درس القذافي يعود ليحاصر خيارات ترمب في إيران

2026.10.22 - 20:43
Facebook Share
طباعة

تعود التجربة الليبية إلى واجهة النقاش في واشنطن مع تصاعد المخاوف من تداعيات الحرب على إيران، وسط تحذيرات من أن يؤدي إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه من دون خطة واضحة لمرحلة ما بعد الحرب إلى فوضى تتجاوز حدود البلاد. وترى مجلة «نيوزويك» الأمريكية أن ما أعقب سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 يقدم درساً تحذيرياً لإدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن مخاطر الانتصار العسكري من دون رؤية سياسية للمرحلة التالية.


أقرا أيضاً: واشنطن تدرس ضرب إيران والحرس الثوري يهدد بالرد

 


في مقال للكاتب توم أوكونور، تستعرض المجلة تداعيات التدخل العسكري الغربي في ليبيا، الذي شارك فيه حلف شمال الأطلسي «الناتو» وأسهم في الإطاحة بالقذافي، لكنه لم يفضِ إلى بناء دولة مستقرة. بل دخلت البلاد في دوامة من الانقسامات السياسية والصراعات المسلحة والتدهور الأمني، مع امتداد آثار الأزمة إلى محيطها الإقليمي والدولي.

 

وشملت تلك التداعيات تصاعد الهجرة باتجاه أوروبا، واتساع نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي، فضلاً عن تراجع الاستقرار في ليبيا وتهيئة ظروف ساعدت روسيا على توسيع حضورها الأمني في أجزاء من القارة.

 

تستعيد «نيوزويك» هذه التجربة في ظل مخاوف من تكرار أخطاء الماضي في التعامل مع إيران، خصوصاً أن التفوق العسكري والجوي لا يضمن وحده تحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد، ولا يوفر بالضرورة الظروف اللازمة لإقامة نظام مستقر بعد انتهاء القتال.


إرث ليبيا في الحسابات السياسية الأمريكية

لا تقتصر أهمية التجربة الليبية على نتائج التدخل العسكري، بل تمتد إلى تأثيرها في السياسة الأمريكية الداخلية. فبحسب المقال، أسهمت الفوضى التي أعقبت سقوط القذافي، إلى جانب أزمة الهجرة والهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي عام 2012، الذي أسفر عن استشهاد السفير كريستوفر ستيفنز وآخرين، في تصاعد الانتقادات الموجهة إلى إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.

 

واستثمر ترمب هذه الملفات خلال حملته الانتخابية ضد هيلاري كلينتون، التي كانت وزيرة للخارجية خلال التدخل في ليبيا، في سياق انتقاداته للسياسات الخارجية للإدارة الديمقراطية، قبل فوزه بالرئاسة عام 2016.

أقرا أيضاً: 7 دول في إسطنبول.. فلسطين وهرمز واليمن على طاولة البحث

 


ويشير المقال إلى أن تداعيات التدخل الليبي أسهمت، وفق تحليلات يستشهد بها الكاتب، في تعزيز الخطاب الشعبوي والتيارات المناهضة للمؤسسات السياسية التقليدية في الغرب، بما يوضح كيف يمكن أن تتجاوز نتائج الحروب ساحات القتال لتؤثر في التوازنات السياسية الداخلية.

المفارقة أن ترمب، الذي انتقد سابقاً الإطاحة بالقذافي وما أعقبها من اضطرابات، يواجه اليوم تحدياً مشابهاً في جانب أساسي منه، يتمثل في تحديد شكل المرحلة التالية للحرب على إيران، وضمان ألا يتحول التصعيد العسكري إلى أزمة إقليمية طويلة الأمد.

 

وينقل الكاتب عن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس تحذيره من تكرار السيناريو الليبي، ومن احتمال تحول إيران إلى دولة فاشلة، بما قد يترتب على ذلك من موجات نزوح واسعة، وانتشار للجماعات المتطرفة، واضطراب أمني يمتد إلى دول المنطقة.

