السويداء أمام مسار تفاوضي تعرقله الخلافات الأمنية وأزمة التمثيل

2026.10.25 - 17:32
Facebook Share
طباعة

 تعود دعوات الحوار إلى واجهة المشهد في محافظة السويداء، بالتزامن مع استمرار التوترات الأمنية والاشتباكات بين الجيش السوري ومجموعات مسلحة محلية، في وقت لم تنجح فيه الجهود السابقة في التوصل إلى تسوية شاملة تعالج الخلافات بين دمشق والقوى المحلية.

وجدد محافظ السويداء مصطفى البكور دعوته إلى الحوار لمعالجة الملفات العالقة، مؤكداً استعداد الدولة لمناقشة المطالب والمخاوف المطروحة، في ظل استمرار تداعيات أحداث تموز 2025، وتعثر عودة المهجرين، والخلافات بشأن الترتيبات الأمنية والإدارة المحلية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بحوادث الخطف والانفلات الأمني.

وفي مقابلة مع قناة «الإخبارية السورية» نُشرت في 18 تشرين الأول الحالي، دعا البكور إلى تشكيل لجان من أبناء المحافظة لمناقشة القضايا الخلافية ووضع ضمانات متبادلة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. غير أن تجدد الدعوة يطرح تساؤلات بشأن فرص انتقال الحوار من التصريحات إلى خطوات عملية، في ظل استمرار الخلافات حول التمثيل المحلي والمحاسبة والجهات المسؤولة عن إدارة الملف الأمني.

 

دعوة دمشق وتحديات استعادة الثقة

تأتي دعوة البكور بعد أشهر من التوتر الذي أعقب أحداث تموز 2025، من دون التوصل إلى تفاهم شامل ينهي الأزمة. ويعيد طرح الحوار النقاش حول الأطراف التي ستمثل المحافظة، وآليات التفاوض، والضمانات التي يمكن أن تحول دون تكرار المواجهات أو تعثر الاتفاقات.

ويرى المتحدث الإعلامي باسم «التيار الثالث» في السويداء، كنان مسعود، أن دعوة المحافظ تعكس استمرار توجه الحكومة السورية نحو المسار السياسي، ومحاولة إعادة معالجة الخلافات عبر المؤسسات الرسمية بدلاً من المواجهة العسكرية.

ويقول مسعود إن أهمية الحوار تكمن في إتاحة المجال أمام مختلف الفعاليات الاجتماعية والمدنية والسياسية للمشاركة في تحديد مستقبل المحافظة، بدلاً من حصر تمثيلها بجهة دينية أو قيادة عسكرية واحدة. لكنه يشدد على أن نجاح المبادرة يتطلب إجراءات ملموسة تعيد الثقة وتضمن الحقوق.

من جهته، يعتبر الكاتب السياسي درويش خليفة أن الحوار يمثل مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الثقة تدريجياً بين أهالي السويداء والسلطات في دمشق، مشيراً إلى إمكانية الاستناد إلى اتفاق 16 أيلول 2025، المعلن ضمن التنسيق السوري الأردني الأميركي، لدفع مسار التسوية.

وتبقى قدرة الدعوة على تحقيق تقدم مرتبطة بالاتفاق على طبيعة الحوار وأطرافه وجدول أعماله، فضلاً عن وجود آليات واضحة لمتابعة النتائج وتنفيذ الالتزامات، بدلاً من الاكتفاء بتجديد الاستعداد للتفاوض.

 

ضغوط معيشية وملفات عالقة

لا تقتصر دوافع استئناف الحوار على الخلافات السياسية والأمنية، بل تتزامن الدعوة مع استمرار الأعباء المعيشية والخدمية، واضطراب بعض القطاعات، وتعثر عودة المهجرين، وبقاء ملفات المحتجزين والإدارة المحلية من دون معالجة شاملة.

ويحدد مسعود تدهور الأوضاع المعيشية والخدمات والتعليم، إلى جانب تعثر عودة المهجرين، ضمن أبرز العوامل التي تجعل التوصل إلى تفاهمات أكثر إلحاحاً. ويشير إلى أن التفاهمات الجزئية المتعلقة ببعض الملفات الخدمية والإدارية والمحتجزين لم تتحول إلى تسوية سياسية وأمنية شاملة.

