كشفت وثائق جديدة رفعت عنها السرية، عقب دعوى قضائية أقامتها صحيفة «نيويورك تايمز»، تفاصيل إضافية عن برنامج التعذيب السري الذي أدارته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، مسلطة الضوء على محاولات إتلاف تسجيلات توثق تعذيب المعتقلين، والخلافات القانونية التي أحاطت بالبرنامج، والتحقيقات التي لم تسفر عن توجيه اتهامات جنائية للمسؤولين عنه.
أقرا أيضاً: الاحتلال يحاصر زيتون الأقصى.. استهداف للأرض والهوية والرزق
وأوضحت الصحيفة الأمريكية أن الوثائق تتضمن ملاحظات مقابلات أجراها مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) مع مسؤولين سابقين في الوكالة، ضمن تحقيق قاده المدعي العام جون إتش دورهام بشأن إتلاف تسجيلات الاستجواب، وما إذا كانت الاستخبارات المركزية قد تجاوزت الأساليب التي أجازتها وزارة العدل. ويمثل الإفراج عن هذه السجلات خطوة إضافية نحو كشف تفاصيل ملف ظل محاطاً بالسرية لسنوات طويلة.
وبحسب التقرير، تكشف إحدى الشهادات أن مسؤولاً سابقاً في «سي آي إيه»، كان يشرف على أحد مراكز الاحتجاز التابعة لها خارج الولايات المتحدة، سعى عام 2005 إلى تدمير أشرطة فيديو توثق جلسات تعذيب معتقلين في موقع سري. وأفاد المسؤول، خلال مقابلة لاحقة مع مكتب التحقيقات الفدرالي، بأنه لم يكن يريد ترك «فوضى» لمن سيخلفه في منصبه، مقدماً قراره باعتباره محاولة لتسوية ملفات عالقة.
أثار الكشف عن إتلاف التسجيلات عام 2007 ضجة واسعة داخل الولايات المتحدة، دفعت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ ووزارة العدل إلى فتح تحقيقات في القضية، قبل أن يتسع نطاقها ليشمل برنامج التعذيب نفسه، والأساليب التي استخدمتها الوكالة خلال احتجاز المشتبه في تورطهم بأنشطة إرهابية.
وثائق تكشف جانباً من التحقيق السري
تتألف الوثائق التي حصلت عليها «نيويورك تايمز» من 38 صفحة من ملاحظات مقابلات أجراها مكتب التحقيقات الفدرالي، ويُعتقد أن إحدى الشهادات الواردة فيها تعود إلى مسؤول عمل في تايلند، غير أن النسخة المنشورة حجبت اسمه وموقعه. وجاء الإفراج عن هذه السجلات استجابة لدعوى قضائية استندت إلى قانون حرية المعلومات، واستهدفت الحصول على ملفات التحقيق الذي قاده دورهام.
أقرا أيضاً: ويتكوف في روسيا.. مقترح أميركي جديد لإنهاء حرب أوكرانيا
وتُعد هذه المجموعة الدفعة الأولى من وثائق يُتوقع أن تكشف تدريجياً تفاصيل إضافية عن القضية، إذ تشير الصحيفة إلى وجود نحو 1900 صفحة من تقارير المقابلات، يُنتظر الإفراج عن معظمها خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار حجب أجزاء من المعلومات.
ونقلت الصحيفة عن دانييل جونز، كبير المحققين في الدراسة التي أجرتها لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ حول برنامج التعذيب، قوله إن أسئلة كثيرة لا تزال بلا إجابة بشأن تحقيق دورهام، بما في ذلك أسباب إغلاقه والنتائج التي توصل إليها. واعتبر أن نشر هذه السجلات يمثل خطوة مهمة لفهم ما جرى داخل الوكالة، وكيف تعاملت السلطات الأمريكية مع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات.
لا تزال الصورة الكاملة للتحقيق غير واضحة، إذ اقتصرت الدفعة الأولى على نحو 100 صفحة، حُجبت 60 صفحة منها بالكامل، فيما خضعت الأجزاء المنشورة لعمليات تنقيح واسعة. ومن المقرر أن تقدم الحكومة مجموعات إضافية من السجلات شهرياً، لكن حجم المعلومات التي ستتاح للرأي العام سيظل مرتبطاً بقرارات الإفراج وما تسمح السلطات بكشفه.
