصفها لجنة الإحصاء المركزية الإسرائيلية بأنها الأعلى على الإطلاق.

 

ولا تعكس هذه المشاركة الالتزام بتوجيهات المرجعيات الدينية فحسب، بل ترتبط أيضاً برغبة الحريديم في حماية مصالحهم والمحافظة على نمط حياتهم، وفي مقدمتها ترتيبات الإعفاء من الخدمة العسكرية والتمويل المخصص للمعاهد الدينية.

 

وهكذا، يتقاطع ملف التجنيد مع حسابات نتنياهو الانتخابية ومستقبل ائتلافه، في وقت تتصاعد فيه الأسئلة داخل إسرائيل بشأن الجهة التي ستتحمل الكلفة البشرية والاقتصادية والسياسية للحروب. وبين احتياجات الجيش ومطالب المساواة ورفض الحريديم التخلي عن امتيازاتهم، باتت قضية التجنيد جبهة داخلية مفتوحة قد تؤثر في شكل التحالفات السياسية ومسار الحكم.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 8

اقرأ أيضاً