حذّر الأكاديمي الإسرائيلي يورام بيري من أن الحرب على قطاع غزة أحدثت تحولاً عميقاً في نظرة الرأي العام العالمي إلى الاحتلال، وألحقت بسمعته أضراراً ستستمر آثارها لسنوات طويلة، معتبراً أن المجتمع الإسرائيلي لا يدرك حجم التغيرات التي أحدثتها الحرب في المواقف السياسية والشعبية على المستوى الدولي.
وقال بيري، الأستاذ الفخري في جامعة ميريلاند الأمريكية ومؤسس معهد «هرتسوغ» للإعلام والمجتمع والسياسة في جامعة تل أبيب، إن انشغال المجتمع الإسرائيلي بخلافاته الداخلية يحول دون إدراكه حجم الغضب الدولي تجاه الحرب وتداعياتها على مكانة الاحتلال. وأشار إلى أن زيارة قصيرة إلى مدينة أوروبية مثل لندن تكفي لملاحظة مدى حضور قضية غزة في النقاشات العامة.
وفي مقال نشره موقع «زمان إسرائيل» العبري، أوضح بيري أن تداعيات الحرب تجاوزت المواقف الرسمية للحكومات، وأصبحت حاضرة في السياسة والإعلام والجامعات والمؤسسات الثقافية والفعاليات الرياضية في أنحاء أوروبا.
غزة في السياسة والثقافة الأوروبية
واستشهد الأكاديمي بالانتشار الواسع للكتب التي تتناول الحرب على غزة ومعاناة الفلسطينيين، مشيراً إلى عناوين من بينها «مرثية غزة» و«الإبادة الجماعية في غزة» و«فلسطينيون يمكن الاستغناء عنهم» و«العالم بعد غزة». واعتبر أن هذه المؤلفات تعكس اتساع الاهتمام الدولي بما شهدته غزة، في مقابل محدودية النقاش بشأن تداعيات الحرب داخل المجتمع الإسرائيلي.
ولفت بيري إلى أن الخطاب السياسي والإعلامي الأوروبي شهد تغيراً ملحوظاً، مع تزايد استخدام توصيفات من قبيل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والتطهير العرقي في سياق الحديث عن الحرب. وأشار إلى أن هذه المصطلحات باتت حاضرة في الصحف والمجلات والفعاليات الثقافية والنقاشات العامة.
كما استعرض مظاهر التضامن الشعبي مع الفلسطينيين، بينها مظاهرة في العاصمة الهولندية أمستردام شارك فيها، بحسب ما أورده، نحو 250 ألف شخص، مطالبين بتشديد موقف الحكومة الهولندية تجاه الاحتلال.
وتحدث كذلك عن حملة جمعت مليون توقيع خلال ثلاثة أشهر للمطالبة بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والاحتلال، إلى جانب تحركات عمالية في 21 ميناءً بمنطقة البحر المتوسط رفضاً لنقل الأسلحة المستخدمة في الحرب على غزة، وللاحتجاج على استخدام الموانئ المدنية لأغراض عسكرية.
احتجاجات تطال الرياضة والجامعات
وبحسب بيري، امتد الحراك المناهض للحرب إلى الفعاليات الرياضية والثقافية، مستشهداً بالاحتجاجات التي رافقت سباق «لا فويلتا» للدراجات الهوائية في إسبانيا، فضلاً عن مواقف هيئات البث العامة في أيرلندا وإسبانيا وهولندا وسلوفينيا الرافضة لمشاركة الاحتلال في مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن».
وفي الأوساط الجامعية، أشار إلى تنظيم مظاهرات وفعاليات تضامنية مع الفلسطينيين في أكثر من 50 مدينة أوروبية، بمشاركة حركات طلابية ونقابات عمالية وقوى سياسية، معتبراً أن اتساع هذه التحركات يعكس انتقال قضية غزة إلى صلب النقاشات العامة في قطاعات مختلفة من المجتمعات الأوروبية.
ورأى الأكاديمي أن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة من الانفصال عن هذه التحولات، بسبب تركيزه على الخلافات السياسية الداخلية، من دون استيعاب أن الحرب على غزة باتت عاملاً مؤثراً في تشكيل المواقف الشعبية والسياسية تجاه الاحتلال في مناطق واسعة من العالم.
تداعيات تتجاوز نتنياهو
وحذّر بيري من أن آثار الحرب ستبقى حاضرة في العلاقات الدولية حتى بعد انتهاء حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، معتبراً أن تغيير القيادة السياسية، سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة، لن يكون كافياً لإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
وأشار إلى أن دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لنتنياهو لا يعني استبعاد تغير المواقف الأمريكية في المستقبل، في ضوء التداعيات التي خلفتها الحرب على صورة الاحتلال عالمياً.
وأضاف أن الانتخابات المقبلة، حتى في حال وصول المعارضة الإسرائيلية إلى الحكم، لن تمحو آثار الحرب أو تعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبلها، مؤكداً أن العودة إلى العالم الذي سبق حرب غزة أصبحت، في تقديره، أمراً مستحيلاً.
وفي ختام مقاله، قال بيري إن المجتمع الإسرائيلي سيحتاج إلى سنوات طويلة للتخلص من العار الذي يرى أنه لحق به جراء الحرب على غزة، داعياً إلى إنهاء حكم نتنياهو وإبعاده عن الحياة السياسية، باعتبار ذلك خطوة أولى نحو مواجهة تداعيات السنوات الماضية.
وتعكس تصريحات الأكاديمي، وفق طرحه، اتساع القلق داخل بعض الأوساط الإسرائيلية من الكلفة الدولية للحرب، ليس فقط على مستوى العلاقات الدبلوماسية، بل أيضاً في الجامعات والثقافة والرياضة والرأي العام، وهي آثار يرى أنها لن تنتهي بمجرد توقف العمليات العسكرية أو حدوث تغيير سياسي.