في ظل تصاعد الهجمات على السعودية وتزايد المخاوف من اتساع المواجهة في اليمن، تحاول القاهرة تحديد سقف واضح لمساندة الرياض، عبر الفصل بين الدفاع عن الأراضي السعودية والمشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن. ويعكس هذا التوجه سعي مصر إلى تأكيد تضامنها مع المملكة، مع تجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة قد تفرض أعباء أمنية واقتصادية وسياسية إضافية.
أقرا أيضاً: 7 دول في إسطنبول.. فلسطين وهرمز واليمن على طاولة البحث
أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، استعداد بلاده للدفاع عن الأراضي السعودية وحدودها إذا طلبت المملكة المساندة، مشددًا على أن أي تحرك عسكري مصري لن يشمل شن هجمات على اليمن. وجاءت التصريحات بالتزامن مع تحرك دبلوماسي واستخباري مصري في الرياض، قاده وزير الخارجية بدر عبد العاطي ورئيس الاستخبارات العامة حسن رشاد، حاملين رسالة من السيسي إلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، تضمنت تأكيد تضامن القاهرة الكامل مع المملكة واستعدادها لدعمها.
يتزامن هذا الموقف مع استمرار المناقشات داخل مجلس النواب المصري بشأن طلب تفويض القوات المسلحة باتخاذ الإجراءات اللازمة لمساندة السعودية عسكريًا إذا طلبت ذلك، بعدما أُرجئ التصويت على الطلب إلى يوم الاثنين المقبل، وفقًا للنص المتداول. ويثير هذا المسار تساؤلات بشأن طبيعة المهمة المحتملة، وحدود المشاركة المصرية، والمخاطر التي قد تنشأ عن انتقال الدعم من المستوى السياسي إلى التحرك العسكري.
وضع السيسي تمييزًا واضحًا بين حماية الأراضي السعودية والمشاركة في هجمات داخل اليمن، مؤكدًا استعداد مصر للدفاع عن المملكة وأي دولة عربية أخرى إذا تعرض أمنها للخطر وطلبت المساندة. ويكشف هذا الموقف عن محاولة للموازنة بين الالتزامات العربية والمصالح الاستراتيجية المصرية، من جهة، وتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة مع جماعة أنصار الله، من جهة أخرى.
وكان قد طلب، السبت الماضي، عقد جلسة طارئة للبرلمان لمنح القوات المسلحة التفويض اللازم للتحرك إذا طلبت السعودية ذلك، موضحًا أن القاهرة لا تسعى إلى مهاجمة أي طرف، وإنما إلى حماية أمن المملكة واستقرارها. وجاءت هذه الخطوة عقب تصاعد الهجمات المنسوبة إلى جماعة أنصار الله على أهداف سعودية، بينها مطار الرياض الدولي ومنشآت مرتبطة بشركة أرامكو، وفقًا لما أورده التقرير الأصلي.
تحركات مصرية في الرياض
في موازاة التصريحات الرئاسية، أجرى عبد العاطي ورشاد زيارة إلى الرياض، الأربعاء، التقيا خلالها ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، وسلّماه رسالة خطية من السيسي إلى الملك سلمان بن عبد العزيز، تتعلق بتعزيز العلاقات الثنائية وتأكيد تضامن مصر مع المملكة.
أقرا أيضاً:هجمات تضرب منشآت سعودية وأنصار الله تعلن استهداف وزارة الدفاع وأرامكو
وبحسب البيان المصري، طلب محمد بن سلمان نقل تحيات الملك سلمان إلى السيسي، معربًا عن تقديره للموقف المصري، ومشيدًا بمتانة العلاقات بين البلدين والروابط الأخوية والتاريخية التي تجمعهما.
تكتسب مشاركة رئيس الاستخبارات العامة في الزيارة أهمية بالنظر إلى طبيعة الملف المطروح، الذي يتجاوز تبادل رسائل التضامن السياسي إلى بحث التنسيق الأمني في ظل التطورات المتسارعة في اليمن والتهديدات التي تواجه السعودية. غير أن البيان الرسمي لم يكشف عن تفاصيل التفاهمات الأمنية أو العسكرية، كما لم يوضح ما إذا كانت المباحثات قد تناولت ترتيبات تنفيذية محددة.
وتشير التحركات المصرية إلى رغبة القاهرة في طمأنة الرياض إلى جدية موقفها، مع إبقاء طبيعة المساندة وحدودها مرتبطتين باعتبارات الدفاع عن الأراضي السعودية، بدلًا من الالتزام المسبق بمشاركة قتالية داخل اليمن.