ويربط مسعود فرص التقدم بضرورة تفعيل خارطة الطريق السورية الأردنية الأميركية المعلنة في أيلول 2025، والتي لم تُنفذ جميع بنودها، إلى جانب تأثير التطورات الإقليمية والتدخلات الإسرائيلية في جنوب سوريا.

وكان البكور قد تحدث عن صعوبات معيشية وحوادث خطف وانفلات أمني في المحافظة، مؤكداً استعداد الدولة لمناقشة القضايا العالقة. وأشار إلى تنفيذ بعض بنود خارطة الطريق، ومنها تأمين طريق دمشق السويداء ونشر قوى الأمن الداخلي، مقابل استمرار تعثر بنود أخرى.

ويعكس ذلك فجوة بين تنفيذ إجراءات محددة وبين التوصل إلى اتفاق أوسع ينظم العلاقة بين المؤسسات الرسمية والقوى المحلية، ويحدد المسؤوليات الأمنية والإدارية ويضمن معالجة الملفات الإنسانية.

 

لماذا تعثرت المحاولات السابقة؟

تواجه محاولات الحوار مجموعة من العقبات المتداخلة، أبرزها أزمة الثقة التي خلفتها أحداث تموز 2025، والخلاف على التمثيل السياسي، والتباين بشأن الترتيبات الأمنية، والمطالب المتعلقة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

ويضع مسعود مسألة الثقة في مقدمة العوائق، معتبراً أن تجاوز آثار الأحداث يتطلب مساراً قضائياً شفافاً لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر الضرر، بعيداً عن الانتقائية أو الحماية القائمة على الانتماءات.

كما يشير إلى استمرار الخلاف بشأن الجهات التي يحق لها تمثيل المحافظة والتفاوض باسم سكانها، في ظل تعدد الفعاليات السياسية والاجتماعية والمدنية. ويضيف أن انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة يزيد صعوبة التوصل إلى تفاهمات، خصوصاً عندما تمتلك بعض الأطراف القدرة على فرض مواقفها بالقوة.

وفي المقابل، يشدد مسعود على مسؤولية الحكومة السورية في تقديم ضمانات أمنية وقانونية قابلة للتحقق، وإظهار نتائج ملموسة في ملفات العدالة والمهجرين والمفقودين، بما يساعد على تقليص الفجوة بين الأطراف.

أما خليفة، فيرى أن بدء حوار جاد يتطلب الاتفاق مسبقاً على الجهات المشاركة، والجهة التي ستتولى إدارته، وجدول الأعمال، مع وجود طرف محايد يحظى بقبول الأطراف المعنية.

ويؤكد ضرورة أن تشمل المفاوضات الترتيبات الأمنية، وتحديد الجهات المسؤولة عن حفظ الأمن وتبعيتها المؤسسية، إلى جانب شكل الإدارة المحلية وآليات تشكيل مجلس المحافظة بما يضمن تمثيل السكان.

وتلتقي هذه الطروحات عند ضرورة الانتقال من الدعوات العامة إلى اتفاق على قواعد الحوار وضماناته، مع معالجة ملفات المحاسبة والتمثيل والسلاح، حتى لا تبقى المبادرات رهينة الخلافات التي عطلت المحاولات السابقة.

 

الاشتباكات الأخيرة.. تزامن لا يحسم الأسباب

يتزامن تجديد الدعوة إلى الحوار مع استمرار التوترات الأمنية في السويداء، بما فيها الاشتباكات بين الجيش السوري ومجموعات مسلحة محلية، إلى جانب حوادث الخطف وإطلاق النار داخل المدينة. ويثير هذا التزامن تساؤلات بشأن تأثير التصعيد في فرص التسوية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود علاقة مباشرة بين التحركات السياسية والأحداث الأمنية.

ويرى مسعود أن الاشتباكات لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي العام الذي تشهده المحافظة، لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين تزامن الأحداث وثبوت وجود علاقة سببية بينها.

ويطرح احتمال أن تنظر بعض القوى إلى توسيع دائرة الحوار باعتباره تهديداً لنفوذها، غير أن هذا الاحتمال لا يشكل دليلاً قاطعاً على دوافع الاشتباكات أو الجهات المسؤولة عنها.

