لم تمر مراسم أداء اليمين الدستورية لأعضاء الحكومة العراقية الجديدة بهدوء، إذ تحوّل مقطع يوثق قسم رئيس الوزراء علي الزيدي ووزرائه إلى محور جدل على منصات التواصل الاجتماعي. وبين انتقادات طالت طريقة تعامل بعض المسؤولين مع المصحف الشريف، ومطالبات بترجمة التعهدات إلى إجراءات فعلية لمكافحة الفساد، اتسع النقاش ليتجاوز تفاصيل المراسم إلى طبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق الحكومة الجديدة.
أقرا أيضاً: غزة أمام خطر انهيار المستشفيات.. إسرائيل تمنع زيوت تشغيل المولدات
في مستهل الجلسة، دعا الزيدي نوابه والوزراء الجدد إلى أداء «قسم الشرف» أمام الشعب العراقي، متضمناً التعهد بالالتزام بالدستور والقانون، ورعاية مصالح المواطنين، وصون المال العام، والامتناع عن استغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية.
وشدد رئيس الوزراء على ضرورة تجاوز الولاءات الحزبية والقومية والطائفية والعشائرية، والالتزام بمعايير العمل الحكومي المهني، بما يضمن تقديم الخدمات للمواطنين وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.
لكن التفاعل مع المقطع المصور تجاوز مضمون التعهدات إلى تفاصيل بروتوكولية أثارت استياء عدد من العراقيين، إذ ركز ناشطون ومدونون على ما اعتبروه مخالفات في طريقة أداء القسم، ولا سيما في ما يتعلق بوضع اليد على المصحف الشريف.
وأشار متفاعلون إلى أن الأمين العام لمجلس الوزراء، حميد الغزي، وضع يده على ورقة بيضاء بجوار المصحف بدلاً من وضعها عليه، بحسب ما ظهر في المقطع المتداول. كما انتقدوا طريقة أداء نائب رئيس مجلس الوزراء محمد تميم، الذي وضع يداً على القرآن الكريم والأخرى على ملف، فيما اكتفى نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الطاقة، محسن مندلاوي، بالإشارة بإصبعه أثناء ترديد القسم.
وأثارت هذه المشاهد تساؤلات بشأن الجهة المسؤولة عن تنظيم المراسم والتأكد من الالتزام بالإجراءات البروتوكولية، فيما اعتبر ناشطون أن مثل هذه التفاصيل كان ينبغي التعامل معها بعناية أكبر، نظراً إلى رمزية القسم وما يحمله من دلالات دينية وأخلاقية وقانونية.
في المقابل، ربطت تعليقات أخرى الجدل بمعنى الالتزام الفعلي بالتعهدات التي قدمها المسؤولون، معتبرة أن أداء القسم لا ينبغي أن يقتصر على مراسم رسمية، بل يجب أن ينعكس في القرارات الحكومية ومكافحة الفساد وحماية حقوق المواطنين. وتمنى متفاعلون أن تضع الحكومة الجديدة مصالح العراقيين في مقدمة أولوياتها، وأن تعمل على معالجة سنوات من الأزمات والمعاناة والحرمان.
كما تساءل مدونون عن مدى فاعلية الرقابة والمحاسبة في مواجهة الفساد، مشددين على أن حماية المال العام تتطلب إجراءات عملية تضمن مساءلة المسؤولين مهما كانت مواقعهم، وعدم توفير الحصانة لأي شخص تثبت مسؤوليته عن تجاوزات أو مخالفات.
وذهب بعض المعلقين إلى أن قدسية القسم تفرض على المسؤولين التعامل مع لحظته بجدية واحترام، معتبرين أن الالتزام بمراسمه يعكس تقديرهم لرمزية المناسبة. في المقابل، استخدم آخرون لغة حادة في انتقاد ما ظهر في التسجيل، مطالبين بمزيد من الانضباط في المراسم الرسمية التي تحظى بمتابعة شعبية واسعة.
على الجانب الآخر، طرح منتقدون لفكرة القسم القانوني تساؤلات بشأن جدواه العملية، داعين إلى إعادة النظر في الاعتماد على التعهدات الشفهية بوصفها ضمانة للنزاهة، انطلاقاً من أن الأخلاق المهنية لا تُفرض بالطقوس الشكلية وحدها، بل تُختبر من خلال السلوك والممارسة والالتزام بالقانون.
وبين الانتقادات المتعلقة بالمراسم والمطالبات بمحاسبة المسؤولين، يكشف الجدل عن فجوة بين التعهدات الرسمية وتوقعات الشارع العراقي من الحكومة الجديدة. فالقسم، بما يتضمنه من التزامات دستورية وأخلاقية، يكتسب قيمته من مدى تطبيقه على أرض الواقع، خصوصاً في ملفات مكافحة الفساد وصون المال العام وتحسين الخدمات.
وبذلك، لم يعد النقاش مقتصراً على كيفية وضع اليد أثناء أداء القسم، بل امتد إلى التساؤل عن قدرة حكومة الزيدي على تحويل تعهداتها إلى خطوات ملموسة تعيد ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، وتضع المساءلة والنزاهة في صلب العمل الحكومي.