هدم وتهجير وطرق استيطانية.. كيف يعيد الاحتلال رسم الضفة؟

2026.10.24 - 17:48
Facebook Share
طباعة

 تتجاوز تداعيات العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة الخليل ملاحقة منفذي هجوم حاجز فرش الهوا، لتفتح الباب أمام مخاوف من توظيف التصعيد في توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية، عبر إخلاء السكان وهدم المباني وتكثيف الاقتحامات وتشديد القيود على الحركة، ضمن مسار قد يعمّق تقطيع الضفة الغربية جغرافياً وديمغرافياً.

وبدأ التصعيد عقب اشتباك استمر نحو 20 دقيقة عند حاجز فرش الهوا، وأسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل استشهاد المنفذين الفلسطينيين. وأعلن جيش الاحتلال إطلاق عملية عسكرية قد تستمر أياماً، ترافقت مع إخلاء عائلات وهدم مبانٍ، فيما لوّح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بإغلاق الضفة الغربية بالكامل.

ولا تقتصر التحركات الميدانية على الخليل، إذ ترافقت العملية مع اقتحامات واعتقالات في محافظات جنين وطولكرم ونابلس، شملت بلدات عرابة وقفين وبورين وجالود وقريوت، إلى جانب مناطق أخرى في شمال الضفة.

وبحسب ما عرضه الزميل عبد القادر عراضة على خريطة تفاعلية، أصدرت قوات الاحتلال إنذارات بإخلاء مناطق في الخليل، بينها الجلدة ودير بحة، وطُلب من مئات العائلات مغادرة منازلها. وجاءت هذه الإجراءات بالتزامن مع إعلان الجيش مناورات في المنطقتين الوسطى والشمالية، قبيل الأعياد الإسرائيلية المقررة الثلاثاء المقبل.

وتكتسب تصريحات نتنياهو بشأن اطلاعه على خطة في الضفة قد يتجاوز نطاقها ما جرى عام 1967 أهمية إضافية في هذا السياق، إذ تثير تساؤلات بشأن حدود العملية الحالية وما إذا كانت ستُستثمر لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على مناطق أخرى.

 

«النجوم السبع» و«إي1».. مشاريع لتغيير جغرافيا الضفة

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد إلياس حنا أن ما يجري في الخليل يأتي امتداداً لعمليات سابقة في جنين وطولكرم ونابلس، رافقها تهجير للسكان وتغييرات في الطبوغرافيا والديمغرافيا. ويعتبر أن تزامن هذه الإجراءات واتساع نطاقها يعكسان تحولاً يتجاوز الحملة الأمنية المحدودة.

ويربط حنا بين التطورات الحالية ومشروع «إي1» الاستيطاني شرق القدس، الذي يُحذّر منتقدوه من أنه قد يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني. وكانت جهات أوروبية قد حذّرت من أن تنفيذ المشروع سيعمّق تجزئة الضفة ويقوّض فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

وتبرز الخليل في هذه القراءة بسبب موقعها وحجمها السكاني وأهميتها الاقتصادية. ووفق حنا، تمتد المدينة على مساحة تقارب 42 كيلومتراً مربعاً، ويقطنها نحو 270 ألف فلسطيني، كما تخضع لترتيبات أمنية تقسمها إلى منطقتي «إتش1» و«إتش2»، بموجب الاتفاقات الموقعة عام 1997.

ويشير الخبير إلى أن الطريقين 60 و35 يشكلان جزءاً مهماً من المشهد الجغرافي؛ إذ يربط الطريق 60 مناطق شمال الضفة بجنوبها، فيما يمر الطريق 35 بالخليل. ويرى أن السيطرة على هذه الممرات تتيح التأثير في حركة الفلسطينيين بين المدن والتجمعات، وتزيد إمكانات عزل المناطق عن بعضها.

وفي هذا الإطار، يستحضر حنا مشروع «النجوم السبع» المرتبط برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، والذي قام على إقامة مستوطنات بمحاذاة الخط الأخضر، بالتوازي مع إنشاء الجدار الفاصل وشبكة من الطرق الالتفافية. ويقول إن هذا النمط من التخطيط الاستيطاني يسهم في تطويق التجمعات الفلسطينية وربط المستوطنات بشبكة المواصلات الإسرائيلية.

 

من مشاريع الاستيطان إلى السيطرة على الممرات

ويضع حنا التحولات الجارية ضمن سلسلة من المشاريع الاستيطانية التي تعاقبت على الضفة الغربية. ويشير إلى مشروع إيغال ألون، الذي ركّز على السيطرة على مناطق طرفية من الضفة وربطها بالأردن، ثم توجهات شارون نحو توسيع الاستيطان داخل الأراضي الفلسطينية، وصولاً إلى خطة ماتيتياهو دروبلز، رئيس قسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية، عام 1979، التي دعت إلى إنشاء تجمعات استيطانية مترابطة.

أما السياسات الحالية، فيصفها حنا بأنها أقرب إلى صيغة موسعة يسميها «ألون بلس»، تقوم على إحكام السيطرة الأمنية والاقتصادية على الضفة الغربية. ووفق هذا التحليل، تصبح عملية فرش الهوا تحركاً ميدانياً محدوداً في ظاهره، لكنه قد يتقاطع مع أهداف استراتيجية أوسع تتعلق بالخليل والممرات المحيطة بها.

ويربط الخبير أيضاً بين المناورات العسكرية والاستعداد لاحتمال تنفيذ عمليات على أكثر من جبهة، مشيراً إلى الفرقة 877 التي تضم ستة ألوية، وإلى إنشاء فرقة أخرى في منطقة غور الأردن. ويعتبر أن هذه الترتيبات تعكس استعداداً عسكرياً منظماً، وإن كانت دلالاتها العملياتية لا تكفي وحدها لتأكيد طبيعة الخطط المقبلة.

 

الخليل والاقتصاد الفلسطيني في دائرة الضغط

ويحذّر حنا من أن اتساع الرد العسكري مقارنة بحجم الهجوم قد يؤدي إلى تحويل حادثة أمنية إلى مبرر لعملية واسعة داخل الخليل، بما يتيح للاحتلال استهداف شبكات المقاومة المحتملة، وفرض قيود إضافية على السكان، وإلحاق أضرار بالاقتصاد الفلسطيني من خلال التحكم بالمدينة وممراتها.

ولا تقتصر آثار هذه الإجراءات على الجانب الأمني؛ فإخلاء المنازل وتعطيل الحركة وتقييد الوصول إلى الأسواق وأماكن العمل قد يفاقم الأعباء المعيشية على السكان، خصوصاً في مدينة تمثل مركزاً اقتصادياً مهماً في جنوب الضفة الغربية.

ويضع حنا هذه التطورات ضمن حسابات جيوسياسية أوسع، مشيراً إلى أن مساحة الضفة الغربية تقارب 4500 كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها الفلسطينيين نحو 4.3 ملايين نسمة. ويرى أن السيطرة التدريجية على الأرض والممرات والتجمعات السكانية تشبه نهجاً يقوم على توسيع السيطرة على مراحل، بالتوازي مع عمليات عسكرية متكررة تستهدف إعادة تشكيل الواقع الميداني.

وبين الاقتحامات والإخلاءات والمشاريع الاستيطانية وشبكات الطرق، يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بما إذا كانت العملية في الخليل ستتوقف عند أهدافها المعلنة، أم ستتحول إلى حلقة إضافية في مسار أوسع لتجزئة الضفة الغربية وعزل مدنها وتغيير واقعها السكاني والجغرافي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 7

اقرأ أيضاً