تتجدد التوقعات بشأن زوال إسرائيل مع كل أزمة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية تضربها، خصوصًا في ظل تصاعد الانقسامات الداخلية، واتساع الخلافات حول مستقبلها السياسي، وتفاقم الأعباء الأمنية والاقتصادية التي تفرضها الحروب المتواصلة. غير أن التعويل على انهيارها تلقائيًا، من دون فهم طبيعة قوتها ومصادر استمرارها، قد يحوّل التوقعات إلى مجرد انتظار طويل لا يغيّر الواقع.
أقرا أيضاً: مسؤولة أمريكية توثق اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين
على مدى سنوات، ارتبطت خطابات عربية وفلسطينية بتنبؤات تحدد موعد نهاية إسرائيل، مستندة إلى قراءات دينية أو تاريخية أو سياسية. ومن أبرزها توقعات الباحث الفلسطيني بسام جرار بشأن عام 2022، إلى جانب مقولة «لعنة العقد الثامن» التي اكتسبت حضورًا متزايدًا في النقاشات الإسرائيلية مع اقتراب مرور ثمانية عقود على تأسيس الدولة عام 1948.
لكن تجاوز الموعد الذي ارتبط ببعض هذه التنبؤات يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يكفي تراكم الأزمات لإسقاط إسرائيل، أم أن تفكيك بنيتها السياسية والعسكرية والاقتصادية يتطلب فهمًا أعمق للعوامل التي تضمن استمرارها؟
نبوءة زوال إسرائيل
أقرا أيضاً: قبل الانتخابات الإسرائيلية.. اعتداءات المستوطنين تضع حكومة نتنياهو تحت الضغط
تستند توقعات انهيار إسرائيل إلى قراءة أزماتها المتراكمة، بدءًا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مرورًا بالحروب المتعاقبة، وصولًا إلى الانقسامات السياسية والاجتماعية التي تهدد تماسك المجتمع الإسرائيلي. وتكتسب هذه القراءة زخمًا كلما واجهت الحكومة الإسرائيلية إخفاقًا عسكريًا أو عجزًا عن تحقيق أهدافها المعلنة.
غير أن تحويل هذه المؤشرات إلى موعد محدد للانهيار يظل رهانًا محفوفًا بالمخاطر. فالتاريخ لا يتحرك وفق جداول زمنية ثابتة، والأزمات التي تهز الدول لا تؤدي بالضرورة إلى تفككها ما دامت تمتلك أدوات عسكرية واقتصادية ومؤسسات قادرة على احتواء الضغوط.
لا يعني ذلك أن إسرائيل محصنة من الانهيار، بل إن ضعفها لا يتحول تلقائيًا إلى سقوط. فالتناقضات الداخلية قد تتفاقم، لكن نتائجها تظل مرتبطة بقدرة القوى المناهضة لسياساتها على استثمار التحولات، وبمدى استمرار الدعم الخارجي الذي تعتمد عليه.
لعنة العقد الثامن
اكتسبت مقولة «لعنة العقد الثامن» حضورًا في النقاش الإسرائيلي، استنادًا إلى قراءات تاريخية تربط بقاء الكيانات السياسية بقدرتها على تجاوز أزماتها الداخلية. ومع اقتراب إسرائيل من عامها الثمانين، تصاعدت المخاوف بشأن مستقبلها في ظل الانقسامات السياسية، والتوترات الاجتماعية، وتداعيات الحروب.
تستند هذه المخاوف إلى أزمات ملموسة، أبرزها الخلافات حول طبيعة النظام السياسي، والصراع بين التيارات الدينية والعلمانية، والاحتجاجات المرتبطة بأداء الحكومة، إلى جانب الخلافات بشأن الخدمة العسكرية والإعفاءات الممنوحة لفئات من المجتمع.
مع ذلك، لا تمثل مدة الثمانين عامًا قانونًا تاريخيًا يفرض نهاية الدول عند بلوغه. وتكمن أهمية هذه المقولة في أنها تكشف حجم القلق داخل إسرائيل بشأن قدرتها على الحفاظ على تماسكها، لا في كونها دليلًا قاطعًا على قرب انهيارها.
