واشنطن توسع أدوات التجسس الاقتصادي لمنافسة الصين تكنولوجياً

2026.10.23 - 15:41
Facebook Share
طباعة

تتجه الولايات المتحدة إلى توسيع أدواتها الاستخباراتية في مواجهة الصين، عبر مشروع محتمل داخل وزارة الحرب الأمريكية يهدف إلى جمع معلومات اقتصادية وتكنولوجية حساسة من خلال عملاء يعملون تحت غطاء مدني، من دون صلات معلنة بالحكومة الأمريكية. ووفق تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست، تأتي هذه الخطوة ضمن مساعي إدارة الرئيس دونالد ترمب لتعزيز التفوق الأمريكي في القطاعات الاستراتيجية، وتوظيف المعلومات الاستخباراتية في المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية.

 

 

 

ويستهدف البرنامج المقترح تعزيز قدرات البنتاغون على اختراق الأوساط الاقتصادية والتجارية وجمع معلومات عن الشركات والتقنيات الحيوية، بما يدعم جهود واشنطن في مواجهة الصين ومنافسين آخرين. غير أن المشروع لا يزال في مرحلة التخطيط، ولم يبدأ تنفيذه حتى الآن، كما لم يُحسم ما إذا كان سيُنشأ ضمن وحدة مستقلة متخصصة في التجسس البشري، أم سيُستخدم لتوسيع قدرات الاستخبارات القائمة داخل الوزارة.

 


وبحسب الصحيفة، يشرف على المبادرة توم راكوسان، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، الذي أمضى 39 عاماً في الوكالة، وتولى منصب نائب مدير العمليات عام 2017، قبل تقاعده في عام 2021. وعمل راكوسان لاحقاً في شركة «سيربيروس كابيتال مانجمنت» للاستثمار الخاص، التي شارك في تأسيسها ستيف فاينبرغ، نائب وزير الحرب الحالي، ثم انتقل إلى البنتاغون عام 2025.

 


تضم المبادرة خبراء من فروع القوات المسلحة المختلفة، إلى جانب مسؤولين من مكتب وكيل وزارة الحرب لشؤون الاستخبارات والأمن، وعدد من المسؤولين السابقين في وكالة الاستخبارات المركزية. لكن وزارة الحرب نفت، رداً على استفسارات واشنطن بوست، وجود المشروع، ووصفت المعلومات المتعلقة به بأنها غير صحيحة. ولم تعلق الوكالة الاستخباراتية على ما نشرته الصحيفة، فيما لم يستجب راكوسان لطلب التعليق.

 

 

ويأتي التحرك المحتمل في سياق تحول أوسع في استراتيجية إدارة ترمب، التي باتت تتعامل مع الأدوات الاقتصادية باعتبارها جزءاً من المواجهة مع القوى المنافسة. وشملت هذه الاستراتيجية فرض رسوم جمركية، وتوسيع القيود على الصادرات، وتعزيز الاستثمارات في الموارد والتقنيات الحيوية، إلى جانب توظيف رؤوس الأموال الخاصة لدعم قطاعات مرتبطة بالصناعات الدفاعية.

 

 

 

وفي سبتمبر الماضي، قال مايكل إليس، نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، إن الولايات المتحدة توسع نطاق عملياتها الاستخباراتية المتعلقة بالصين، مع تركيز متزايد على الشركات العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية وأشباه الموصلات المتقدمة. ورغم أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تجمع معلومات عن الشركات الصينية منذ سنوات، فإن إبراز هذه المجالات على مستوى قيادي يعكس تنامي أهمية التفوق التكنولوجي والاقتصادي في الحسابات الأمنية الأمريكية.

 

 

 

من جانبه، دعا ديفيد كوهين، نائب مدير الوكالة السابق، في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إلى إعادة النظر في القيود المفروضة على مشاركة الأسرار الاقتصادية التي تجمعها أجهزة الاستخبارات مع الشركات الأمريكية العاملة في التكنولوجيا المتقدمة، بهدف تعزيز قدرتها التنافسية. لكنه شدد على ضرورة إخضاع هذه العملية لرقابة صارمة تحول دون المحاباة والفساد عند اختيار الشركات المستفيدة من المعلومات.

