مشروع غاز أمريكي بـ25 مليار دولار تحاصره أموال روسية سرية

2026.10.24 - 20:52
Facebook Share
طباعة

 يواجه مشروع أمريكي لتصدير الغاز الطبيعي المسال من ألاسكا، تبلغ تكلفته المقدرة 25 مليار دولار، أزمة تتجاوز الخلافات الإدارية إلى مخاطر العقوبات واحتمالات النفوذ الروسي في قطاع الطاقة الأمريكي، بعد تقارير صحفية كشفت عن تمويل غير معلن مرتبط بشركة «نوفاتك» الروسية، بالتزامن مع محادثات بين واشنطن وموسكو بشأن فرص تعاون في قطاع الطاقة.

وبحسب تحقيقين نشرتهما صحيفتا «فايننشال تايمز» و«نيويورك تايمز»، تلقت شركة «بولار» المطورة للمشروع تمويلاً مرتبطاً بنوفاتك، رغم عدم حصولها على الموافقات الأمريكية اللازمة للتعامل مع المجموعة الروسية. وأثارت هذه التطورات خلافات داخل الشركة، انتهت باستقالة رئيسها التنفيذي السابق جويل ريدل وعدد من كبار المسؤولين.

وقال ريدل لـ«فايننشال تايمز» إنه استقال في أيلول الماضي بعدما اكتشف، بحسب روايته، أن دور نوفاتك لا يقتصر على توفير التكنولوجيا، بل يمتد إلى تمويل المشروع والتأثير في توجهاته الاستراتيجية. وأضاف أنه كان يعتقد في البداية أن التمويل يأتي من مستثمرين أمريكيين ومن شركة «تك ويف» لإدارة المشاريع الصناعية، ومقرها أبوظبي.

في المقابل، نفت «بولار» اتهامات رئيسها التنفيذي السابق، ووصفت تصريحاته بأنها صادرة عن موظف سابق ساخط، مؤكدة التزام المشروع بالقوانين الأمريكية. وقالت نوفاتك إن تنفيذ المشروع يتطلب الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة من السلطات الأمريكية والروسية.

 

تمويل عبر أبوظبي وحصة روسية محتملة

كشفت «نيويورك تايمز»، استناداً إلى مراسلات ووثائق داخلية، أن مسؤولين بارزين في نوفاتك، بينهم الرئيس التنفيذي ليونيد ميخيلسون ونائب الرئيس دينيس سولوفيوف، ناقشوا توفير ما يصل إلى 15 مليون دولار لتمويل أنشطة المشروع الأمريكي عبر شركة «تك ويف».

وبحسب الصحيفة، أظهرت مراسلات أعقبت اجتماعاً عُقد في أبوظبي أواخر آب الماضي أن دفعة أولى بقيمة خمسة ملايين دولار كان مقرراً تحويلها مطلع أيلول. كما أوردت «فايننشال تايمز» رسائل عبر تطبيق «واتساب» قالت إنها اطلعت عليها، وظهر فيها سولوفيوف وهو يناقش تمويل المشروع ويسعى إلى تسريع تحويل الأموال إلى «بولار».

لكن التطور الأكثر حساسية تمثل في إعلان نوفاتك سعيها إلى امتلاك حصة أقلية في المشروع، وفق «نيويورك تايمز»، وهو ما قد ينقل دور الشركة الروسية من مورد للتكنولوجيا والمعدات إلى شريك يمتلك مصلحة مالية مباشرة في تصدير الغاز الأمريكي.

وفي حال إتمام هذه المشاركة والحصول على الموافقات اللازمة، قد تستفيد نوفاتك من المشروع عبر بيع تقنيات تسييل الغاز والمعدات المرتبطة بها، فضلاً عن عوائد استثمارية محتملة من حصتها في الشركة المطورة.

وتعود فكرة المشروع إلى آذار الماضي، عندما طُرحت خطة للاستفادة من منشأة روسية غير مكتملة ونقلها إلى ألاسكا. وذكرت «فايننشال تايمز» أن الشركة طلبت إذناً من وزارة الخزانة الأمريكية للتفاوض مع نوفاتك، لكنها لم تكن قد حصلت على الموافقة عند ظهور الخلاف بشأن التمويل.

وتشير التقارير إلى دور «تك ويف» الإماراتية في هيكل المشروع وتمويله، لكنها لم تثبت ارتكاب الشركة مخالفة قانونية. وأكدت «بولار» أن «تك ويف» قدمت التمويل وبدأت أعمالاً هندسية أولية بمشاركة مقاولين أمريكيين.

 

غاز أمريكي بتكنولوجيا روسية

يستهدف المشروع الاستفادة من احتياطيات الغاز الطبيعي المصاحب لإنتاج النفط في شمال ألاسكا، حيث تُعاد كميات كبيرة من الغاز المستخرج إلى باطن الأرض بسبب محدودية البنية التحتية اللازمة لنقله ومعالجته.

ووفق التفاصيل الفنية التي نشرتها «نيويورك تايمز»، تخطط «بولار» لشراء منشأة ضخمة من نوفاتك، مصنوعة من الخرسانة والفولاذ ويبلغ وزنها نحو 640 ألف طن، وتركيبها في منطقة ميلن بوينت قبالة الساحل الشمالي لألاسكا.

ومن المقرر تجهيز المنشأة بمعدات لتسييل الغاز، تمهيداً لشحنه على متن ناقلات متخصصة قادرة على العمل في المياه الجليدية، ثم نقله إلى الأسواق الآسيوية.

لكن الخطة تواجه تحديات فنية وبيئية، من بينها ضحالة المياه في الموقع المقترح، واحتمال تأثير المشروع في أنشطة صيد الحيتان التقليدية وسبل عيش المجتمعات المحلية، فضلاً عن الحاجة إلى الحصول على تصاريح اتحادية متعددة.