القاهرة تتمسك بالحل السياسي
أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، اليوم الخميس، ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية تنهي النزاع بين السعودية وجماعة أنصار الله، مشددًا على تضامن القاهرة الكامل مع المملكة في مواجهة الهجمات التي تستهدفها.
وقال عبد العاطي إن «لا بد من استجلاء كافة الفرص لإمكانية التوصل لحلول سياسية»، في تأكيد على أهمية المسار الدبلوماسي بالتوازي مع الاستعدادات الدفاعية.
تطرح التصريحات المصرية مسارًا مزدوجًا يقوم على دعم السعودية في مواجهة التهديدات الأمنية، مع تجنب توسيع دائرة الحرب. فالتدخل العسكري المباشر قد يفتح جبهات جديدة ويزيد احتمالات الردود المتبادلة، بينما تتيح الوساطة السياسية فرصة لاحتواء المواجهة وتقليل كلفتها على الأطراف المعنية.
في هذا السياق، قال اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، في تصريحات لـ«العربي الجديد»، إن تحديد طبيعة التحرك المصري المحتمل يرتبط بالهدف من المهمة، موضحًا وجود اختلاف جوهري بين حماية أراضي دولة تتعرض للتهديد وشن عمليات عسكرية ضد دولة أخرى.
وأضاف أن التصور المطروح للمساندة المصرية يقوم على تعزيز قدرة السعودية على حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، وليس الدخول في مواجهة هجومية داخل اليمن. ويتطلب ذلك تحديد طبيعة التهديدات التي تواجه المملكة، ثم اختيار وسائل التعامل معها وفقًا للأهداف والإمكانات المتاحة.
وأوضح فرج أن التعاون العسكري لا يشترط مشاركة القوات المصرية مباشرة في العمليات، إذ يمكن أن يشمل تقديم الخبرات والمعلومات العسكرية أو توفير المعدات والذخائر اللازمة لتعزيز القدرات الدفاعية السعودية. وتظل مشاركة القوات أحد الخيارات المحتملة، لكن تحديد الحاجة إليها يتوقف على طبيعة المهمة والاحتياجات التي يتفق عليها الجانبان.
وأشار إلى أن تحديد هذه الاحتياجات يتطلب تنسيقًا بين القيادات العسكرية في البلدين، لدراسة المواقع المطلوب تأمينها وتقدير الوسائل المناسبة لحمايتها. فمتطلبات الدفاع عن منشأة نفطية تختلف عن احتياجات تأمين مطار أو ميناء أو موقع استراتيجي آخر.
كما أن اتساع مساحة السعودية وتعدد منشآتها الحيوية يفرضان تحديد الأولويات قبل اختيار شكل الدعم، بدلًا من افتراض أن المساندة تعني بالضرورة نشر قوات مصرية في جميع المواقع أو الانخراط في عمليات قتالية مباشرة.
ولفت فرج إلى أن مشاركة القوات المسلحة المصرية خارج الحدود تخضع للإجراءات الدستورية والقانونية المنظمة، بالتوازي مع تقدير الاحتياجات العسكرية الفعلية، بما يضمن تحديد نطاق المهمة قبل تنفيذها.
البرلمان يؤجل حسم التفويض
يمثل المسار البرلماني أحد أبرز العوامل التي ستحدد ما إذا كان الدعم المصري سينتقل من التعهد السياسي إلى إتاحة تحرك عسكري فعلي. فقد أرجأ مجلس النواب التصويت على طلب التفويض إلى 26 أكتوبر، بعدما عقد جلستين مغلقتين لمناقشة المسألة، وفقًا للمعلومات الواردة في التقرير.
يأتي التأجيل رغم موافقة مجلس الدفاع الوطني على التوجه المطروح، وتأكيد السيسي استعداد بلاده للتحرك دفاعًا عن السعودية. ويشير استمرار المناقشات إلى أن منح تفويض باستخدام القوات المسلحة خارج الحدود يثير اعتبارات تتجاوز إعلان التضامن، تشمل نطاق المهمة ومدتها وتكلفتها والمخاطر المحتملة على الجنود المصريين.
دعا الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي نوابه إلى الامتناع عن التصويت، مشيرًا إلى عدم توافر معلومات كافية بشأن أهداف المهمة وحدودها ومدتها وتكلفتها، فضلًا عن المخاطر التي قد تواجه القوات المصرية. وطالب الحزب بإعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية وتجنب توسيع دائرة الحرب.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام مصرية عن عضو مجلس الشيوخ محمود مسلم قوله إن الكتل الرئيسية في مجلس النواب تتجه إلى تأييد التفويض، وإن عددًا من النواب طلبوا الحديث خلال المناقشات. ومع ذلك، ظل التصويت النهائي غير محسوم وفقًا للتقرير، ما أبقى طبيعة التفويض المحتمل موضع ترقب.