 

 

 

وكان فاينبرغ قد أعلن إنشاء وحدة للدفاع الاقتصادي داخل البنتاغون، تتولى استخدام الأدوات الاقتصادية لمواجهة الخصوم. وأعلنت الوحدة استثمارات بمئات الملايين من الدولارات في مصافي التكرير ومشروعات التعدين داخل الولايات المتحدة وخارجها، من بينها تخصيص 750 مليون دولار للمساعدة في تأمين أحد أكبر مكامن المعادن الأرضية النادرة في البرازيل.

 


لكن المشروع الاستخباراتي المقترح يثير تساؤلات بشأن العلاقة بين الأنشطة الاقتصادية المعلنة والعمليات السرية، لا سيما بعد تراجع فكرة وضعه تحت مظلة وحدة الدفاع الاقتصادي، وسط تصاعد التدقيق الإعلامي والرقابي في استثمارات الوحدة وأنشطتها.

 


ولا يحظى المشروع بتأييد كامل داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي. فقد نقلت واشنطن بوست عن مسؤول سابق رفيع في وكالة الاستخبارات المركزية قوله إن راكوسان يسعى إلى إنشاء نسخة موازية من الوكالة داخل البنتاغون. ويكشف هذا الاعتراض عن خلاف مؤسسي بشأن الجهة المسؤولة عن إدارة عمليات التجسس البشري في الخارج، وحدود الصلاحيات بين المؤسسات الأمنية الأمريكية.

 

 

 

وتتحفظ وكالة الاستخبارات المركزية تقليدياً على محاولات المؤسسات الأخرى تنفيذ عمليات سرية قد تتداخل مع اختصاصاتها، وتتمسك بدور أساسي في تنسيق أنشطة التجسس البشري عبر مسؤوليها في الدول المعنية. ويأتي المشروع في وقت تواجه فيه الوكالة تحديات في الحفاظ على قدرات برنامج العملاء العاملين تحت غطاء غير رسمي، مع تقاعد عدد من الضباط المخضرمين وعدم إعداد بدلاء بالعدد والخبرة الكافيين، وفق ما أوردته الصحيفة.

وتكشف تجارب سابقة عن صعوبات كبيرة تواجه هذا النوع من العمليات. فبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، انكشف غطاء عناصر استخبارات أمريكيين كانوا ينتحلون صفة موظفين في شركة تعدين بمنطقة نائية في أفريقيا، بعدما عجزوا عن الإجابة عن أسئلة طرحها خبراء حقيقيون في المجال. وأظهرت الواقعة أن نجاح العمل تحت غطاء مدني يتطلب معرفة مهنية دقيقة بالمجال المستخدم لتبرير هوية العميل وتحركاته.

وتزداد هذه المهمة تعقيداً مع تطور تقنيات التحقق البيومتري واتساع البصمة الرقمية للأفراد، فضلاً عن صعوبة إخفاء السجلات العسكرية والتفاصيل الشخصية التي قد تكشف هويات العملاء. كما تبرز تساؤلات قانونية بشأن الصلاحيات التي سيستند إليها البرنامج في حال إقراره، خصوصاً مع اختلاف الأطر القانونية المنظمة للاستخبارات العسكرية عن تلك التي تحكم العمليات السرية الخارجية لوكالة الاستخبارات المركزية.

 

ويأتي التحرك المحتمل بالتزامن مع سعي البنتاغون إلى الحصول على ميزانية قياسية تبلغ 1.5 تريليون دولار، في مؤشر على اتساع دوره داخل إدارة ترمب. وفي المقابل، تواصل وكالة الاستخبارات المركزية التركيز على تجنيد المصادر البشرية في الخارج والحصول على معلومات سرية عن الخصوم، ما يضع المبادرة المقترحة أمام تحدي تحديد الاختصاصات وتجنب التنافس مع الأجهزة القائمة.

 


بينما تسعى واشنطن إلى تعزيز موقعها في مواجهة الصين، يبقى مستقبل البرنامج مرتبطاً بقدرته على تجاوز العقبات التشغيلية والقانونية، وتوفير التدريب اللازم للعملاء، وتحديد علاقته بالمؤسسات الاستخباراتية الأخرى. وحتى الآن، لا يزال المشروع في مرحلة التخطيط، وسط نفي رسمي من البنتاغون، ما يبقي الغموض قائماً بشأن فرص انتقاله من التصور إلى التنفيذ.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 1

اقرأ أيضاً