كما ينافس المشروع خطة أخرى تحظى بدعم أمريكي لإنشاء خط أنابيب للغاز بطول 800 ميل، بتكلفة تقديرية تبلغ 50 مليار دولار، لنقل الغاز من شمال ألاسكا إلى ساحلها الجنوبي، حيث يمكن تصديره إلى الأسواق الآسيوية.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن اليابان وكوريا الجنوبية قد تشاركان في تمويل مشروع خط الأنابيب المنافس، في إطار مساعيهما إلى تعزيز أمن إمدادات الغاز.

ويضع هذا التنافس مشروع «بولار» أمام تحديين متوازيين: إثبات جدواه الفنية والاقتصادية في مواجهة بدائل أخرى، ومعالجة المخاوف التنظيمية والسياسية المرتبطة باستخدام التكنولوجيا الروسية واحتمال دخول نوفاتك شريكاً مالياً فيه.

 

العقوبات تدخل حسابات التعاون الأمريكي الروسي

تكتسب القضية أهمية إضافية بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة منذ عام 2023 على مشروع نوفاتك الروسي «آركتيك للغاز الطبيعي المسال 2»، والتي أعاقت تشغيله بالقدرة المستهدفة البالغة نحو 20 مليون طن سنوياً.

ونقلت «فايننشال تايمز» عن أشخاص مطلعين على المحادثات الأمريكية الروسية أن المناقشات شملت احتمال استفادة مشروع ألاسكا من خبرات نوفاتك مقابل رفع العقوبات عن المشروع الروسي.

غير أن نوفاتك نفت وجود ارتباط بين استخدام تقنياتها في ألاسكا وتخفيف العقوبات المفروضة على منشأتها الروسية، مؤكدة أنها تتعامل مع المشروع الأمريكي باعتباره فرصة مستقلة.

وفي تطور متصل، أفادت «نيويورك تايمز» بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ناقش الخطوط العامة لمشروع ألاسكا مع مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، خلال محادثات الشهر الماضي.

لكن الصحيفة أشارت إلى عدم وجود مؤشرات على أن المبعوثين كانوا على علم بالتمويل الروسي غير المعلن أو بطبيعة الارتباط المالي بين «بولار» ونوفاتك. كما نقلت عن مسؤول أمريكي قوله إن المشروع طُرح بصورة عامة، من دون الدخول في تفاصيله.

وتزامنت هذه الاتصالات مع بحث فرص تعاون أخرى في قطاع الطاقة، شملت احتمال بيع حصة من شركة «لوك أويل» الروسية إلى الحكومة الأمريكية ومستثمرين آخرين، إلى جانب احتمال مشاركة أمريكية في صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا.

وتعكس هذه الملفات تداخل المصالح الاقتصادية مع حسابات العقوبات والسياسة الخارجية، لكنها لا تثبت بحد ذاتها وجود اتفاق نهائي بين واشنطن وموسكو بشأن تخفيف القيود المفروضة على قطاع الطاقة الروسي.

 

استقالات ومخاطر تنظيمية تهدد المشروع

أدت الخلافات بشأن مصادر التمويل إلى استقالة ريدل وعدد من كبار المسؤولين التنفيذيين، بينهم المدير المالي دان تشاندرا ونائب الرئيس التنفيذي جيم سميث.

واستندت «نيويورك تايمز» إلى وثائق قالت إنها تظهر تقديم ريدل استقالته قبل أن ترسل الشركة خطاباً بإنهاء خدماته، في رواية تختلف عن تفسير «بولار» لظروف مغادرته.

كما أشارت الصحيفتان إلى مذكرة قانونية أعدها مكتب «بيكر بوتس»، حذرت من أن ارتباط المشروع بنوفاتك قد يثير مخاوف لدى الجهات الأمريكية المعنية بتطبيق العقوبات، ويؤثر في إصدار التراخيص والموافقات التنظيمية.

ويحتاج المشروع، على وجه الخصوص، إلى موافقة وزارة الخزانة الأمريكية على استخدام معدات نوفاتك، إضافة إلى تصريح من اللجنة الفيدرالية لتنظيم الطاقة لإنشاء منشأة التصدير.

وعينت «بولار» تيم توكينغتون، الذي سبق له إدارة عمليات «غولدمان ساكس» في روسيا، رئيساً تنفيذياً بالإنابة، مؤكدة استمرارها في البحث عن مستثمرين وشركاء تنفيذ أمريكيين.

ومع ذلك، فإن استمرار المشروع لا يتوقف على تأمين التمويل والشركاء فحسب، بل يتطلب أيضاً حسم الوضع التنظيمي للتعامل مع نوفاتك، واستكمال التصاريح الفنية والبيئية اللازمة، في وقت لا تزال فيه الاتهامات المتعلقة بمخالفة العقوبات غير محسومة.

وتضع هذه التطورات المشروع أمام معادلة معقدة: توظيف التكنولوجيا الروسية لتطوير مورد أمريكي استراتيجي وتعزيز صادرات الغاز إلى آسيا، مقابل مخاطر قانونية وسياسية قد تعرقل التمويل والتنفيذ أو تفرض إعادة هيكلة الشراكات.

ولم تشر التقارير المنشورة إلى صدور حكم قضائي أو قرار تنظيمي يثبت وقوع انتهاك للعقوبات من جانب الشركات المعنية، ما يجعل القضية حتى الآن مرتبطة باتهامات وتقارير عن التمويل والملكية المحتملة، بانتظار ما ستقرره الجهات الأمريكية المختصة بشأن الموافقات المطلوبة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 1

اقرأ أيضاً