مخاوف إسرائيلية ويقين عربي
تتغذى التوقعات العربية بشأن نهاية إسرائيل على مشاهد الدمار في غزة، واستمرار المواجهة مع الفلسطينيين، وتراجع الثقة بقدرة الحكومات الإسرائيلية على توفير الأمن لمواطنيها. كما أسهمت الإخفاقات في تحقيق الأهداف المعلنة للحروب في توسيع النقاش حول جدوى النهج العسكري الذي تتبعه تل أبيب.
في المقابل، تكشف التجربة أن الخسائر العسكرية والضغوط الدولية لا تؤدي وحدها إلى تغيير السياسات الإسرائيلية. فقد واصلت الحكومات المتعاقبة الاعتماد على القوة العسكرية، وفرض الوقائع على الأرض، وتوسيع العمليات الأمنية، رغم الكلفة الإنسانية والسياسية الباهظة، ولا سيما على الفلسطينيين.
تكمن المشكلة في التعامل مع الأزمات الإسرائيلية باعتبارها ضمانة كافية لانتهاء الاحتلال. فضعف الحكومة أو تراجع شعبيتها لا يعني بالضرورة تغيير بنية النظام الذي يواصل السيطرة على الفلسطينيين، كما أن الخلافات الداخلية لا تضمن تبني سياسات أكثر عدلًا أو إنهاء الاحتلال.
إسرائيل دولة مادية
يؤدي التركيز على النبوءات وحدها إلى إغفال العوامل المادية التي تساعد إسرائيل على الاستمرار، وفي مقدمتها الدعم العسكري والسياسي الذي تتلقاه من حلفائها، وشبكة علاقاتها الدولية، وقدراتها التكنولوجية، فضلًا عن مؤسساتها الأمنية والعسكرية.
وتتيح هذه العوامل لإسرائيل امتصاص جانب من آثار الحروب والأزمات، رغم ما تفرضه من خسائر بشرية واقتصادية وضغوط اجتماعية. كما أن استمرار تدفق الدعم الخارجي يمنحها قدرة على مواصلة عملياتها العسكرية، حتى عندما تتسع الانتقادات الدولية لسلوكها، خصوصًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لا تنفصل هذه القوة عن طبيعة المشروع الإسرائيلي منذ تأسيس الدولة عام 1948، وما ارتبط به من تهجير واسع للفلسطينيين، ومصادرة للأراضي، وتوسيع للاستيطان، وفرض السيطرة على السكان والأرض. ولذلك، فإن فهم استمرار إسرائيل يتطلب دراسة منظومة المصالح والتحالفات التي تدعمها، إلى جانب تحليل التناقضات التي تواجهها من الداخل.
مؤشرات الهشاشة
تواجه إسرائيل مجموعة من الضغوط التي قد تؤثر في قدرتها على مواصلة سياساتها الحالية. ويأتي في مقدمتها اتساع الخلافات السياسية، وتراجع الثقة بالحكومة لدى قطاعات من المجتمع، وارتفاع كلفة العمليات العسكرية، فضلًا عن المخاوف المتعلقة بالأمن والهجرة والاستثمار.
تُظهر الحروب المتواصلة أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية. فالقوة النارية الواسعة قد تدمر البنية التحتية وتوقع خسائر جسيمة، لكنها لا تنهي بالضرورة مقاومة شعب واقع تحت الاحتلال، ولا تضمن إخضاعه أو انتزاع حقوقه الوطنية.
تقدم غزة مثالًا واضحًا على حدود القوة العسكرية حين تتحول العمليات إلى حرب طويلة ذات كلفة إنسانية هائلة، من دون أن تفضي بالضرورة إلى حسم سياسي مستدام كما أن استمرار المواجهة يضع المجتمع الإسرائيلي أمام أسئلة متزايدة بشأن الأمن، ومستقبل الأسرى، وكلفة الحرب، وقدرة الحكومة على تقديم نتائج تتناسب مع حجم الدمار والخسائر.
لكن المؤشرات لا تكفي منفردة للجزم بقرب انهيار الدولة. فقيمة الأزمات تتحدد بمدى تحولها إلى تغييرات سياسية ومؤسسية عميقة، لا بمجرد تراكمها أو تصاعد حدتها.
أزمات الداخل الإسرائيلي
تتسع الانقسامات داخل إسرائيل بشأن مستقبل النظام السياسي، ودور المؤسسة القضائية، وصلاحيات الحكومة، ومكانة التيارات الدينية، فضلًا عن الخلافات المتعلقة بتوزيع أعباء الخدمة العسكرية. وتزيد هذه الملفات من حدة الاستقطاب بين مكونات المجتمع.