من جانبه، يضع خليفة التدخلات الخارجية، ولا سيما الإسرائيلية، ضمن العوامل التي تزيد تعقيد الأزمة وتؤثر في حسابات الأطراف المحلية. ويعني ذلك أن فرص التسوية لا تتوقف على معالجة الخلافات داخل المحافظة فحسب، بل تتأثر أيضاً بالبيئة الإقليمية المحيطة بها.

ومع استمرار التوترات، يبقى تثبيت التهدئة والتحقيق في الحوادث الأمنية وتحديد المسؤوليات من الخطوات الضرورية لتهيئة مناخ يسمح باستئناف المفاوضات، بعيداً عن التصعيد الذي قد يضعف فرص التوصل إلى تفاهمات.

 

ما المطلوب لفتح الطريق أمام التسوية؟

يتطلب إحراز تقدم في السويداء خطوات تتجاوز إعلان الاستعداد للحوار، تبدأ بتهيئة الظروف الأمنية وتحديد الأطراف المشاركة وجدول الأعمال، وصولاً إلى وضع ضمانات متبادلة وآليات متابعة تتيح التحقق من تنفيذ الاتفاقات.

ويرى خليفة أن الحوار ينبغي أن يستند إلى أجندة واضحة تتناول الملفات الأمنية والإدارية وإعادة بناء الثقة، مع تحديد مسؤوليات الجهات الأمنية وتبعيتها، والاتفاق على شكل الإدارة المحلية وآليات تمثيل السكان.

ويشدد على أن إطلاق حوار منظم بضمانات متبادلة ومخرجات قابلة للتنفيذ أصبح ضرورة لتفادي مزيد من التصعيد وحماية وحدة سوريا واستقرارها.

بدوره، يربط مسعود فرص التسوية بإعطاء الأولوية لعودة المهجرين، وإعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية، وتحديد التعويضات وآليات جبر الضرر، إلى جانب تحييد المدارس والجامعات والمستشفيات والخدمات العامة عن التجاذبات السياسية.

كما يؤكد أهمية المحاسبة القضائية العادلة للمسؤولين عن الجرائم، بصرف النظر عن انتماءاتهم، معتبراً أن العدالة تمثل شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع المحلي.

وتشمل الخطوات المطروحة تثبيت التهدئة، والتحقيق في الانتهاكات، وتسهيل عودة السكان بصورة آمنة، واستئناف الخدمات، وفتح قنوات تمثيل تتيح مشاركة مختلف الفعاليات. وقد يساعد وضع جدول زمني واضح للتنفيذ في تحويل التفاهمات إلى إجراءات يمكن تقييمها ومساءلة الجهات المعنية بشأنها.

ويقدّر مسعود أن إحراز تقدم في الملفات الإنسانية والخدمية قد يكون ممكناً على المدى القريب، في حين تبقى التسوية السياسية والأمنية الشاملة أكثر تعقيداً، بسبب تداخل العوامل المحلية والإقليمية.

 

اختبار جديد لمسار الحوار

تضع دعوة البكور الحوار أمام اختبار جديد في السويداء، وسط استمرار الخلافات بشأن التمثيل المحلي والترتيبات الأمنية والمحاسبة وعودة المهجرين. وبينما تتيح الدعوة فرصة لإعادة فتح قنوات التواصل، فإن نجاحها سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف على الاتفاق على قواعد واضحة وضمانات قابلة للتطبيق.

ولا يكفي إعلان الاستعداد للتفاوض وحده لإنهاء الأزمة، ما لم يترافق مع إجراءات ملموسة تحد من التصعيد، وتكشف مصير المفقودين، وتعالج آثار الانتهاكات، وتدفع باتجاه عودة آمنة للمهجرين واستعادة الخدمات.

وفي ظل استمرار التوترات والتداخلات الإقليمية، ستتوقف فرص التسوية الشاملة على مدى قدرة الأطراف على تجاوز الخلافات التي عطلت المبادرات السابقة، وتحويل الحوار من موقف معلن إلى مسار سياسي وأمني يمكن قياس نتائجه على الأرض.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 5

اقرأ أيضاً