ويكتسب التأجيل أهمية سياسية، إذ يتيح مساحة لمناقشة الالتزامات التي قد تتحملها مصر في حال إقرار التفويض، ولا سيما ما يتعلق بحدود المهمة العسكرية ومخاطر توسعها. فالتصويت على إتاحة التحرك لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار فوري بإرسال قوات إلى اليمن، كما أن إعلان الاستعداد للدفاع عن السعودية لا يحدد وحده طبيعة المشاركة المحتملة.
حسابات الأمن والاقتصاد
لا ينفصل الموقف المصري عن المصالح الأمنية والاقتصادية التي تربط القاهرة بالرياض. فاستمرار الهجمات في البحر الأحمر وباب المندب يهدد حركة الملاحة البحرية، ويزيد الضغوط على قناة السويس التي تعرضت لخسائر كبيرة منذ بدء الهجمات المرتبطة بحرب غزة أواخر عام 2023.
كذلك ترتبط مصر بعلاقات اقتصادية ومالية وثيقة مع السعودية، التي تعد من أبرز شركائها في الخليج، فضلًا عن وجود أعداد كبيرة من العمالة المصرية في المملكة ودول الخليج. ومن ثم، فإن اتساع المواجهة قد ينعكس على المصالح الاقتصادية المصرية، وحركة التجارة والطاقة، والتحويلات المالية.
لكن هذه المصالح لا تلغي المخاطر المرتبطة بالتدخل العسكري. فالانخراط المباشر في الحرب قد يجعل القوات المصرية طرفًا في مواجهة ممتدة، ويعرّض المصالح المصرية لردود محتملة، فضلًا عن احتمال اتساع التوتر مع إيران والأطراف المرتبطة بالنزاع.
لهذا تبدو صيغة الدفاع عن الأراضي السعودية، مع استبعاد شن هجمات على اليمن، محاولة لتحديد سقف واضح للمشاركة المصرية. فهي تمنح القاهرة مجالًا لدعم المملكة من دون إعلان التزام مفتوح بحرب قد يصعب التحكم في مسارها أو توقيت انتهائها.
ولا تعني تصريحات السيسي أن جميع تفاصيل التدخل المحتمل قد حُسمت، بل تحدد الإطار السياسي الذي ترغب القاهرة في التحرك ضمنه. فالتفويض البرلماني، إن أُقر، لا يعني بالضرورة إرسال قوات قتالية إلى اليمن، وقد يظل نطاق الدعم محصورًا في إجراءات دفاعية أو أشكال أخرى من التعاون العسكري، وفقًا لما يتفق عليه الطرفان.
تحذير إيراني ومخاوف من اتساع الحرب
تزامنت التطورات المصرية مع تحركات إقليمية لدعم الدفاعات السعودية، وسط تصاعد المواجهة مع جماعة أنصار الله. وفي المقابل، حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن أي تدخل مصري أو أجنبي في الحرب الدائرة في اليمن قد يعقّد فرص التسوية.
يعكس التحذير الإيراني حساسية طهران تجاه احتمال توسع نطاق المواجهة، خصوصًا إذا انتقل الدعم المقدم للسعودية من التنسيق السياسي والدفاعي إلى مشاركة عسكرية مباشرة في العمليات ضد الجماعة.
وتضع هذه المواقف القاهرة أمام معادلة معقدة: الحفاظ على أمن السعودية ودعم شريك إقليمي رئيسي، مع تجنب خطوات قد تؤدي إلى تصعيد أوسع أو تفتح الباب أمام مواجهة طويلة تتجاوز أهداف المهمة المعلنة.
في المحصلة، تحاول مصر رسم حدود واضحة لدعمها العسكري المحتمل، عبر تأكيد استعدادها للدفاع عن الأراضي السعودية، مع استبعاد شن هجمات داخل اليمن والتمسك بفرص الحل السياسي. لكن الشكل النهائي لهذا الدعم سيظل مرتبطًا بالقرار البرلماني، وطبيعة التهديدات، والتفاهمات المصرية السعودية، ومدى قدرة المساعي الدبلوماسية على احتواء التصعيد قبل تحول الأزمة إلى مواجهة إقليمية أوسع.