تتضمن الوثائق المنشورة تفاصيل مقابلة مع ستيفن آر كابس، النائب السابق لمدير وكالة الاستخبارات المركزية، الذي قال إن قيادات في الوكالة أرادت تدمير الأشرطة لأسباب وصفها بأنها «سياسية». وأضاف أن المسؤولين لم يتذكروا نقاشات تشير إلى اعتقادهم بأن إتلاف التسجيلات غير قانوني.
إتلاف الأشرطة يثير تساؤلات بشأن المساءلة
تعود قضية التسجيلات إلى عام 2005، عندما أقدمت وكالة الاستخبارات المركزية على إتلاف مقاطع مصورة لجلسات استجواب داخل أحد مواقع الاحتجاز السرية، رغم وجود طلبات للحصول على أدلة تتعلق بتلك الجلسات، بينها طلبات مرتبطة بلجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر وإجراءات قضائية.
وبررت الوكالة موقفها لاحقاً بمخاوف من نشر التسجيلات، وما قد يترتب على ذلك من كشف هويات العاملين فيها وتعريضهم للخطر. غير أن إتلاف الأدلة أثار تساؤلات بشأن دوافع القرار، ومدى الالتزام بالمتطلبات القانونية المتعلقة بحفظ المواد التي يمكن أن تكون ذات صلة بتحقيقات رسمية.
كما أظهرت السجلات أن عدداً من مسؤولي الوكالة أبدوا دهشتهم من تصوير جلسات التعذيب أساساً، الأمر الذي دفع أحد المشاركين في البرنامج إلى التساؤل عما إذا كان الهدف من التسجيلات تمكين القيادات من التأكد من أن عمليات الاستجواب تُنفذ بالطريقة المطلوبة.
وتثير هذه الإفادات تساؤلات بشأن آليات الرقابة الداخلية في الوكالة، وطبيعة القرارات التي اتخذتها قياداتها حيال توثيق الاستجوابات والتعامل مع الأدلة لاحقاً. كذلك تعيد القضية إلى الواجهة مسألة المسؤولية المؤسسية عن الانتهاكات، ومدى قدرة التحقيقات الرسمية على تحديد المسؤولين عن القرارات التي اتُخذت داخل البرنامج.
أساليب تعذيب تحت غطاء قانوني
أنشأت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن برنامجاً سرياً لاستجواب المعتقلين الذين صنفتهم السلطات الأمريكية ضمن الفئات ذات الأهمية الاستخباراتية العالية، وأطلقت عليه تسمية «الاستجواب المعزز»، في محاولة لتقديم الأساليب المستخدمة باعتبارها إجراءات استثنائية، رغم الانتقادات القانونية والحقوقية الواسعة التي واجهتها.
وشملت الممارسات التي استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية الإيهام بالغرق، وتقييد المعتقلين في أوضاع جسدية مؤلمة لفترات طويلة، وتجريدهم من الملابس، ورشهم بالماء، وضرب أجسادهم بالجدران، وحبسهم داخل صناديق صغيرة. وأصبحت هذه الأساليب من أبرز الملفات المثيرة للجدل في سجل الولايات المتحدة خلال مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر.
واستندت الإدارة الأمريكية آنذاك إلى مذكرة سرية صادرة عن مكتب المستشار القانوني في وزارة العدل، قدمت تفسيراً واسعاً لصلاحيات الرئيس الدستورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وخلصت إلى أن بعض أساليب الاستجواب يمكن اعتبارها قانونية ضمن ذلك التفسير.
زعمت المذكرة أن الصلاحيات الرئاسية تتيح تجاوز بعض القوانين والمعاهدات التي تحظر التعذيب، وهو موقف أثار اعتراضات قانونية واسعة. وتشير الوثائق إلى أن مسؤولاً في وكالة الاستخبارات ناقش مضمون المذكرة مع اثنين من محامي الوكالة، ووصف الرأي القانوني بأنه مقنع.
لكن الإدارة سحبت المذكرة لاحقاً، فيما خلص المفتش العام للوكالة ولجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ إلى أن الاستخبارات المركزية تجاوزت الأساليب التي سبق إبلاغ وزارة العدل بها. وأظهرت المراجعات أن الإيهام بالغرق نُفذ بصورة أكثر عنفاً مما ورد في التقارير المقدمة للوزارة، إلى جانب استخدام ممارسات أخرى، من بينها التغذية القسرية عبر المستقيم.
وتعزز هذه النتائج الجدل بشأن دور التفسيرات القانونية التي قدمتها مؤسسات حكومية في إضفاء غطاء على ممارسات التعذيب، وحدود مسؤولية المسؤولين الذين أجازوا تلك الأساليب أو أشرفوا على تنفيذها.