أهداف الحرب ومخاطر غياب خطة لما بعدها

 

بحسب المقال، تشمل الأهداف الأمريكية المعلنة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، واستمرار تدفق النفط والغاز، ومنع إيران من امتلاك أسلحة نووية. غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يتوقف على نتائج العمليات العسكرية وحدها، بل يرتبط أيضاً بقدرة واشنطن على إدارة التداعيات السياسية والأمنية للمواجهة.

ويبرز الكاتب اختلافات جوهرية بين الحالتين الليبية والإيرانية. فقد جرى التدخل في ليبيا بالتنسيق مع حلفاء غربيين وضمن غطاء دولي، بينما تشن الولايات المتحدة حربها على إيران بالتعاون مع إسرائيل، وسط معارضة من شركاء إقليميين وغياب تفويض دولي مماثل، وفق ما أورده المقال.

 

كذلك، لا تتوافر في إيران، بحسب المحللين الذين يستشهد بهم الكاتب، معارضة مسلحة داخلية مماثلة للقوى التي واجهت القذافي. كما أن مساحة البلاد، وقدراتها العسكرية، وتركيبتها السياسية، وشبكة تحالفاتها الإقليمية تجعل أي محاولة لغزوها واحتلالها والسيطرة عليها مهمة بالغة التعقيد.

وتعيد هذه المعطيات طرح سؤال أساسي بشأن حدود القوة الجوية في الحروب الحديثة. فالقصف قد يضعف القدرات العسكرية للخصم ويدمر منشآت حيوية، لكنه لا يضمن بمفرده إسقاط النظام أو بناء مؤسسات قادرة على إدارة البلاد بعد انتهاء العمليات.

 

أظهرت التجربة الليبية أن غياب التوافق بشأن المرحلة الانتقالية، وعدم إدارة التوازنات الداخلية بصورة فعالة، قد يفتحان المجال أمام صراعات ممتدة وفراغات أمنية يصعب احتواؤها. لذلك، يبرز التخطيط السياسي والدبلوماسي، إلى جانب الترتيبات الأمنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، بوصفه جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لما بعد الحرب.

 

تداعيات إقليمية ونفوذ روسي متصاعد

 

 

يمتد التحذير من التجربة الليبية إلى منطقة الساحل الأفريقي، حيث ساعد انهيار مؤسسات الدولة وانتشار السلاح على خلق بيئة أكثر هشاشة أمنياً. ويستشهد المقال بمقاتلين من الطوارق سبق أن قاتلوا إلى جانب القذافي، ثم شاركوا في صراعات لاحقة بشمال مالي، ضمن مسار يوضح كيف يمكن أن تنتقل آثار النزاعات من دولة إلى أخرى.

 

في المقابل، استفادت روسيا من التحولات التي أعقبت التدخل الغربي في ليبيا لتعزيز حضورها الأمني في أفريقيا. ويشير المقال أيضاً إلى تقارير تتحدث عن تقديم موسكو دعماً استخبارياً ومعلومات استطلاع لإيران خلال الحرب، بما قد يساعد طهران على استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة.

ويضع هذا التطور المواجهة الحالية في إطار أوسع من الصراع الأمريكي الإيراني، إذ تتصل نتائج الحرب بموازين القوى الدولية وبقدرة واشنطن على الحفاظ على نفوذها وردع منافسيها، وفي مقدمتهم روسيا والصين.

 

تخلص «نيوزويك» إلى أن التحدي الأكبر أمام إدارة ترمب لا يتمثل في حسم المواجهة العسكرية فحسب، بل في منع نتائجها من التحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد. فإضعاف الخصم أو إسقاط نظامه لا يعني بالضرورة تحقيق نصر سياسي، وقد يؤدي غياب خطة متكاملة لما بعد الحرب إلى زعزعة الاستقرار وتقليص النفوذ الأمريكي بدلاً من تعزيزه.

من هنا، تستحضر التجربة الليبية بوصفها تحذيراً من الرهان على القوة العسكرية وحدها، وتذكيراً بأن مستقبل الدول بعد الحروب يتوقف على وجود رؤية سياسية واضحة، وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، ومسار يحد من احتمالات الفوضى والصراع الممتد.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9

اقرأ أيضاً