كما تثير الحروب المتواصلة تساؤلات حول قدرة القيادة السياسية والعسكرية على تحقيق أهدافها، في ظل استمرار التهديدات الأمنية وارتفاع النفقات العسكرية وتداعياتها الاقتصادية. وتؤدي هذه الضغوط إلى تعميق الخلافات بين مؤيدي مواصلة الحرب والداعين إلى تغيير النهج المتبع.
مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين أزمة الحكومة وأزمة الدولة، أو افتراض أن الانقسام الداخلي سيقود حتمًا إلى تفككها. فقد تتمكن المؤسسات من احتواء الخلافات، أو إعادة ترتيب التحالفات السياسية، أو تغيير القيادات، من دون أن تتخلى عن السياسات الأساسية تجاه الفلسطينيين.
لذلك، فإن الرهان على الأزمات الداخلية يظل محدودًا ما لم يقترن بتحولات تضع حدًا للاحتلال والاستيطان، وتفرض احترام حقوق الفلسطينيين، وتغيّر موازين القوى التي تسمح باستمرار الانتهاكات.
الدولة الوظيفية
يطرح مفهوم «الدولة الوظيفية» الذي تناوله المفكر عبد الوهاب المسيري مدخلًا لتحليل ارتباط بقاء إسرائيل بشبكة المصالح الإقليمية والدولية. ووفق هذا المنظور، لا يمكن تفسير استمرارها من خلال قدراتها الذاتية فقط، بل يجب النظر أيضًا إلى موقعها ضمن التوازنات الاستراتيجية ومصالح القوى الداعمة لها.
يساعد هذا التحليل على فهم أسباب استمرار الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، حتى في ظل الانتقادات المتزايدة لسياساتها تجاه الفلسطينيين. فالعلاقات الاستراتيجية والمصالح الأمنية والاقتصادية تمنحها هامشًا واسعًا لمواصلة سياساتها، وتحد من تأثير الضغوط الدولية في بعض المحطات.
لكن العلاقة ليست ثابتة إلى الأبد. إذ يمكن أن تتعرض المصالح والتحالفات لتحولات بفعل تغير الحكومات، وتصاعد الرفض الشعبي، وتزايد الكلفة السياسية والأخلاقية للدعم غير المشروط، إلى جانب اتساع المطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ومن هنا، فإن مواجهة السياسات الإسرائيلية لا تقتصر على متابعة أزماتها الداخلية، بل تشمل العمل السياسي والقانوني والدبلوماسي، وتوثيق الانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها، وتعزيز الضغط الدولي لإنهاء الاحتلال وحماية الحقوق الفلسطينية.
من الانتظار إلى المواجهة
إن انتظار انهيار إسرائيل من تلقاء نفسها قد يمنحها وقتًا إضافيًا لمواصلة سياساتها، في حين لا تتوقف معاناة الفلسطينيين عند حدود التوقعات والتحليلات. فالاحتلال والاستيطان والتهجير والعمليات العسكرية تفرض واقعًا يوميًا يتطلب تحركًا سياسيًا وقانونيًا وإنسانيًا مستمرًا.
لا يعني ذلك استبعاد احتمال تعرض إسرائيل لأزمات وجودية، بل رفض التعامل مع هذا الاحتمال بوصفه نتيجة مضمونة أو موعدًا محددًا. فالدول لا تسقط لمجرد أن خصومها يتوقعون نهايتها، كما أن تفوقها العسكري لا يمنحها حصانة دائمة من التحولات الداخلية والخارجية.
تظل القضية الفلسطينية جوهر الصراع، ولا يمكن اختزالها في سؤال بقاء إسرائيل أو زوالها. فالمعيار الأهم هو إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان والتهجير، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
قد تكشف الأزمات المتلاحقة مواطن الضعف في إسرائيل، لكنها لا تتحول إلى تغيير حقيقي ما لم تترافق مع ضغط منظم يحد من قدرتها على مواصلة الاحتلال والإفلات من المساءلة. وبين نبوءات السقوط وواقع القوة، تبقى حقوق الفلسطينيين وحريتهم واستقلالهم القضية التي ينبغي أن تتصدر أي قراءة لمستقبل المنطقة.