المواقع السوداء تعقّد المحاكمات
نفذت وكالة الاستخبارات المركزية البرنامج داخل شبكة من مراكز الاحتجاز السرية خارج الأراضي الأمريكية، عُرفت باسم «المواقع السوداء»، حيث احتُجز مشتبه في تورطهم بأنشطة إرهابية وخضعوا لأساليب الاستجواب القاسية.
وأُغلق البرنامج لاحقاً، ونُقل المعتقلون الذين ظلوا محتجزين في تلك المواقع إلى السجن العسكري في غوانتانامو بكوبا. غير أن محاولات تقديم عدد منهم إلى المحاكمة أمام لجان عسكرية واجهت عقبات قانونية مرتبطة بطبيعة المعاملة التي تعرضوا لها خلال احتجازهم لدى الوكالة.
وفي بعض القضايا، أبطل قاض عسكري اعترافات لمتهمين بعدما خلص إلى أنها انتُزعت تحت الإكراه. وأدى ذلك إلى تعقيد الإجراءات القضائية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بأشخاص اتُهموا بالمشاركة في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر، إذ أصبح استخدام الإفادات التي جُمعت خلال التعذيب موضع نزاع قانوني مباشر.
وتوضح هذه العقبات كيف امتدت تداعيات البرنامج إلى ما بعد إغلاق مراكز الاحتجاز، لتؤثر في قدرة السلطات الأمريكية على تقديم المتهمين إلى المحاكمة، وفي مصداقية الأدلة التي جُمعت خلال التحقيقات السرية.
تحقيقات انتهت دون اتهامات جنائية
بدأ التحقيق الرسمي في إتلاف تسجيلات الاستجواب عام 2008، عندما عيّن وزير العدل في إدارة بوش، مايكل موكاسي، المدعي العام جون إتش دورهام للتحقيق في القضية. وفي عام 2009، وسّع وزير العدل في إدارة الرئيس باراك أوباما، إريك هولدر، نطاق المهمة لتشمل فحص احتمال انتهاك الوكالة للقانون من خلال تجاوز الأساليب التي وافقت عليها وزارة العدل في مذكرتها القانونية.
وفي بيان صدر عام 2010، أعلنت وزارة العدل أن دورهام قرر عدم توجيه اتهامات جنائية إلى أي شخص بشأن إتلاف التسجيلات. ثم أعلنت الوزارة عام 2012 عدم توجيه اتهامات تتعلق بمعاملة المعتقلين، بما في ذلك قضايا سجينين توفيا أثناء احتجازهما لدى وكالة الاستخبارات المركزية.
ومع ذلك، لم تُنهِ تلك القرارات الجدل بشأن التحقيق، إذ ظلت تفاصيل الإجراءات والنتائج التي توصل إليها دورهام بعيدة عن اطلاع الجمهور. وأعادت الوثائق الجديدة إحياء التساؤلات بشأن أسباب عدم المضي في الملاحقات الجنائية، ومدى اكتمال المساءلة عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال البرنامج.
وكانت «نيويورك تايمز» قد تقدمت بدعوى قضائية عام 2014 للحصول على تقارير دورهام وسجلات مقابلات مكتب التحقيقات الفدرالي، لكنها لم تنجح في ذلك الوقت. وبعد تعديل الكونغرس المعايير القانونية المتعلقة بالكشف عن المعلومات بموجب قانون حرية المعلومات عام 2016، عادت الصحيفة إلى القضاء بدعوى جديدة في عام 2022.
وفي عام 2024، قضى القاضي الفدرالي جيمس إي بواسبيرغ، من المحكمة الجزئية لمقاطعة كولومبيا، بإمكانية استمرار حجب تقارير دورهام، رغم اطلاعه عليها بصورة سرية. لكن الدعوى دفعت الحكومة إلى بدء الإفراج عن نسخ من سجلات مقابلات مكتب التحقيقات الفدرالي، مع حذف أجزاء واسعة من محتواها.
وتفتح الوثائق المنشورة نافذة إضافية على أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ المؤسسات الأمنية الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر، لكنها لا تقدم حتى الآن إجابات كاملة عن المسؤوليات الفردية والمؤسسية، أو الأسباب التي حالت دون توجيه اتهامات جنائية. ومع استمرار الإفراج عن السجلات خلال الأشهر المقبلة، يبقى حجم المعلومات الجديدة وقدرتها على توضيح مسار التحقيق ونتائجه مرهونين بما ستسمح السلطات بنشره من الوثائق السرية.