الصناعة السورية في مواجهة الواردات.. هل يخنق الانفتاح المصانع المحلية؟

2026.10.21 - 23:45
Facebook Share
طباعة

منافسة غير متكافئة
تواجه المصانع السورية ضغوطاً متزايدة مع تدفق السلع المستوردة عقب تخفيف القيود التجارية وتوسّع الانفتاح على الأسواق الخارجية، في وقت تعاني فيه المنشآت المحلية ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف التمويل ومشكلات الطاقة وتقادم المعدات. ودفع اتساع الفجوة السعرية بين المنتجات المحلية ونظيراتها المستوردة بعض المصانع إلى تقليص إنتاجها أو وقف خطوط إنتاج كاملة خلال الأشهر الماضية، ما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة الصناعة على الصمود في ظل تحرير التجارة قبل استكمال متطلبات التعافي الإنتاجي.

اقرأ أيضاً: منصات رقمية لضبط الدولار في سوريا.. هل تنتهي فوضى الأسعار؟


السوق تسبق الجاهزية
لا تتعلق الأزمة بحجم الواردات وحده، بل بمدى استعداد الصناعة المحلية لمنافسة منتجات تأتي من اقتصادات تتمتع بظروف إنتاج أكثر كفاءة، سواء من حيث التمويل أو الطاقة أو التكنولوجيا أو سلاسل التوريد.
فبعد سنوات من التراجع وتآكل رأس المال وتضرر البنية التحتية، تجد المصانع السورية نفسها أمام منافسة متسارعة، بينما لا تزال الكهرباء محدودة الكفاءة، والتمويل الإنتاجي ضيقاً، والقطاع المصرفي ضعيف القدرة على توفير الائتمان اللازم للاستثمار والتوسع.
ويزيد ارتفاع تكاليف الوقود من صعوبة المشهد، إذ أضافت زيادة أسعار المشتقات النفطية خلال أيلول/سبتمبر أعباء جديدة على قطاعات الصناعة والنقل والتخزين، في وقت تأثرت فيه إمدادات السوق بأعمال صيانة مصفاة بانياس والاعتماد على الاستيراد.
وتبرز هنا أهمية ترتيب الإصلاحات الاقتصادية بما يتيح للقطاعات المحلية وقتاً كافياً للتكيف مع المنافسة، لأن إزالة القيود أمام السلع المستوردة يمكن أن تتم بسرعة، بينما يحتاج تحسين الإنتاجية وتحديث المعدات وتأمين التمويل والطاقة إلى استثمارات ووقت.

اقرأ أيضاً: تحركات دبلوماسية بين دمشق وواشنطن.. الشرع يستقبل براك


حماية مشروطة لا دائمة
يرى أستاذ اقتصاد التنمية والمتخصص في السياسات الصناعية جون راند أن فتح السوق أمام الواردات في اقتصاد محدود القدرة الإنتاجية يضع المصانع المحلية في مواجهة منافسة غير متكافئة، بسبب الفوارق في التمويل والطاقة والتكنولوجيا وحجم السوق.
ويؤكد أن السياسة الصناعية في المرحلة الحالية تحتاج إلى تحديد القطاعات القابلة للتعافي، وتوجيه التمويل والاستثمار والبنية التحتية نحوها وفق جدول زمني واضح.
ويمكن أن تؤدي الحماية الانتقالية دوراً في منح المصانع فرصة لإعادة تنظيم أعمالها، شرط ربطها بمعايير قابلة للقياس تتعلق بتحسين الإنتاجية والتحديث والتصدير. أما فرض الرسوم الجمركية وحده، من دون معالجة أسباب ارتفاع التكاليف وضعف الكفاءة، فقد يؤجل الأزمة بدلاً من حلها.
ويعني ذلك أن دعم الصناعة ينبغي أن يرتبط بتطوير المعدات، وتدريب العمالة، وتحسين الجودة، وتوسيع القدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية، بما يجعل بقاء المنشآت في السوق قائماً تدريجياً على قدرتها التنافسية، لا على الحماية المستمرة.

اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 20-10-2026


كلفة الإنتاج تقيد المنافسة
اتخذت السلطات السورية خلال الأشهر الماضية إجراءات لتخفيف بعض الأعباء المالية عن الصناعيين، بينها خفض السلفة الضريبية على مستوردي المواد الصناعية إلى 1 في المئة اعتباراً من حزيران/يونيو. ومع ذلك، لا تزال تكاليف الطاقة والتمويل والتشغيل والتكنولوجيا من أبرز العوامل المؤثرة في السعر النهائي للمنتجات المحلية.
وتزداد الضغوط مع ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والمرافق، وهي عوامل تسهم في زيادة التضخم وتحد من قدرة المصانع على تثبيت أسعارها، خصوصاً عندما تنافس منتجات مستوردة تأتي من بيئات إنتاج أكثر كفاءة.
وفي هذا السياق، يشير المتخصص في التجارة الدولية والتنظيم الصناعي سفيان الغالي إلى أن تأثير الواردات يختلف باختلاف طبيعة السلع وحجم المنافسة ومستوى الإنتاجية في القطاعات المحلية. فالانفتاح التجاري قد يحسن الكفاءة ويوسع الخيارات أمام المستهلكين، لكنه يتطلب أن تمتلك الشركات المحلية الأدوات اللازمة للتكيف والاستثمار.
ويشدد الغالي على أهمية توفير التمويل والتكنولوجيا ومدخلات الإنتاج بأسعار يمكن توقعها، إلى جانب وضع نظام جمركي واضح يميز بين السلع النهائية والمواد الأولية المستخدمة في الصناعة. فارتفاع كلفة المدخلات الصناعية، بالتزامن مع دخول المنتجات النهائية المستوردة إلى السوق، يضغط على هوامش أرباح المصانع ويحد من قدرتها على التوسع.


التصدير بوابة التعافي
لا يبدو الاعتماد على السوق المحلية وحدها كافياً لاستعادة الصناعة السورية قدرتها على النمو، إذ يحد ضيق الطلب من فرص زيادة الإنتاج وخفض متوسط الكلفة. وفي المقابل، يمكن أن يفتح تنويع الصادرات والوصول إلى أسواق إقليمية أوسع المجال أمام المصانع لزيادة مبيعاتها والاستثمار في الجودة والتكنولوجيا.
ويتطلب ذلك معالجة مجموعة مترابطة من العقبات، تشمل تحسين استقرار الكهرباء، وتوسيع التمويل الصناعي، وتحديث خطوط الإنتاج، وتسهيل الحصول على المواد الأولية، إلى جانب بناء بيئة تنظيمية وجمركية أكثر وضوحاً واستقراراً.
كما تحتاج السياسات الداعمة إلى معايير واضحة لتقييم نتائجها، بحيث ترتبط الحوافز بتحسن الإنتاجية وزيادة الصادرات وتطوير القدرات الفنية، بدلاً من استمرار الدعم من دون نتائج قابلة للقياس. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 10

اقرأ أيضاً